بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من باريس إلى القاهرة: معركة الطلاب ضد التقشف النيوليبرالي ومجانية التعليم

تجتاح شوارع فرنسا موجة احتجاجات واسعة ضد إهمال التعليم العام. “الاتحاد النقابي لطلاب المدارس” (USL) يقود حراكاً أغلق وحاصر نحو 400 مدرسة ثانوية —نقلاً عن بيانات النقابة والسلطات المحلية— لتمتد الشرارة إلى عشرات الجامعات. ذلك تحت ظل فصول دراسية تكدست بـ 35 طالباً، عجز مخيف في المعلمين، ومبانٍ متهالكة. ويأتي بعد هذا خطة حكومية تُمرر اقتطاع 54 مليون يورو من موازنة التعليم العام.

وجاء رد السلطات بقمع هذه الاحتجاجات. فوفقاً للأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية الفرنسية مطلع أكتوبر 2026، تم توقيف 1949 طالباً. وفي يوم واحد فقط (29 سبتمبر)، أوقفت الشرطة 440 شخصاً. ليقفز في اليوم التالي إلى 625، وأسفرت هذه المواجهات عن إصابة 170 طالباً.
​
لوران نونيز، وزير الداخلية، خرج ليصف ما يجري بـ”العنف الحضري”. أما وزير التعليم فألقى باللوم على “عناصر ملثمة”. في محاولة ساذجة لتحويل أزمة تخص الحقوق الاجتماعية إلى ملف أمني يخص إعادة فرض “النظام”.

يبررون التقشف بعجز الموازنة. ولكن الدولة التي تعتصر ميزانية المدارس وترفض فرض ضرائب استثنائية على أرباح الشركات الكبرى، تبدو قادرة دائماً —وبسخاء— على تمويل نشر قوات مكافحة الشغب لقمع الطلاب.
​
النتيجة المباشرة لهذا التقشف هي الفرز الطبقي. من يملك المال ينجو عبر التعليم الخاص. أما أبناء الطبقات الشعبية فيُتركون لظروف متردية. نتحدث هنا عن آليات انتقاء قاسية، مثل منصة التنسيق (Parcoursup) التي تطالب النقابات بإلغائها. حيث تعتمد على معايير اجتماعية، تفاضل بين خلفيت الطلاب، فيستبعد أبناء مدارس الطبقات الشعبية من التعليم العالي الجيد، سعياً لضخهم في السوق كعمالة رخيصة تُستخرج منها أقصى قيمة عمل ممكنة.
​
هذا المنطق النيوليبرالي عينه —الذي يرى التعليم تكلفة مالية وسلعة— نجده هنا في مصر، ولكن بصورة أكثر فجاجة. رغم أن الدستور المصري، في المادتين 19 و21، يُلزم الدولة بمجانية التعليم وتخصيص 4% من الناتج القومي الأساسي و 2% للجامعي. لكن السياسات تظهر واقعا مغايرا. فتمضي باتجاه تسعير التعليم بشكل واسع. تتوسع الدولة في نظام الساعات المعتمدة، والجامعات الأهلية، خطوة تُسوقها تصريحات وزير التعليم العالي المتكررة كـ”تطوير لا يهدف للربح يخفف الضغط عن الجامعات الحكومية”. أضف لذلك التسهيلات السيادية لجامعات “الكيان” التابعة للقوات المسلحة التي تمنح درجات مدنية. المحصلة هي بناء شبكة مؤسسات موازية تكرس التفوق لمن يدفع، وتتوسع على حساب التعليم الحكومي.
​
ما يحدث هو لفظ ممنهج لأبناء الطبقات الفقيرة من فرص التعليم المتميز. بلغت الرسوم السنوية لكلية الطب بجامعة القاهرة الأهلية 155 ألف جنيه، وفقاً للوائح 2026. وفي المنصورة والمنيا وصلت إلى 165 ألفاً. تاركة الأغلبية الساحقة تتزاحم في مسار حكومي مجاني يعاني إفقاراً متعمداً: معامل متدهورة، رسوم سكن جامعي تقفز باستمرار بمقاعد محدودة، وكتب إلكترونية إجبارية. هكذا يُعاد إنتاج التفاوت الطبقي.

يكمن الفارق بين باريس والقاهرة في مساحة التنظيم، الطالب الفرنسي يتكئ على أدوات ونضالات تاريخية. لديه “الجمعيات العمومية” القاعدية التي تقرر الإضراب وتغلق المدارس بقرارات ديمقراطية. لديه تضامن صلب من نقابات المعلمين —مثل SNES-FSU— التي دافعت عن شرعية مطالب الطلاب في وجه السلطة، نقلاً عن بياناتها الأخيرة.

​أما في مصر، فقد صممت آليات خصيصاً لسحق التنظيم المستقل وتأميم المساحات العامة. بالرجوع للائحة الطلابية (نسخة 2017)، نجد شروطاً تشترط أن يكون المرشح “محمود السيرة” وألا ينتمي لـ”أي كيان أو تنظيم”. مصطلحات مطاطة تعمل كبوابات تفتيش أمني لإقصاء أي طالب نقابي. فيتم تفريغ الاتحادات من أي سلطة للرقابة على الموازنات أو مقاومة التسليع، وامتصاصها داخل هياكل الجامعة الإدارية.
​
يختلف السياق ظاهريا، يواجه طلبة فرنسا تقشفا ينهش مكتسبات المجانية، وهنا مواجهة مع إعادة هيكلة نظام التعليم بقرارات سيادية. لكن جوهر الصراع واحد. تدور المعركة حول طبيعة نظام اقتصادي يرى تمويل الخدمات عبئاً، ويرى تنظُّم الجماهير تهديداً.
​
رأس المال لا يتراجع عن تسليع الخدمات بقوة المنطق. رأس المال يتراجع بمنطق القوة.
​
غياب الهياكل الطلابية المستقلة في مصر جعل الجامعات فريسة سهلة للخصخصة. ووجوده في فرنسا أبقى المعركة مفتوحة وأجبر الدولة على كشف وجهها الأمني. لذا، فإن تحرير المجتمع من سياسات ترهن مستقبله لحسابات الربح والخسارة، يعتمد أساساً على بناء روابط طلابية وعمالية صلبة. دون ذلك، سيتحول حق المعرفة ببساطة إلى امتياز حصري للأغنياء.