بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

عندما يتحول الوطن الى جحيم

“قنبلة” سبتة تفضح الحكام العرب

يتبنى الاتحاد الأوروبي منذ اتفاقه مع تركيا عام 2016 نموذجاً بات متكرراً في التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية: تقديم دعم مالي وأمني لأنظمة حاكمة في دول العبور الجنوبية (تونس، ليبيا، موريتانيا، مصر، المغرب) مقابل التزامها بضبط حدودها ومنع وصول المهاجرين إلى السواحل الأوروبية.
تتخذ تلك الصفقات ظاهرياً هدفاً مزدوجاً: دعم اقتصادي تحتاجه الحكومات لاحتواء تدهورها الداخلي، مقابل دعم أمني/سلطوي لضبط الحدود. بيد أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن هذا المنطق مطلوب مراجعته من ناحيتين: الأرقام الفعلية للعبور، والرغبة المتصاعدة في الهجرة التي لا تعكسها بالضرورة أرقام العبور في لحظة معينة — فالأنظمة السلطوية، لكونها تتحكم بالأداة الأمنية نفسها، قادرة على فتح الصنبور وإغلاقه سياسياً وقتما شاءت.

أولاً: ما حدث في سبتة — لحظة انفجار، لا مؤشر إحصائي وحيد
في 30 يوليو 2026، عبر عشرات الآلاف من المهاجرين المغاربة — غالبيتهم من الشباب ويضم بعضهم عائلات ونساء وأطفال — الحدود الفاصلة بين المغرب ومدينة سبتة الخاضعة للحكم الإسباني، عبر حاجز الأمواج أو سباحة على طول الشاطئ. الحصيلة الأولية تحدثت عن نحو 41 ألف عبور خلال يوم واحد فقط بحسب آخر تحديث نقلته الإذاعة الإسبانية “كادينا سير”، ثم ارتفعت الحصيلة إلى 61 ألفاً مع استمرار عمليات الإحصاء، بينما تراوحت تقديرات أخرى بين 49 و60 ألف شخص خلال 24 ساعة من قرب الحدود. ويُوصف هذا الحادث في بعض التغطيات بأنه “أكبر عملية عبور جماعي منذ عام 2021”.

وبحسب وزارة الداخلية الإسبانية، لم يصل أي مهاجر من هذه الموجة فعلياً إلى البر، إذ عادت جميعها بشكل مؤقت — مقارنة بعبور 4 آلاف شخص فقط طوال عام 2025 و28 ألفاً طوال عام 2024.
هنا لا بد من الفصل بين مؤشرين مختلفين لا يجوز الخلط بينهما:
• مؤشر إحصائي وهو “عدد من عبروا فعلياً ووصلوا إلى الأراضي الأوروبية”، وهذا المؤشر تراجع بوضوح خلال عام 2025 نتيجة نجاح السياسات الأمنية المكثفة المدعومة أوروبياً ودولياً في كل من المغرب وتونس وليبيا.

• مؤشر نفسي-اجتماعي وهو “حجم الرغبة الكامنة في الهجرة لدى الشباب”، وهذا المؤشر في تصاعد مستمر ولا تعكسه أرقام العبور الفعلي بالضرورة.
وواقعة سبتة نفسها هي أفضل دليل على الفارق بين المؤشرين: فالتواطؤ الذي جرى من الجانب المغربي — بتخفيف الرقابة على الحدود لساعات — لم يخلق الرغبة في الهجرة، بل كشفها فجأة بعدما كانت مكبوتة خلف جدار أمني صمد لسنوات. فالأرقام المنخفضة في عام 2025 لم تكن دليلاً على “حل” أسباب الهجرة، بل نتيجة قرار سياسي لحظي من نظام قادر على التحكم بالصنبور — فتحاً وإغلاقاً — بحسب ما تقتضيه مصلحته في لحظة بعينها.

ويكشف هذا الانفجار المفاجئ — من أعداد شبه معدومة إلى عشرات الآلاف خلال أيام معدودة — هشاشة “الحل الأمني”. فالأسوار والتحصينات والرقابة المشددة التي استثمر فيها الطرفان الأوروبي والمغربي لسنوات لم تمنع الانفجار، بل أدى الاحتواء الأمني المستمر إلى تراكم ضغط كامن ينفجر دفعة واحدة عندما تضعف الرقابة أو تتغير الظروف قليلاً.

لذا فإن كون أسباب الهجرة تبقى قائمة تماماً هو ما يفسّر نمطياً: لماذا يظل “الحل الأمني” هشاً بنيوياً حتى في الحالات التي تبدو فيها الأرقام الإجمالية متراجعة مؤقتاً.

نمط متكرر لا حالة معزولة
في تونس، التي وقّعت مع الاتحاد الأوروبي “شراكة استراتيجية شاملة” عام 2023، لم تكن سبتة حالة معزولة. ففي تونس، بحسب مركز كارنيغي للسلام الدولي، إن أعداد المهاجرين المنطلقين من الساحل التونسي ارتفعت ارتفاعاً كبيراً منذ 2020 حتى بلغت مستويات وصلها إلى أرقام مقاربة لأزمة 2014-2016. كما أكد التقرير أن الأثر الأبرز لتشديد الضوابط الأمنية لم يكن الحد من الهجرة أو تعطيل عمل شبكات التهريب، بل رفع تكلفة خدمات المهربين وزيادة المخاطر التي يواجهها المهاجرون أنفسهم — أي أن السياسة نفسها أنتجت هجرة أكثر خطورة، لا هجرة أقل.

كيف تحولت ورقة الهجرة إلى أداة ضغط سياسي؟
يوثق عدد من الدراسات أن الأنظمة المستفيدة من هذه الاتفاقيات تحوّل ورقة الهجرة إلى أداة ضغط سياسي: فتركيا على سبيل المثال استخدمت النفوذ الذي اكتسبته من “صفقة اللاجئين” مع الاتحاد الأوروبي في الضغط على ملفات الانضمام للاتحاد وتحرير التأشيرات، إضافة إلى الرد على الانتقادات الموجهة لسجلها الداخلي في حقوق الإنسان، وللدفع نحو تعديل مسار الدعم الأوروبي لصالح ملفات أخرى.

كما استخدمت مصر تحت حكم السيسي ملف الهجرة كورقة تفاوض مركزية مع أوروبا. ففي مارس 2024، ووقّع الاتحاد الأوروبي مع القاهرة اتفاقية “شراكة استراتيجية شاملة”، حصلت مصر بموجبها على حزمة تمويل بقيمة 7.4 مليار يورو حتى 2027 (منها 5 مليارات قروض ميسّرة، و1.8 مليار استثمارات، و600 مليون منح)، إضافة إلى مشروع “تعزيز الاستجابة لتحديات الهجرة” بقيمة 90 مليون يورو. منظمات مثل Mixed Migration Platform وEuroMed Rights تصف العلاقة بأنها “مقايضة”: دعم مالي وسياسي مقابل ضبط حدودي.

وفي يونيو 2026، بين تسريب مصري ضغطاً سريعاً لرصد تحركات المهاجرين نحو أوروبا.

ويتكرر المشهد في تونس، حيث حولت 4 مليارات دولار متبقية من الاتفاق، شريطة تقديمها لتحمل أعباء اللاجئين لديها — ما يجعل من الصعب فصل “أمن حدودي” ليس مدعماً ولا خدمة للإصلاح الداخلي، بل ترى فيه أوروبا استثماراً في “كتم الضغوط على حدودها” لا دعماً للإصلاح الداخلي.

وثمة أمثلة توثق ورقة الهجرة صراحة للضغط على أوروبا: بموجب مذكرة تفاهم يوليو 2023، مع تونس، تستخدم في سعيها لاستصدار دعم اقتصادي، ثم رفع سقف مطالبها من مخصص الاتحاد الأوروبي 105 ملايين يورو لضبط الحدود، ووعد إضافي بمليار يورو، أعاد 60 مليون يورو من التمويل لاحقاً كأمن حدودي وحده. لكن سعيها ارتفع إلى نحو 165-208 مليون يورو تقريباً للاتحاد عام 2023 رافضاً وصفها بـ”الصدقة”، وتوقفت تونس منذ منتصف 2025 عن نشر إحصائيات اعتراض المهاجرين التي كانت تستخدمها سابقاً “تكتيك سياسي” للمساومة، لا مجرد إجراء أمني.

في المغرب، السابقة الأوضح كانت أزمة مايو 2021: حين استقبلت إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو للعلاج، فتح المغرب حدوده أمام آلاف المهاجرين نحو سبتة بشكل درامي مباشر. والنمط يتكرر الآن: حادثة الأحد الأخير (30 يوليو 2026) جاءت أيضاً وسط اتهامات لتحليلات إسبانية بأنها تندرج ضمن “تسهيل مقصود” في ظل ملف سبتة والمتنازع عليه أصلاً بين البلدين — ما يجعل من الصعب فصل “الأمن الحدودي” عن “الرسالة السياسية”.

الاستنزاف الديمقراطي: مفهوم يحتاج ضبطاً، لا خلطاً بالقمع المباشر
هنا لا بد من تمييز دقيق يفصل بين ظاهرتين متداخلتين لكنهما مختلفتان بنيوياً:
الأولى هي القمع السياسي المباشر: الأنظمة السلطوية تلاحق معارضيها وتحبسهم وأحياناً تقتلهم أو تمنع سفرهم — وهذه ظاهرة يفسّرها إطار الصراع السياسي الكلاسيكي، ولا علاقة مباشرة لها بسياسات الهجرة الأوروبية.

الثانية هي ما تصفه بعض الدراسات بـ”الاستنزاف الديمقراطي” (Democratic Drain): وهي ظاهرة أوسع وأكثر تعقيداً، لا تتعلق بالضرورة بالمعارضين السياسيين النشطين، بل بأصحاب الكفاءات والفئات المتعلمة الذين يختارون الهجرة لأن الفضاء العام مغلق أمامهم — من تضييق على الحريات الأساسية، وتآكل الحماية القانونية، وضيق فرص التعليم والعمل، وانعدام الأمان القائم على التنوع الاجتماعي والسياسي. أي أن دوافع الهجرة هنا عوامل “طرد” سياسية-حقوقية بقدر ما هي اقتصادية، لا نتاج قمع مباشر واحد بعينه.

الخلط بين الظاهرتين يضعف الحجة التحليلية: فبينما يمكن تفسير القمع المباشر ضمن صراع سياسي واضح المعالم (نظام ضد معارضة)، فإن الاستنزاف الديمقراطي يحتاج إطاراً تحليلياً مختلفاً يجمع بين الاقتصاد السياسي وسوسيولوجيا الهجرة، لا مجرد تصنيفه كصورة أخرى من “قمع الأنظمة لمعارضيها”.

مع هذا التمييز، يبقى المسار الذي ترسمه الأرقام لافتاً: إذ يشير مركز كارنيغي للسلام الدولي إلى تحول تونس إلى “مركز عبور: الهجرة غير الشرعية ومعضلة السياسات”. وتفيد دراسة حديثة بعنوان “Horizontal and Vertical Diversity” (حالة تركيا) بأن مفاوضات مع مهاجرين أتراك من ذوي الكفاءة العالية دلّت على أن أبرز دوافع هجرتهم كانت تقييد الحقوق الديمقراطية الأساسية، وتآكل الحماية القانونية، والتضييق على أنماط الحياة والتعليم، وانعدام الأمان القائم على التنوع الاجتماعي — أي عوامل “طرد” سياسية-حقوقية مباشرة، لا اقتصادية فقط، متجاوزة عن مجرد التراجع الديمقراطي.

وتضيف دراسة صادرة عن مركز فريمان سبوگلي بجامعة ستانفورد ملاحظة مهمة: أن 79% من الأنظمة الديمقراطية — أي أن الاستبداد نفسه فقط من الأنظمة السلطوية تفرض قيوداً على هجرة مواطنيها، مقابل 4% فقط للديمقراطيات. وقد يتحول ضغطاً متراكماً إذا ضعفت قبضة النظام الأمنية أو تغيّرت الظروف، وقد يُنفّجر خلال أيام معدودة بعد سنوات من الهدوء الظاهري على تلك الحدود — تماماً كما حدث في سبتة.

خاتمة: من زاوية الإصلاح الديمقراطي، ومن زاوية نقدية للمصالح الجيوستراتيجية
الأدلة العملية (سبتة، تونس) والأدلة النظرية (دراسات الهجرة من تركيا، إحصاءات ستانفورد عن سياسات الهجرة تحت الاستبداد) تتقاطع كلها عند نتيجة واحدة إلا وهي :أن تحويل المساعدات والدعم الدولي إلى أداة لتثبيت الاستقرار الأمني للأنظمة السلطوية — بدلاً من دفعها نحو إصلاح سياسي حقيقي — لا يعالج أسباب الهجرة بل يؤجلها ويراكمها. فالحل الأمني وحده (أسوار، رادارات، حرس سواحل) يكرر مراراً أنه يرفع كلفة الهجرة ومخاطرها دون أن يقلل عددها فعلياً، لأن الدافع الأعمق — إمكانية التعبير والتغيير من الداخل — يبقى مقفولاً لا متاحاً.

لكن قراءة هذا النمط باعتباره مجرد “قصور” أو “ازدواجية معايير” في تطبيق سياسة الشرطية الأوروبية تبقى قراءة قاصرة، لأنها تفترض ضمنياً حسن نية لم تثبته الوقائع نفسها التي يوردها هذا المقال. فالمنطق الأقرب لتفسير هذا النمط المتكرر عبر تركيا ومصر وتونس والمغرب — على اختلاف سياقاتها — ليس فشلاً عرضياً في التطبيق، بل اتساقاً بنيوياً مع مصلحة استراتيجية مباشرة: فالدول الكبرى المصنَّفة “ديمقراطية” لا تجد في قيام أنظمة شعبية تمثيلية في محيطها الجنوبي مكسباً، بل تهديداً مباشراً لسياساتها التوسعية ولذراعها الإقليمي إسرائيل. أنظمة شعبية حقيقية في المنطقة تعني، أولاً وقبل أي شيء، التصدي لهذا المشروع التوسعي، لا التكيف معه.

من هذه الزاوية، يصبح مفهوماً لماذا تتكرر الصفقة نفسها بلا استثناء تقريباً: تمويل ضخم للأمن الحدودي، مليارات معلّقة كأداة ضغط متبادل، وصمت شبه تام عن ملفات القمع الداخلي، الاعتقالات، وتقييد الحريات — طالما أن النظام يؤدي وظيفته الأساسية في ضبط الحدود وحماية المصالح الجيوستراتيجية الغربية. فربط المعونات بـ”الإصلاح الديمقراطي” هنا ليس هدفاً حقيقياً يُسعى إليه ويُخفق في تحقيقه، بل غطاء خطابي لعلاقة مصالح واضحة: استقرار سلطوي يخدم الوظيفة الأمنية والجيوسياسية للغرب، مقابل شرعية دولية واستمرارية للنظام الحاكم.

وهذا ما يفسر أيضاً لماذا يبقى معالجة أسباب الهجرة غائباً عن الطاولة أصلاً — فهذه الأسباب لا يمكن معالجتها إلا عبر انفتاح سياسي حقيقي يهدد بالضرورة الترتيب القائم الذي يخدم مصالح الطرفين: النظام السلطوي المحلي، والقوى الكبرى الراعية له. الهجرة، في هذا السياق، ليست فشلاً في سياسة أوروبية حسنة النية، بل كلفة جانبية مقبولة لترتيب إقليمي تفضّله هذه القوى على البديل الديمقراطي.