بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من طالبة اشتراكية إلى أداة لترامب: 25 عاماً من صعود ديلسي رودريجز في فنزويلا

كنا في أبريل عام 2002، وكانت ديلسي رودريجيز إمرأة عازمة على تنفيذ مهمة. كان الرئيس الفنزويلي آنذاك، هوجو شافيز، قد أُطيح به مؤقتاً إثر انقلاب فاشل، وقررت ديلسي – التي كانت دبلوماسية شابة تدرس بجامعة بيركبيك- أن تتحرك.

كانت ديلسي البالغة من العمر في ذلك الوقت 32 عاماً، قد حاولت إقناع اثنين من صحفيي برنامج ” نيوز نايت” التابع لـ ” BBC “، بمرافقتها إلى فنزويلا لنقل ما حدث إلى العالم.

في تصريح لميريون جونز، وهو واحد من الاثنين الصحفيين، وهو من استعان بديلسي لتكون منسقة ميدانية للفريق وسافر معها إلى كاراكاس، قال:” كانت تريد بشدة أن تنشر قصة شافيز والانقلاب عبر منبر إعلامي كبير”.

وبينما كان الثلاثة يتنقلون في أرجاء المدينة الواقعة في أمريكا الجنوبية، محاولين ترتيب مقابلة مع شافيز، الذي كان قد استعاد منصب الرئاسة بعد احتجازه لفترة وجيزة، لم يكن جونز يتخيل أن منسقتهم ومنتجتهم الميدانية ومترجمتهم الفنزويلية، قد تصبح يوماً ما رئيسة لفنزويلا.

يقول جونز: ” بدت في ذلك الوقت وكأنها لا تزال طالبة حقاً، كان من المستحيل تماماً أن نتخيل حينها أنها ستصبح يوماً ما رئيسة لفنزويلا”.

لكن هذا هو تحديداً ما أصبحت عليه رودريجز، والتي تبلغ الآن 57 عاماً، حتى وإن كان ذلك في ظروف استثنائية نجمت عن قرار دونالد ترامب باختطاف نيكولاس مادورو، خليفة شافيز السلطوي.

عندما اختطفت القوات الخاصة الأمريكية في 3 يناير من هذا العام الرئيس غير الشعبي نيكولاس مادورو، كان من المتوقع بشكل كبير أن تحل محله ماريا ماتشادو، زعيمة المعارضة الحائزة على جائزة نوبل، والتي هزمته حركتها في انتخابات 2024 المزورة.

بدلاً من ذلك، تخلى ترامب عن ماريا ماتشادو، ودعم بدلاً منها نائبة الرئيس مادورو، ديلسي رودريجز، التي أصبحت الزعيمة المؤقتة لفنزويلا بعد يومين من سقوط رئيسها.

بعد ثمانية أشهر، لا تزال ديلسي في السلطة – رغم أنها تقود بلاداً يعتبرها الكثيرون الآن محمية أمريكية- ويبدو أنها مرشحة للبقاء في المستقبل المنظور، في ظل غياب أي مؤشرات تذكر على الدعوة لانتخابات رئاسية جديدة. وقد قال ترامب عن ديلسي التي لم تنتخب رئيسة، بعد اعلانه عن ما وصفه بأنه ” أكبر صفقة نفطية في تاريخ العالم”: (نحن سعداء للغاية بالرئيسة المنتخبة التي لدينا الآن).

يرى إمدات أونر، الدبلوماسي التركي السابق في كاراكاس، أن الصفقة عززت موقف ديلسي ووجهت ضربة قوية إلى أولئك الذين كانوا يأملون في حدوث تغيير ديمقراطي. ويقول: “ديلسي هي الرابحة..أعتقد أن ديلسي رودريجيز ستبقى في منصب الرئاسة لأربع أو خمس سنوات أخرى على الأقل”.

كانت ديلسي رودريجز التي سافر معها جونز إلى كاراكاس قبل أكثر من عقدين، شخصية ذات علاقات جيدة، لكنها مهمشة سياسياً، ولم تكن معروفة إلا بسبب والدها.

كان خورخي أنطونيو رودريجيز ناشطاً ماركسياً، توفي أثناء احتجازه لدى الشرطة عام 1976، حين كانت ابنته في السابعة من عمرها، يُعتقد أنه تعرض للتعذيب أثناء احتجازه على خلفية اختطاف رجل أعمال أمريكي.

يقول جونز، الذي يعمل الآن صحفياً استقصائياً مستقلاً : ” كان جميع أنصار شافيز يعرفون من كان والدها، لكنهم لم يكونوا يعرفونها”. ويضيف جونز: لكن خلال فترة وجودنا في كاراكاس، استطاعت أن تفرض حضورها بين كل هؤلاء الأشخاص. وأعتقد أنها في نهاية الرحلة بدأت تفكر: “ربما تكون هناك فرصة لي في السياسة الفنزويلية”.

بعد ذلك بوقت قصير، عادت ديلسي إلى فنزويلا، حيث شغلت وظائف في شركة النفط الحكومية (PDVSA)، ووزارة الخارجية. بحلول عام 2006، أصبحت ديلسي رئيسة مكتب شافيز، لكنها سرعان ما فقدت المنصب بعد خلاف نشب بينها وبين سفير فنزويلا آنذاك لدى روسيا خلال زيارة إلى موسكو.

أدى ذلك الخلاف إلى عرقلة صعود رودريجز، لكنها استعادت تلك المكانة بعدما أعادها مادورو حين تولى الرئاسة عقب وفاة شافيز عام 2013. وفي السنوات اللاحقة، بينما كانت بلادها تغرق في الجوع والاستبداد، صعدت ديلسي رودريجز صعوداً سريعاً.

لقد شغلت ديلسي منصب وزيرة الخارجية، قبل أن تتولى إدارة الإقتصاد في البلاد بصفتها وزيرة للنفط ووزيرة للمالية، ونائبة للرئيس مادورو. أما شقيقها – خورخي رودريجز- الطبيب النفسي الذي تحول للعمل بالسياسة، فقد رسخ نفوذه كرئيس للجمعية الوطنية. بعد القبض على مادورو، شكل الشقيقان بالإضافة إلى وزير الداخلية المرعب ديوسدادو كابيو، ثلاثياً قوياً في السلطة.

يقول أندرياس إيسارا، وزير الاتصالات في عهد شافيز، الذي اضطر إلى اللجوء للمنفى بعد خلافه مع مادورو: “لا نتعامل مع ديلسي باعتبارها فرد واحد. ديلسي هي ديلسي وشقيقها. إنهما يفعلان كل شيء معاً.. ولا يُقدمان على أي شيء من دون موافقة أحدهما الآخر أو رضاه”.

يرسم الذين تعاملوا مع ديلسي، خلال صعودها على نحو غير متوقع على مدار 25 عاماً، من طالبة يسارية في المملكة المتحدة إلى قمة السلطة في فنزويلا، صوراً مختلفة ومتباينة بشكل كبير عن شخصيتها.

يصفها أنصارها بأنها شخصية براجماتية، سريعة البديهة وذكية، ومدمنة على العمل، وينسبون إليها الفضل في مساعدة فنزويلا على الخروج من سنوات التضخم، ويعتقدون أنها قادرة على الوفاء بوعودها بإحياء صناعة النفط المنهارة والاقتصاد المتعثر في البلاد.

يقول جريج بالاست، وهو الصحفي الآخر الذي سافر إلى كاراكاس برفقة رودريجيز لصالح (BBC) عام 2002: فنزويلا ستحظى في عهد ديلسي بأفضل رعاية تكنوقراطية ممكنة، وهذا هو ما تحتاجه البلاد الآن، إنها ستعمل على تحريك عجلة النفط.

يرى بالاست أن فنزويلا أفضل حالاً بكثير تحت حكم ديلسي مقارنة بمادورو غير الكفء، واصفاً إياها باستراتيجية بارعة، تمارس السياسة وكأنها تلعب الشطرنج.

منتقدو ديلسي يصفونها بأنها شخصية عدوانية متعطشة للسلطة، تتلون سياسياً وتتبدل مواقفها في لحظة، ويحملونها -بوصفها أحد أبرز أركان نظام مادورو- مسؤولية سقوط فنزويلا نحو الفقر والدكتاتورية.

يصف سياسي معارض بارز طلب عدم الكشف عن اسمه، الأخوين رودريجيز، بأنهم: أشرار ومجانين وأذكياء، عباقرة أشرار.

ويصف عزرا صديقته السابقة بأنها ” شديدة الميكافيلية”، ولديها ذوق شديد الرفاهية.

ويصف توم شانون، الدبلوماسي الأميركي المتقاعد الذي تعامل مع الملف الفنزويلي منذ تسعينيات القرن الماضي، رودريجيز، متعددة اللغات، بأنها شخصية “ذكية للغاية، لبقة للغاية، وشديدة العزم”، وذات توجهات أيديولوجية مترسخة بشدة.

يتذكر شانون أنه تعرض ” للاعتراض” من جانب رودريجز، وزيرة الخارجية في ذلك الوقت، بعد وصوله بالطائرة إلى كاراكاس للقاء مادورو، خلال فترة أوباما الثانية.

كان الحديث بينهما واسع النطاق. يقول شانون: أتذكر بوضوح شديد أنني أثرت في مرحلة ما مسألة حقوق الإنسان، وخاصة اهتمامنا بمسألة الإفراج عن بعض الاشخاص وإخراجهم من السجون.

“التفتت إلي بنظرة تقارب نظرات الازدراء، ليس لي، ولكن للموضوع الذي كنت أناقشه، وقالت: ربما لا تعرف قصتي، ولكن والدي كان عضواً ثورياً في حركة مسلحة ثورية في فنزويلا، وقد تم اعتقاله وتعذيبه أثناء الاستجواب، وقتله بيد أجهزة الأمن الفنزويلية عندما كنت فتاة”.

ثم أضافت: لقد جرى التحقيق مع والدي وقتله في فترة كانت فيها فنزويلا، من وجهة نظرك، دولة ديمقراطية يحكمها القانون. لكنني أستطيع أن أؤكد لك أن أجهزة الأمن لم تكن كذلك.

ثم أضاف شانون: لقد كان الأمر لافتاً بشدة، لقد كانت ترى في والدها بطل ثوري، ومرجعاً لصورة الشهيد، وأعتقد أن هذا لا يزال هو الحال حتى الآن.

يعتقد شانون أن هدف رودريجز من شراكتها الجديدة مع واشنطن هو البقاء السياسي، والتأكد من أن المعارضة الديمقراطية، المحافظة، النخبوية، الإنتقامية لن تعود إلى السلطة.

في أثناء حديثه للصحفيين من البيت الأبيض، أشاد ترامب كثيراً بشريكته الفنزويلية الغير متوقعة، وقال: ديلسي تقوم بعمل ممتاز جداً، وتحظى باحترام كبير.

يزعم ترامب أن فنزويلا تخلصت لتوها من نظام “بالغ السوء” وأنها ليست مستعدة بعد لإجراء انتخابات. يقول ترامب: كما تعلمون، الأمر لا يزال جديد، لقد أخرجناهم من الديكتاتورية، ونحن على علاقة ممتازة بالحكومة.

إن مثل هذه التصريحات لها صدى جيد على نفس ديلسي. يقول “أونر”: ديلسي ترغب في البقاء في السلطة، وهي تعرف أنها إذا قدمت ما يكفي لإدارة ترامب، فإن إدارة ترامب ستسمح لها بالبقاء في السلطة.