سوريا ما بعد الأسد وانتصار الثورة المضادة

أن يسقط طاغية ولا يسقط الاستبداد ليس مفارقة تستدعي الدهشة. هذا هو التعريف الدقيق للثورة المضادة حين تنتصر باسم من سحقتهم. ولست هنا في وارد الرثاء لنظام الأسد الإجرامي، ذلك النظام الذي قتل من السوريين أكثر مما قتله أي عدو خارجي، وحوّل الدولة إلى شركة أمنية عائلية، وباع خطاب الممانعة في السوق الإقليمية بأبخس الأثمان. ولا أنا في وارد الاحتفاء بسلطة جديدة تُقدَّم إلينا بوصفها ختام مأساة طويلة. ما يعنيني سؤال يُستبدل عادة بالكلام عن الهوية والانتقام والخوف: ما الذي سقط بالضبط في أواخر 2024، ومن ملأ الفراغ، وبأي مضمون طبقي، وفي خدمة أي إعادة ترتيب إقليمية. والبداية من حقيقة موجعة، وهي أن ندرك أن الثورة كانت قد هُزمت قبل سقوط النظام بسنوات.
فالأدوات التي أنتجتها انتفاضة 2011 في عاميها الأولين، من لجان التنسيق المحلية والمجالس المدنية المنتخبة والنقابات الوليدة والصحافة البديلة، لم تُهزم في ديسمبر 2024. كانت قد سُحقت فيزيائياً قبل ذلك بوقت طويل. سحقها النظام بالبراميل والاعتقال والتجويع، وسحقها تنظيم الدولة “داعش” وجبهة النصرة (أو هيئة تحرير الشام) باغتيال كوادرها وتصفية تجاربها في الرقة وإدلب ودير الزور، وسحقها التمويل الخارجي حين حوّل الفصائل من جماعات محلية إلى مقاولين لدى ممولين إقليميين لهم أجنداتهم. وحين انهار جهاز الأسد أخيراً تحت وطأة استنزافه الطويل، وبعد أن انكشف حماته الإقليميون تحت الضربات الصهيونية التي أنهكت حزب الله وقصمت خطوط الإمداد الإيرانية، وبعد أن انشغلت موسكو في أوكرانيا، لم يكن هناك من يملأ الفراغ سوى القوة الوحيدة التي بقيت منظمة ومسلحة وممولة، وهي بالتحديد القوة التي كان انتصارها مشروطاً بغياب كل بديل ديمقراطي شعبي. لهذا يفقد السؤال الشائع، أيهما أفضل، معناه. فالاختيار المعروض علينا ليس بين طغيان قديم وسلطة جديدة، بل بين وجهين لعجز واحد.
عجز يمكن تسميته بدقة: استحالة أن تنجز أي فئة من البرجوازية السورية، القديمة أو الصاعدة، المهام التي رفعتها انتفاضة 2011. توحيد البلاد، والمساواة الفعلية بين مواطنيها، وطرد الاحتلال من الجولان ومن التوغلات الجديدة، وإعادة توزيع الأرض والثروة، وانتخاب سلطة تمثيلية. تبقى هذه المهام معلقة لأن كل فئة قادرة على الحكم اليوم تستمد بقاءها من الخارج، فتعجز عن إنجاز أي منها دون أن تنتحر. وهذا استنتاج لا يأتي من كتاب نظري، بل من أرقام الموازنة والامتيازات حين تُقرأ بعين مدققة.
أشد هذه الأرقام دلالة أن الدوحة تقدّم دعماً للقطاع العام السوري يقارب تسعة وعشرين مليون دولار شهرياً لدفع الرواتب. جملة واحدة تكفي لتحديد موقع السلطة في العالم. جهاز دولة يُموَّل بند أجور من عاصمة خليجية لا يملك هامش قرار في مواجهة تلك العاصمة، مهما بلغت بلاغة خطابه عن السيادة. وحول هذا الرقم تتجمع البقية: امتياز ثلاثيني لموانئ دبي العالمية في طرطوس باستثمار يقارب ثمانمائة مليون دولار، وشراكة إماراتية أخرى في محطة الحاويات، وعقد ثلاثيني للمجموعة الفرنسية سي إم إيه سي جي إم في اللاذقية، وحزمة مشاريع إماراتية قطرية تقارب أربعة عشر مليار دولار في توسعة مطار دمشق ومترو العاصمة والأبراج السكنية والتجارية، وسبعة وأربعون اتفاقاً سعودياً بقيمة تتجاوز ستة مليارات، والتزامات تركية معلنة تتخطى أحد عشر ملياراً. تبدو القائمة مبهرة في الصحافة الاقتصادية، حتى نسأل عمّا تنتجه.
إنها كلها ريع: امتيازات مرافئ، وعقارات، وطاقة، ومطارات، ولوجستيات. لا شيء فيها يبني قاعدة صناعية أو يشغّل الملايين العاطلين أو يعيد الحياة إلى مصانع حلب المدمرة. والدليل أن القدرة التوليدية للكهرباء لا تزال بين ألف وستمئة وألفين ومئتي ميغاواط مقابل ثمانية آلاف وخمسمئة قبل الحرب. وفي المقابل صدر تشريع استثمار يفتح الملكية الأجنبية الكاملة ويمنح إعفاءات ضريبية سخية، بينما يُفكَّك ما تبقى من القطاع العام تحت لافتة الترشيد. هذه إعادة إعمار بمعنى واحد: طور من التراكم البدائي تُنتزع فيه الأصول العامة والأراضي والمرافئ لصالح تحالف من رأس المال الخليجي والتركي وقيادات فصائل تتحول بسرعة إلى طبقة مقاولين، ثروتها من العمولة لا من الإنتاج، وولاؤها مباع سلفاً لمن يدفع. ولو أراد أحد أن يفهم لماذا تفاوض دمشق اليوم على أمن الاحتلال، فبند الأجور في موازنتها يشرح أكثر مما تشرحه بيانات وزارة خارجيتها.
لكن سلطة بلا إنتاج وبلا شرعية انتخابية وبلا قدرة على توفير الخبز والكهرباء تحتاج إلى مصدر آخر للتماسك، وقد وجدته حيث يجده كل حكم من هذا النوع. في الدم. بين السادس والعاشر من مارس 2025، قُتل في مدن الساحل وقراه أكثر من ألف وأربعمائة مدني، معظمهم من العلويين، على يد قوات حكومية ومجموعات مسلحة حليفة، ووثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان أكثر من ستين مجزرة امتدت من ريف اللاذقية إلى طرطوس وأرياف حماة وحمص. مرّ عام كامل دون أن يُقدَّم أحد إلى محاكمة ذات معنى. واستمر في الأثناء نمط القتل الفردي بالدراجات النارية في أحياء بعينها في حمص وحماة، وسقط عشرات آخرون منذ مطلع 2026، والسلطة تكرر أن ما يجري حالات فردية. حالات فردية على امتداد ثمانية عشر شهراً دون أن يُضبط قاتل واحد.
يقرأ كثيرون هذا كله بوصفه عجزاً عن ضبط الفصائل، وهي قراءة مريحة وخاطئة. الإفلات من العقاب هنا أسلوب حكم قائم بذاته. فهو يحوّل قاعدة السلطة الاجتماعية إلى شركاء في العنف ومستفيدين من الغنيمة، ويحوّل بقية السكان إلى رهائن يعرفون أن حمايتهم منّة تُمنح وتُسحب لا حق يُطالَب به. والطائفية في هذه المعادلة علاقة سياسية تُنتج يومياً بقرار، لا كراهية موروثة تنتظر مناسبتها: آلية لتفكيك المجتمع إلى كتل متخاصمة تحتاج كل منها إلى وسيط مسلح، فيصير الوسيط المسلح ضرورة بدل أن يكون مشكلة. وأول ما يُقتل في هذه العملية حقيقة طبقية بسيطة، وهي أن العلويين لم يكونوا يوماً طائفة حاكمة. كان فقراء الجبل وقود جيش النظام وأجهزته، يُدفعون إلى الموت في خدمة برجوازية مختلطة الطوائف قوامها التجار الدمشقيين والحلبيين بقدر ما هو ضباط الساحل. عبارة “الطائفة الأسدية” كاذبة سياسياً قبل أن تكون خطرة أخلاقياً، لأنها تحوّل تفاوتاً طبقياً داخل الجماعة إلى مسؤولية جماعية، فتمنح المجزرة تبريرها المسبق. والموقف الواجب هنا مزدوج ولا يستقيم إلا كاملاً: إدانة غير مشروطة للمجازر، ومطالبة بمحاسبة من أصدر الأمر لا من نفّذه فقط، دون منح مشروع استعادة النظام القديم ذرة واحدة من الشرعية. ومن لا يفهم هذا الازدواج سيعجز عن فهم ما جرى في الجنوب بعده بأربعة أشهر.
ففي يوليو 2025 انفجرت السويداء باشتباكات دامية، وتدخلت إسرائيل عسكرياً بذريعة حماية الدروز، ثم توالى انزلاق قيادة روحية درزية نحو خطاب علني عن تقرير المصير والارتباط بتل أبيب، بلغ ذروته بتصريح يقول إن دروز السويداء جزء لا يتجزأ من دولة الاحتلال. والرد الشائع في الفضاء العربي هو التخوين. رد كسول يبدأ من النتيجة ويتوقف عندها. أما السؤال الذي يفسر شيئاً فهو من دفع جماعة بأكملها إلى هذا المأزق. من يُذبح ولا يجد دولة تحميه سيبحث عن حماية أينما وُجدت، والمسؤول الأول عن التسريب الجيوسياسي في الجنوب هو من ارتكب العنف وأفلت من عقابه، لا من التقط الفرصة من وراء الحدود. غير أن التشخيص لا يعفي من الحكم السياسي، والحكم واضح تاريخياً ولا يحتاج إلى مواعظ: إسرائيل تتعامل مع الجماعات المحلية بوصفها أدوات مرحلية تُستهلك ثم تُترك. تجربة جيش لحد في جنوب لبنان هي الجواب الكامل، إذ انتهت بعشرات الآلاف بين هارب ومسجون ومنبوذ، بينما انسحبت الدولة الراعية في ليلة واحدة حين تبدلت حساباتها. الرهان على المحتل صفقة خاسرة حتى بمقاييس المصلحة الضيقة لمن يعقدها. وإن بدت الحجة نظرية في الجنوب، فقد جاء برهانها العملي من الشمال في العام نفسه.
فبعد اتفاق يناير 2026، أُنجزت في أغسطس عملية دمج كامل للمؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في أجهزة الدولة، وأعلن قائدها انتهاء وجودها ككيان مستقل، مع وعد بمواصلة النضال لتثبيت الحقوق في الدستور، وتعهد رسمي بإدراج اللغة الكردية مادة اختيارية بحصتين أسبوعياً. عقد كامل من الإدارة الذاتية، ومن الدماء التي سالت في كوباني والرقة، ومن التحالف مع واشنطن، انتهى إلى حصتين في الأسبوع ووعد دستوري مؤجل. هذا ما تدفعه الحركات الوطنية حين تبني استراتيجيتها على رعاية قوة عظمى بدل تحالف مع الطبقات الشعبية في محيطها العربي والتركي والإيراني. لكن استخلاص هذا الدرس لا يجوز أن ينزلق إلى التصفيق لبسط سلطة دمشق، فالموقف الاشتراكي الثوري هنا مركّب ولا يُختزل في طرف: الدفاع عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، حتى الانفصال إن اختار، دفاع غير مشروط، ضد المركزية الدمشقية وضد أنقرة معاً، وضد المحاولة الجارية لتحويل اعتراف لغوي رمزي إلى بديل عن الحقوق السياسية. الدفاع عن المضطهَد ضد مضطهِده، ونقد قيادته أمام قاعدته، وجهان لموقف واحد لا يصح أحدهما بغير الآخر. ويبقى بعد إتمام الدمج سؤال لصالح من فُكِّك التوازن القديم في الشمال.
الجواب معروض على الخرائط منذ ديسمبر 2024. أنقرة تعيد ترتيب انتشارها القديم وتوسع تعاونها مع دمشق في تدريب الجيش السوري وتسليحه، وقد جرى الحديث منذ الشهور الأولى عن اتفاق دفاعي تتولى تركيا بموجبه توفير غطاء جوي للسلطة الجديدة، وعن فرق عسكرية تركية عاينت قاعدة “تي فور” ومطار تدمر والمطار الرئيسي في حماة تمهيداً لنشر منظومات دفاع جوي. وشاركت وحدات سورية في مناورات “إيفيس 2026” التي استضافتها تركيا في مايو الماضي. أما الخريطة الثانية فتتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً. قصفت إسرائيل المواقع الثلاثة التي عاينتها الفرق التركية في أبريل 2025 بعد أيام من زيارتها، وقال مسؤول أمني إسرائيلي علناً إن أي قاعدة جوية تركية في سوريا تقوّض حرية الحركة الجوية الإسرائيلية. ثم جاءت ضربة قاعدة أبو الظهور في ريف إدلب في الثامن عشر من أغسطس 2026، ثماني ضربات على المدرج ومرافق التخزين، على بعد سبعين إلى ثمانين كيلومتراً من الحدود التركية. لم تكن الرسالة موجهة إلى دمشق وحدها.
ما يجري في السماء السورية تنافس بين قوتين اقليميتين رأسماليتين على حصص النفوذ في بلد مهزوم، لا صراع بين محور مقاومة ومحور اعتدال. أنقرة تريد جيشاً سورياً تابعاً لها يؤمّن عمقها ضد الأكراد ويفتح لمقاوليها سوق الإعمار. وتل أبيب تريد سوريا بلا جيش أصلاً، بلا دفاع جوي، بلا قدرة على حماية سمائها من أحد. وحين يشتبك المشروعان تُدار الاشتباكات بقنوات تنسيق فُتحت في باكو لمنع الاحتكاك المباشر، أي كما يتقاسم شريكان متنازعان غنيمة دون أن يتقاتلا عليها. لا أحد في هذه المعادلة يسأل السوريين عن رأيهم. وليس مصادفة أن السلطة التي تتفاوض على السماء لا تجرؤ على فتح صندوق اقتراع واحد على الأرض.
والخاسر الأكبر مما جرى أوسع من سوريا كلها. فالثورة المضادة السورية حين انتصرت لم تصفِّ خصماً محلياً فحسب. كان الرهان الحقيقي منذ 2011، من غزة إلى بيروت إلى القاهرة، أن تنتج المنطقة قوة اجتماعية قادرة على مواجهة إعادة الترتيب الأمريكية الصهيونية من موقع شعبي لا من موقع الأنظمة. اليوم صارت الجغرافيا الممتدة من الجولان إلى الفرات معطى محسوماً في حسابات تل أبيب: جبهة لا تُقلق، وحكومة تفاوض على أمن حدود المحتل بينما الإبادة مستمرة في غزة، وشعب أُنهك حتى صار الخبز عنده مطلباً أقصى. سقوط سوريا من معادلة الصراع ليس انتصاراً إسرائيلياً على جيش، بل على إمكانية. ولهذا كانت الثورة المضادة هنا ضربة موجهة إلى فلسطين ولبنان والعراق ومصر بقدر ما هي موجهة إلى السوريين. ومن يظن ما جرى شأناً سورياً داخلياً، فاليقارن خريطة الضربات الإسرائيلية في المنطقة قبل ديسمبر 2024 وبعده.
وتكتمل الصورة حين ننظر إلى السلطة الجديدة بوصفها صورة الممانعة الأسدية في المرآة. النظام القديم رفع شعار المقاومة وأبقى الجولان هادئاً نصف قرن واستعمل الشعار لتبرير الطوارئ وسحق كل معارضة. والنظام الجديد تخلى عن الشعار وأبقى على الوظيفة. مفاوضات باريس برعاية أمريكية، ومقترح إنشاء خلية تنسيق مشتركة في عمّان للإشراف على أمن الجنوب السوري، وبنود اتفاق أمني بقيت على الورق تتضمن منطقة عازلة ومناطق ذات انتشار متفاوت، كلها تقول الشيء نفسه: تشتري دمشق اعترافاً ورفعاً للعقوبات وتدفقاً للاستثمار، وتدفع الثمن أمناً لحدود الاحتلال. أحدهما بالبلاغة والآخر بالصراحة، والحصيلة واحدة عند من يُقتل في رفح وخان يونس. ومن هنا يصبح رفض المعسكرين شرطاً لأي تفكير سياسي جدي، لا موقفاً أخلاقياً مترفعاً.
وليس هذا الرفض حياداً، فله قاعدة اجتماعية محددة يمكن تسميتها بالأسماء. موظفو القطاع العام الذين تُدفع رواتبهم من عاصمة أجنبية وستُقطع عنهم حين تتبدل الحسابات. عمال المرافئ المقبلون على إدارة رأسمال إماراتي بشروط عمل لم يشاركوا في التفاوض عليها. المهجرون الذين تُتداول عودتهم بنداً في اتفاقات لا يقرأونها. الفلاحون في أرياف مدمرة. والشباب العاطل في السويداء والقامشلي وبانياس ودير الزور الذين تدفعهم البطالة إلى الانخراط في ميليشيا طائفية بأجر لأنها صاحبة العرض الوحيد. من هذه المادة الاجتماعية، لا من مؤتمرات المعارضة ولا من عواصم الرعاة، تُشتق المطالب التي على اليسار السوري والعربي أن يرفعها بلا مواربة: نقابات مستقلة عن التعاونيات البعثية الموروثة وعن سيطرة الفصائل معاً، وفتح دفاتر امتيازات الموانئ والطاقة والعقود أمام الرأي العام، ومحاسبة قضائية حقيقية عن الساحل والسويداء تصل إلى من أصدر الأمر، وجمعية تأسيسية منتخبة بالاقتراع العام بدل لجان معيّنة تكتب دستوراً باسم الجميع، وحق عودة غير مشروط للمهجرين، ورفض أي اتفاق أمني يشرعن احتلالاً أو يضع الجنوب تحت وصاية، وانسحاب القوات التركية والإسرائيلية والأمريكية من كل شبر سوري.
ولن ترفع هذه المطالب إلا قوة تنظم نفسها من جديد، وهذا هو المطلوب من السوريين اليوم، في الداخل وفي الشتات على السواء. في الداخل بلجان أحياء وروابط عمال ومجموعات توثيق تحفظ الأسماء والتواريخ والصور، لأن من ارتكب مجازر الساحل والسويداء يراهن على النسيان قبل أن يراهن على القوة. وفي الشتات بشبكات تلاحق الملفات في المحاكم الأوروبية ولا تكتفي بالتضامن الرمزي، وتفضح خطاب “الاستقرار” الذي تسوّقه العواصم الغربية غطاءً لسلطة تعيد إنتاج ممارسات الأسد بأدوات جديدة. عاد الاعتقال بلا تهمة. عاد القتل بلا محاسبة. عاد الإعلام المدجن. والفارق الوحيد أن أمريكا وأوروبا تصفقان هذه المرة بدل أن تندّدا. ومن عاش تحت حكم أسرة يعرف هذه الملامح جيداً، ولا يحتاج إلى عشر سنوات ليعترف بها.
لا شيء في كل هذا طوباوي، وإن كان يصطدم بجدار واحد: أن السلطة القائمة لا تستطيع تنفيذ أي مطلب منها دون أن تفقد مصادر تمويلها وحمايتها في آن واحد. وهذا ما يجعلها مطالب ثورية لا إصلاحية، وما يجعل إنجازها مشروطاً بإعادة بناء ما سُحق أولاً، أي التنظيم المستقل لمن لا يملكون سوى قوة عملهم، عبر الطوائف والقوميات التي يراد لهم أن يتقوقعوا داخلها. سيقال إن هذا كلام في غير أوانه، وإن بلاداً خارجة من حرب لا تحتمله. لكن الحرب لم تنتهِ. غيّرت شكلها فحسب، من قصف جوي إلى امتياز ثلاثيني وإفلات من عقاب ومفاوضات على أمن المحتل. وحين يُقال لشعب إن وقت العدالة لم يحن بعد، فالمقصود دائماً أن وقت المستفيدين من غيابها لم ينتهِ بعد.





