شبح الاشتراكية يطارد أمريكا

تظهر آخر استطلاعات الرأي أن 39% من الأمريكيين كوّنوا آراء إيجابية حول الاشتراكية على رأسهم صغار السن بما يزيد عن هذا الرقم إلى النصف.
حقق مرشحون اشتراكيون انتصارات عدة في انتخابات يوليو على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية.
إذ فتحت هذه الانتصارات الباب أمام نقاشات واسعة من قبل الاشتراكيين حول العلاقة بين الانتخابات والحركات الجماهيرية وماذا يمكن لها أن تحقق.
أمينة هي الرئيسة المشاركة لمقر الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA) بمدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا. وقالت أمينة لصحيفة سوشاليست ووركر (العامل الاشتراكي) أنّ “الناس في حالة غليان، إنهم غاضبون من مظالم النظام والبنية الرأسمالية”.
وأضافت أنه “علينا تنظيم صفوفنا على أوسع نطاق حول أفق اشتراكي، لا أعتقد أن الناس قد فقدوا اهتمامهم بالانتخابات، فمن الواضح أن التاريخ السياسي لهذا البلد يتحول إلى استعراض مع كل دورة انتخابية، لكن الناس يريدون أكثر من ذلك”.
متابعة بأنه “يجب على المنظمين إدراك أن مواقع العمل ساحات للصراع، وأن السكن ساحة للصراع، وأن الانتخابات يمكن أن تكون أيضًا ساحة ننتزع فيها المزيد من المكاسب”.
مؤكدة أنه “علينا خوض النضال على جميع الجبهات، لأن دعاة تفوق العرق الأبيض والليبراليين يفعلون ذلك، وتجاهل هذه الساحات لن يؤدي إلى اختفائها. بل علينا أن ننتزعها منهم، كما رأينا في الانتصارات التي حققها الاشتراكيون الديمقراطيون في كولورادو ومدينة نيويورك. لكننا نعرف أن المعركة لا تنتهي بمجرد الفوز بعدد من الانتخابات”.
وجاء تصاعد التأييد للاشتراكية في سياق اتساع الحركات الجماهيرية والنضالية المتضامنة مع فلسطين، والمناهضة لإرهاب وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE).
صرح سكوت، وهو عضو في تكتل (ماونتن كاكوس) اليساري داخل الاشتراكيين الديمقراطيين، لصحيفة العامل الإشتراكي، فلسطين بلا شك هي القضية الأخلاقية الأبرز في عصرنا. كما أن مواجهة وكالة الهجرة والجمارك وترحيلها للمهاجرين لا تقل أهمية”.
وأضاف أن “هاتان القضيتان أسهمتا في نمو الاشتراكيين الديمقراطيين ربما أكثر من أي نضالات أخرى. وأقصد خصوصًا الحملات المطالبة بإلغاء وكالة الهجرة والجمارك، والنضال ضد سياساتها، ولا سيما في كانساس سيتي بولاية ميزوري، ومينيابوليس”.
متابعًا بقوله إن ّ”القضية الفلسطينية أسهمت في نمو تنظيمنا في كل مكان. وأزعم أن هذه القضية كانت العامل الذي مكّننا من اختراق الحواجز، لأن منظمتنا، منذ تأسيسها بصيغتها الحالية، وقفت دائمًا ضد تجريد الفلسطينيين من أرضهم، وضد سرقة وطنهم”.
كما شرحت إحدى عضوات الاشتراكيين الديمقراطيين في مدينة بورتلاند للصحيفة كيف ينظم المقر عمله الميداني. مصرحة بأن ” مقر بروتلاند يتمتع بقدرة كبيرة على حشد المتطوعين والمتظاهرين”.
وأضافت “قبل أسابيع قليلة، حاولت إحدى المنظمات الصهيونية المحلية إقصاء إحدى عضواتنا من منصبها في مجلس إدارة إحدى المدارس خلال جلسة مغلقة. لكن المقر نجح في حشد عشرات المتطوعين للاحتجاج وتسليط الضوء على ما جرى.
وتابعت: «كان عدد المتضامنين معنا أكبر من عدد المؤيدين للصهيونية، وانتهى الأمر باحتفاظ زميلتنا بمقعدها. وإلى جانب ذلك، يعمل المقر باستمرار مع حركات أخرى مثل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، وهو ما يساعدنا على نشر الوعي وكسب معركة السرديات “.
لكن، رغم هذه النجاحات، ترى العضوة أن تحقيق انتصارات حاسمة من أجل فلسطين وضد وكالة الهجرة والجمارك ما زال يتطلب نضالًا أكبر. متسائلة “هل أصبحنا قادرين على إحداث تغيير حقيقي حتى الآن؟ لا. فما زالت المدينة تبرم عقودًا مع شركات تساهم في الإبادة الجماعية. وما زالت مراكز البيانات تُبنى. وما زالت وكالة الهجرة والجمارك تداهم المنازل ليلًا وتعتقل الناس”.
حقق مرشحو الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA) انتصارات تابعة لانتخابات رئاسة البلديات في سياتل ونيويورك، كما تشير التوقعات إلى فوزهم في العاصمة واشنطن، المركز السياسي الأول للولايات المتحدة.
ومن جهة أخرى فاز أعضاء في التنظيم أيضًا بالانتخابات التمهيدية في ولايات عدة، بينها كولورادو ونيويورك.
وخاض هؤلاء المرشحون حملاتهم الانتخابية على أساس دعم القضية الفلسطينية، في مواجهة مرشحين حظو بدعم لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، وهي جماعة ضغط مؤيدة للاحتلال الإسرائيلي أنفقت مليارات الدولارات لدعم المرشحين المؤيدين للصهيونية.
وتدعو مرشحة الاشتراكيين الديمقراطيين بنيويورك، دارياليزا أفيلا شوفالييه، إلى إلغاء نظام السجون بصورته الحالية. كما تطالب مرشحة أخرى في الولاية، كلير فالديس، بتأميم قطاع الطيران.
وقال سكوت لصحيفة العامل الإشتراكي إنّ تمسك مرشحي التنظيم بمواقفهم المبدئية هو ما يكسبهم التأييد. مضيفًا بأنّ كلير فالديس كادر في الاشتراكيين الديمقراطيين، وقد نشأ مسارها السياسي بالكامل داخل الفرع المحلي للتنظيم.
تابع مصرحًا بأنه “يعتقد أنها صاحبة مواقف مبدئية. فهي المرشحة الوحيدة للكونغرس التي تتعهد بدعم غير مشروط لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ويَرِد تعبير دعم غير مشروط بوضوح على موقعها الإلكتروني، وهو ما أقدّره كثيرًا”.
يثير تصاعد شعبية الاشتراكية الديمقراطية قلقًا متزايدًا داخل الطبقة الحاكمة الأمريكية.
فقد حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاشتراكيين قائلًا “إنهم شيوعيون متشددون لا يؤمنون بالله”. كما صرح – في السياق ذاته- رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون، في وقت سابق من هذا الشهر “البرابرة أصبحوا داخل الأسوار”.
وأصدر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تقريرًا زعم فيه أن الاشتراكية الديمقراطية، إلى جانب حركات مثل حياة السود مهمة، ليست سوى واجهة للحكومة الكوبية، وأنها “صُممت لقلب أمريكا على نفسها”.
ولا يقتصر القلق من صعود الاشتراكية على الجمهوريين، بل يمتد إلى الحزب الديمقراطي أيضًا. فقد قال حاكم ولاية كولورادو الديمقراطي جاريد بوليس “أنا حريص على ولايتنا، ولا أريد للاشتراكيين أن يدمروا كولورادو. ففي كولورادو التي تتسع للجميع، لا نحكم على الناس بناءً على حجم ثرواتهم». وتُقدَّر ثروة بوليس بنحو 400 مليون دولار.
ويتشارك الحزبان الرئيسيان الخوف من تنامي التأييد للاشتراكية، لكن داخل اليسار نفسه يدور نقاش واسع حول معنى الاشتراكية وما الذي تمثله.
وقالت أمينة لصحيفة العامل الاشتراكي :
” الاشتراكية تعني أن تكون السلطة بيد الناس. وهي تستند إلى تاريخ المجتمعات الجماعية، حيث تُوجَّه السلع والخدمات والنشاط الاجتماعي كله لخدمة البشر والبيئة، لا باعتبارها مجرد عملية تبادل أو صفقة “.
لكن بعض أعضاء الاشتراكيين الديمقراطيين يتبنون تعريفًا أكثر اتساعًا للاشتراكية.
وأضاف سكوت أنّ “المظلة داخل الاشتراكيين الديمقراطيين واسعة للغاية”. وأوضح أن التنظيم يلتزم رسميًا بالاشتراكية الديمقراطية ويعارض الستالينية، لكنه يضم طيفًا واسعًا من الأعضاء، يمتد من الاشتراكيين الديمقراطيين إلى الاشتراكيين الثوريين، وحتى بعض الماوييّن.
وقالت إحدى عضوات مقر بورتلاند للصحيفة أنها “بصراحة، لا تعرف إن كان يمكن اعتبار عضوية الاشتراكيين الديمقراطيين اشتراكية بالفعل. مضيفة بأنّ “هناك احتكاك حاد بين من يؤمنون بالاشتراكية باعتبارها مشروعًا للتحرر الاجتماعي، وبين التقدمييّن الذين يوسعون تعريف الاشتراكية إلى حد كبير”.
وأوضحت أن فرعها صوّت لصالح تأييد مرشح تدعمه إحدى نقابات الشرطة، إلا أن هذا المرشح لم يحصل على الأغلبية المعززة المطلوبة لنيل التأييد الرسمي من التنظيم.
ورغم أن الاشتراكيين الديمقراطيين ينظرون إلى مشروعهم باعتباره خطوة نحو “بناء حزب”، فإنهم يخوضون الانتخابات عبر بطاقة الحزب الديمقراطي، وهو ما يخلق دائمًا خطر انجذاب ممثليهم المنتخبين نحو سياسات المؤسسة الديمقراطية الأكثر يمينًا.
وتُعد عضوة الكونغرس عن نيويورك ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز (AOC) من أبرز أعضاء الاشتراكيين الديمقراطيين، وقد حظيت بدعم التنظيم خلال حملتها الانتخابية. لكنها، منذ وصولها إلى الكونغرس، صوّتت لصالح إرسال ما وصفته بـ”الأسلحة الدفاعية” للاحتلال الإسرائيلي.
وقال سكوت للصحيفة أنّ ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز تنظر إلى الاشتراكيين الديمقراطيين باعتبارهم واحدة من بين منظمات عديدة ساعدتها على الفوز. ولا أعتقد أنها تشعر بأنها مدينة لنا بالكثير”. ومنذ ذلك الحين، سحب التنظيم تأييده لها.
من جهته، انتُخب زهران ممداني رئيسًا لبلدية مدينة نيويورك بوصفه مرشحًا اشتراكيًا ذوو وعودًا راديكالية. ومنذ توليه المنصب، أقر تجميد الإيجارات، وفرض ضريبة على امتلاك المنازل الثانية. لكنه أبقى أيضًا مفوضة الشرطة، جيسيكا تيش، المليارديرة، في منصبها، كما تراجع عن وعده باعتقال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو.
وصرحت فيكي للصحيفة -وهي عضوة في الاشتراكيين الديمقراطيين- بأنّ “زُهران هو الشخصية الأبرز في اليسار الأمريكي اليوم لسبب وجيه. فقد نجح بدرجة كبيرة في الحشد وكسب التأييد الشعبي. وأعتقد أنه يحقق أفضل ما يمكنه تحقيقه في الظروف الحالية”.
لكن أعضاء آخرين في التنظيم يوجهون انتقادات أكثر حدة لاستراتيجية ممداني. وقالت أبريل، العضوة في مقر التنظيم بنيويورك وتيار الإصلاح والثورة، لصحيفة العامل الاشتراكي “كان فوز زُهران في انتخابات نوفمبر الماضي ضربة قوية للطبقة الحاكمة وللمؤسسة السياسية”.
وأضافت “تمكنت إدارته، خلال نصف عام فقط، من تحقيق مكاسب مهمة لصالح الطبقة العاملة، وإن كانت محدودة. ولكن الاستراتيجية التي تتبناها قيادة مقر نيويورك للاشتراكيين الديمقراطيين تكبح الإمكانات السياسية التي أتاحها هذا الانتصار”.
كما أبدى سكوت تحفظاته، قائلًا إن ممداني “يلتزم باستراتيجية المقر، وهي استراتيجية تُخضع معظم القضايا لهدف تمرير إصلاحات تفيد الطبقة العاملة في مدينة نيويورك، أملاً في تعزيز الشعبية وبناء المصداقية لمشروعه السياسي. مضيفًا بأنه “يعتقد ارتكاب ممداني أخطاء كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بقضية الشرطة. فعدم حل وحدة الاستجابة الاستراتيجية داخل جهاز الشرطة، وعدم إقالة جيسيكا تيش، يمثلان خطأين كبيرين”.
ويصف بعض الاشتراكيين نهج ممداني، الذي يركز على تحقيق إصلاحات عملية تمس حياة الطبقة العاملة، بأنه نموذج لما يسمى باشتراكية المجاري” (اشتراكية ميلووكي بولاية ويسكونسن الأمريكية في ثلاثينيات القرن الماضي)، في إشارة إلى تقليد سياسي يركز على تحسين الخدمات العامة والظروف المعيشية اليومية.
لكن أحد أعضاء الاشتراكيين الديمقراطيين صرح للصحيفة بأنه “ليس مقتنعًا تمامًا بما يسمى اشتراكية المجاري لدى زهران. ويشعر بأنها أقرب إلى الديمقراطية الاجتماعية للمجاري. وحده الزمن سيكشف مدى نجاحها، لكنها بلا شك فعالة في كسب التأييد”.
ووصل عدد أعضاء الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا إلى 120 ألف عضو، ليصبح التنظيم الأكبر في تاريخ الحركة الاشتراكية الأمريكية، متجاوزًا الحزب الاشتراكي الأمريكي الذي بلغ عدد أعضائه 113 ألفًا في ذروة قوته عام 1912.
قاد التنظيم الاشتراكي الأمريكي يوجين ف. دبس، الماركسي الذي ترشح للرئاسة عدة مرات. وفي انتخابات عام 1912 الرئاسية حصل على نحو 900 ألف صوت، أي ما يعادل 6 في المئة من إجمالي الأصوات.
وكان دبس من أبرز ممثلي الجناح اليساري داخل التنظيم الاشتراكي. وقد عارض الاعتماد على الانتخابات وحدها، ورأى أن نضال الطبقة العاملة هو المحرك الأساسي للتغيير الاجتماعي.
وقال ذات مرة “لن تتمكنوا أبدًا من التصويت لإقامة الجمهورية الاشتراكية”.
كما أدرك دبس أن الحزب الديمقراطي جزء من المشكلة، وكان يؤكد أنه “لا يوجد أي فرق على الإطلاق” بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لأن كليهما يدافع عن النظام الرأسمالي. ولذلك رأى أن خوض الانتخابات يجب أن يكون وسيلة لتعزيز نضالات العمال، لا غاية في حد ذاته.
أما بالنسبة لقطاع واسع من قيادة الاشتراكيين الديمقراطيين اليوم، فما يزال تركيزهم الأساسي منصبًا على الفوز بالانتخابات، بينما تُخضع الحركات الجماهيرية وأشكال النضال الشعبي لهدف انتخاب مرشحين اشتراكيين.
وقال فيكتور فرنانديز، عضو منظمة ماركس21 في لوس أنجلوس، لصحيفة سوشاليست ووركر “يقع الاشتراكيون الديمقراطيون في فخ التركيز على الانتخابات بدلًا من بناء الحركات الجماهيرية”.
لكن داخل التنظيم أيضًا من يتمسك بإرث يوجين دبس وتقاليد الاشتراكية الثورية. وتدعو أبريل، من تيار الإصلاح والثورة، إلى تبني “استراتيجية انتخابية قائمة على الصراع الطبقي”. مضيفة بأنه “بدلًا من التعامل مع الاشتراكيين المنتخبين باعتبارهم مجرد سياسيين أفراد أفضل من غيرهم، علينا أن نبني حملات جماهيرية
تستخدم المطالب التي نطرحها في برامجنا الانتخابية كحافز لبناء تنظيم طبقي مستقل”.
خاتمة كلامها بأنّ “ما نحتاجه هو استراتيجية بديلة تنطلق من حقيقة أن مصدر قوتنا السياسية الوحيد هو قوة الطبقة العاملة المنظمة”.
*مقال مترجم من جريدة العامل الاشتراكي البريطانية





