بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ذهب الحرب في السودان: كيف يموّل الطرفان قتالهما بمعدن واحد

الحرب في السودان، التي دخلت عامها الرابع، لا تُختزل في مواجهة بين جيش نظامي وميليشيا متمردة. إنها في جوهرها الاقتصادي صراع بين شبكتين تجاريتين مسلحتين تتقاسمان أكبر ثروة معدنية في البلاد: الذهب. الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، كلاهما وليس طرفًا واحدًا فقط، يديران اقتصاد حرب قائمًا على استخراج الذهب وتهريبه وتصديره لتمويل السلاح واستمرار القتال، بينما يدفع ملايين العمال المفقرين والمجتمعات المحلية الثمن الحقيقي لهذا النهب.
بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 وخسارة الخرطوم لمعظم احتياطياتها النفطية، تحول الذهب إلى المصدر الرئيسي للعملة الصعبة في البلاد. وحتى قبل اندلاع الحرب الحالية عام 2023، كان كل من الجيش وقوات الدعم السريع منخرطين بعمق في قطاع التعدين، يتنافسان على السيطرة عليه كمصدر للثروة والنفوذ. فحين انهارت مؤسسات الدولة والقنوات المصرفية الرسمية مع اندلاع الحرب، لجأ الطرفان إلى التعدين والتهريب كأداة رئيسية لتمويل عملياتهما العسكرية وشبكات الولاء والمحسوبية التابعة لهما.
تسيطر قوات الدعم السريع على أهم مناجم دارفور وأجزاء من كردفان، وتتحكم في القطاع عبر ثلاث آليات متداخلة: التعدين المباشر عبر شركة “الجنيد” العائلية المملوكة لقائدها محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وفرض “رسوم حماية” بقوة السلاح على عمال المناجم الحرفيين، وانخراط وحدات ميدانية للدعم السريع مباشرة في التعدين حيث تسمح الظروف. ففي موقع سونقو بجنوب دارفور وحده، يعمل نحو مئة ألف عامل منجم حرفي، مضطرين لدفع رسوم أمنية لعدة أطراف مسلحة وقبلية في آن واحد فقط مقابل حق الوصول إلى المواقع.
يُقدَّر أن شركة الجنيد وحدها تجني ما لا يقل عن مليار دولار سنويًا من هذا النشاط في زمن الحرب، بينما يعمل عمال المناجم أنفسهم مقابل أجر زهيد للغاية، في ظروف خطرة تعتمد على الزئبق والسيانيد لاستخلاص المعدن دون أي حماية صحية أو بيئية. هذه المخاطر ليست نظرية: سُجلت حوادث انهيار لمناجم تقليدية أودت بحياة عشرات العمال في مناسبات متفرقة خلال العامين الماضيين.
تمر أرباح هذه الشبكة عبر مسارات تهريب معقدة تمر بتشاد وجنوب السودان ومصر قبل أن تصل إلى الإمارات، حيث كشف تحقيق لمنظمة “ذا سنتري” عن أكثر من اثنتي عشرة شركة مقرها دبي مرتبطة بحميدتي وعائلته، تشمل تجارة مجوهرات وشركات تصميم داخلي واستشارات، إضافة إلى محفظة عقارية تُقدَّر بأكثر من 24 مليون دولار تضم عشرات العقارات.
لكن الجيش ليس طرفًا بريئًا في هذا الاقتصاد، بل شريك مؤسسي كامل فيه منذ سنوات طويلة تسبق الحرب الحالية. يسيطر الجيش والأجهزة الأمنية السودانية على نحو 250 شركة في قطاعات حيوية أبرزها الذهب، وكذلك المطاط ولحوم التصدير والدقيق والسمسم، وهي شركات معفاة من الضرائب وتعمل بعيدًا عن أي رقابة مالية أو محاسبية حقيقية. وقد انتقد رئيس الوزراء المدني السابق عبدالله حمدوك علنًا هذه الهيمنة العسكرية على الاقتصاد قبل الانقلاب الذي أطاح بالحكومة الانتقالية.
يقود هذه الشبكة “نظام الصناعات الدفاعية” (DIS)، أكبر تكتل عسكري-اقتصادي في السودان، والذي كانت إيراداته تُقدَّر بنحو ملياري دولار سنويًا، ويصنّع الأسلحة والذخيرة والمركبات العسكرية للجيش عبر مئات الشركات التابعة، مستفيدًا من تسهيلات ائتمانية تفضيلية من البنك المركزي السوداني غالبًا دون سداد التزاماته، ومتنافسًا بشكل غير عادل مع الشركات المدنية التي لا تحظى بمثل هذه الامتيازات.
ومن أبرز فروع هذه الشبكة شركة “سودان ماستر تكنولوجي**”، المصنَّفة أمريكيًا ضمن العقوبات، والتي تملك حصصًا في عدة شركات تابعة لنظام الصناعات الدفاعية تعمل في إنتاج الأسلحة والمركبات العسكرية. وفي عام 2018، وجّه الرئيس السابق عمر البشير وزارة التعدين لمنح حصة الحكومة البالغة 30% في أحد أهم قطاعات التعدين لشركة “ميروي غولد”، الذراع السودانية لمجموعة فاغنر الروسية. وقد كشفت وثائق مسرَّبة حصلت عليها منظمة OCCRP بالشراكة مع صحيفة لوموند الفرنسية عن صفقات مباشرة بين الجيش السوداني ومجموعة فاغنر، حيث دفعت “إم-إنفست” المملوكة ليفغيني بريغوجين ملايين الدولارات لشركة تديرها المخابرات العسكرية السودانية، مقابل الحصول على تصاريح إقامة وأسلحة لعناصرها الروس العاملين في مناجم الذهب.
وفي مناطق سيطرة الجيش بولاية النيل الأزرق والولاية الشمالية ونهر النيل، تتكرر احتجاجات الأهالي ضد شركات التعدين المرتبطة بالجيش بسبب تسرب مواد سامة كالسيانيد والثيويوريا إلى الأنهار والأراضي الزراعية، في وقت غابت فيه أي رقابة حكومية فعلية على القطاع منذ اندلاع الحرب، بعدما توقفت هيئات الإشراف الرسمية مثل الشركة السودانية للموارد المعدنية عن أداء دورها الرقابي.
أرقام تكشف حجم النزيف
بلغت صادرات الذهب الرسمية السودانية للإمارات وحدها نحو 1.97 مليار دولار في عام 2024، أي ما يقارب نصف إجمالي صادرات البلاد المسجلة رسميًا.
أنتج السودان 74.6 طنًا من الذهب في عام 2025 وفق مجلس الذهب العالمي، إلا أن الحكومة المدعومة من الجيش لم تصدّر رسميًا سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية نفسه، ما يعني أن أكثر من نصف الإنتاج يتسرب خارج القنوات الرسمية عبر التهريب.
يشكّل الذهب أكثر من 70% من إجمالي إيرادات السودان القومية منذ اندلاع الحرب في 2023، بعدما كان الاقتصاد يعتمد سابقًا على النفط والزراعة.
في يوليو 2026، فرضت بريطانيا عقوبات على 11 فردًا وكيانًا من شبكات تمويل من الطرفين معًا: من جهة الدعم السريع عبر شركات وهمية في الإمارات مثل “بروديجيوس ريل إستيت” و”ناتويست لوجستيكس”، ومن جهة الجيش عبر شركة “بورتكس تريد” ومقرها هونغ كونغ، والمرتبطة مباشرة بنظام الصناعات الدفاعية.

نموذج نهب واحد، طرفان متنافسان
الرواية السائدة التي تصور الحرب كصراع بين “جيش شرعي” و”ميليشيا متمردة” تتجاهل حقيقة أن كلا الطرفين يديران اقتصاد نهب متطابق البنية إلى حد بعيد: مؤسسة عسكرية مسلحة تحتكر موردًا طبيعيًا استراتيجيًا، تستخدم العنف المباشر أو غير المباشر لفرض السيطرة عليه، وتصدّره عبر شبكات دولية معفاة من الضرائب والمساءلة، بينما يتحمل عمال المناجم والفلاحون والسكان المحليون كامل الكلفة الصحية والبيئية والإنسانية لهذا الاستخراج. الفارق الجوهري بين الطرفين ليس في طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه، بل فقط في هوية من يجني الأرباح تحديدًا، ومن يوفر له الغطاء المالي والسياسي الدولي اللازم لاستمرار هذا النهب دون محاسبة تُذكر.

**نشأت سودان ماستر تكنولوجي ضمن منظومة اقتصادية وصناعية للدولة السودانية خلال عهد الإنقاذ، وارتبطت بمجموعة جياد وبمنظومة الصناعات الدفاعية التي تطورت داخل الدولة، قبل أن تصبح لاحقًا جزءًا من الشبكة الاقتصادية المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية.

المصادر
Chatham House, “Gold and the war in Sudan” (سلسلة تقارير، مارس 2025) — قسم “How Sudan’s gold sector connects to a regional conflict ecosystem” وقسم “The securitization of Sudan’s gold sector” وقسم “Gold production and trade during the war”: https://www.chathamhouse.org/2025/03/gold-and-war-sudan

The Sentry, تحقيقات حول شبكة شركات وعقارات حميدتي وعائلته في دبي: https://thesentry.org

OCCRP بالشراكة مع Le Monde، “Documents Reveal Wagner’s Golden Ties to Sudanese Military Companies” (نوفمبر 2022): https://www.occrp.org/en/investigation/documents-reveal-wagners-golden-ties-to-sudanese-military-companies

U.S. Department of the Treasury (OFAC)، بيان العقوبات على “Defense Industries System” و”Sudan Master Technology” (يونيو 2023): https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy1514

Sudan Tribune، “UK Sanctions Sudan Gold Networks and War Financiers” (16 يوليو 2026): https://sudantribune.com/article/316293

Africa Defense Forum، “Gold Is Key Currency Driving Sudan War” (يونيو 2026) — تصريحات وزير المالية جبريل إبراهيم وأرقام مجلس الذهب العالمي: https://adf-magazine.com/2026/06/gold-is-key-currency-driving-sudan-war/

The Soufan Center، “Sudan’s Gold Economy Is Fueling a Regional Security Challenge” (يوليو 2026): https://thesoufancenter.org/intelbrief-2026-july-2/

Business & Human Rights Resource Centre، “Sudan: Anti-mining protests are rising as companies linked to the military pollute rivers…” (يوليو 2025): https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/sudan-anti-mining-protests-are-rising-as-companies-linked-to-the-military-pollute-rivers-and-harm-local-communities-in-their-pursuit-of-gold/

Al Jazeera، “‘Unacceptable’: Sudanese PM criticises army’s business interests” (ديسمبر 2020) — خلفية عن سيطرة الجيش على 250 شركة: https://www.aljazeera.com/news/2020/12/15/unacceptable-sudanese-pm-criticises-armys-business-interests

Steptoe، “The Gold Nile: Sudan’s Civil War and the Gold Trade” (يوليو 2026): https://www.steptoe.com/en/news-publications/stepwise-risk-outlook/the-gold-nile-sudans-civil-war-and-the-gold-trade.html

أتر (Atar Network)، “Golden plunder: How Sudan’s gold is being pillaged to dismantle the state and enrich warlords” (مايو 2025): https://atarnetwork.com/?p=11053

Swissaid، “African Gold Report” — قسم السودان: https://www.africangoldreport.org/sudan/