أليكس كالينيكوس يكتب عن
أنور شيخ الماركسي الاقتصادي البارز الذي خسرناه

تلقيت بصدمة بالغة نبأ وفاة الاقتصادي النقدي البارز أنور شيخ. لم أكن أعرفه عن قرب، لكنني كنت شديد الإعجاب بأعماله، وتعلمت منها الكثير. أتقدم بخالص التعازي إلى أسرته وأصدقائه وطلابه، الحاليين والسابقين.
تعرّفت إلى أنور شيخ للمرة الأولى في المؤتمر الشهير الذي نظمته مجلة «نيو ليفت ريفيو» حول نظرية القيمة في خريف عام ١٩٧٨. وقد كان حضوره لامعًا، ودافع بقوة عن منهج ماركس. لكن ماركسيته كانت دائمًا خلاقة ومبدعة.
وقد قدّرت على نحو خاص الكتاب الذي ألّفه بالاشتراك مع إي. أحمد توناق، بعنوان «قياس ثروة الأمم: الاقتصاد السياسي للحسابات القومية»، الصادر عام ١٩٩٤، والذي اقتحم فيه المؤلفان بجرأة ميداناً ظل خاضعاً لهيمنة التيار الاقتصادي السائد. ويسعدني أنني تمكنت، خلال أحد لقاءاتنا القليلة، من أن أعبّر له عن مدى إعجابي بهذا الكتاب.
ومن مزايا منصة «سابستاك» أنها تتيح فضاءً لنشر نصوص لم تجد طريقها إلى النشر، لسبب أو لآخر. ولذلك أنشر هنا، بعد تعديلات وتحديثات طفيفة للغاية، نصًا كتبته عن العمل الأبرز لأنور شيخ، «الرأسمالية»، عند صدوره للمرة الأولى عام 2016.
وأعتقد أن إعجابي بالكتاب سيكون واضحاً في النص، رغم بعض عبارات الحيرة والتساؤل التي تتخلل مراجعتي. وكم هو مؤسف أننا لم نعد نحظى بوجود أنور بيننا، ليستمتع بالحياة ويساعدنا على فهم العالم. لكن عزاءنا، على الأقل، أنه ترك لنا هذا العمل الفكري الضخم.
أنور شيخ: «الرأسمالية: المنافسة والصراع والأزمات»
مطبعة جامعة أكسفورد، 2016
يعد هذا الكتاب كبير هائل الحجم، يضم 761 صفحة من المتن، بالإضافة إلى ما يقرب من مئتي صفحة أخرى من الملاحق والمراجع، وهو عمل بالغ الإبهار.
يقدم الكتاب سلسلة من المعالجات التفصيلية لقضايا أساسية في الاقتصاد السياسي. وفي كل قضية، يعرض شيخ تحليله الخاص والمتعمق، ويناقش نقدياً المقاربات الأخرى، ويقدم تاريخاً نقدياً لتطور الفكر الاقتصادي السياسي حولها، بدءاً من آدم سميث، مستعيناً بالبراهين النظرية الصورية واستعراض الأدلة التجريبية حيثما اقتضى الأمر.
ويتميز الكتاب بمستوى رفيع للغاية من الحجاج النظري. كما أن مناقشاته للعديد من الموضوعات، مثل المنافسة الكاملة وغير الكاملة في الفصل الثامن، والتجارة الدولية في الفصل الحادي عشر، تتسم بالأهمية والقدرة على إضاءة القضايا المطروحة.
ويلخص شيخ المنظور النظري الذي يستند إليه الكتاب على النحو التالي:
“إن نظرية المنافسة الحقيقية تشكل الأساس النظري للتحليل الذي يقدمه هذا الكتاب”.
إن دافع الربح ينطوي بطبيعته على نزعة توسعية؛ فالمستثمرون يسعون إلى استعادة أموال تفوق ما استثمروه، وإذا نجحوا في ذلك، فإنهم يستطيعون تكرار العملية مرة بعد أخرى وعلى نطاق أوسع، ليصطدموا بآخرين يسعون إلى فعل الشيء نفسه.
ينجح بعضهم، ويتمكن آخرون بالكاد من البقاء، فيما يفشل آخرون تمامًا. هذه هي المنافسة الحقيقية، التي تتسم بطبيعة تناحرية وبحركة مضطربة. إنها الآلية التنظيمية المركزية للرأسمالية، وهي تختلف عما يسمى بالمنافسة الكاملة بقدر ما تختلف الحرب عن رقص الباليه.
إن المنافسة داخل الصناعة الواحدة تجبر المنتجين الأفراد على تحديد أسعار تتيح لهم البقاء في السوق، كما تدفعهم إلى خفض التكاليف حتى يتمكنوا من تخفيض الأسعار والمنافسة بفاعلية.
ويمكن خفض التكاليف عن طريق تخفيض الأجور، أو إطالة يوم العمل، أو زيادة كثافة وتيرة العمل، أو على الأقل إبطاء نمو الأجور مقارنة بنمو الإنتاجية.
غير أن هذه الإجراءات تصطدم بردود فعل العمال، ولهذا يصبح التغيير التقني الوسيلة الأساسية لخفض التكاليف على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، تتخذ رؤوس الأموال الفردية قراراتها اعتمادًا على تقديراتها لمستقبل يتسم بطبيعته بعدم اليقين ولا يمكن تحديد مساره مسبقًا.
إن المنافسة تضع البائع في مواجهة البائع، والبائع في مواجهة المشتري، والمشتري في مواجهة المشتري، ورأس المال في مواجهة رأس المال، ورأس المال في مواجهة العمل، والعمل في مواجهة العمل.
“إنها حرب الجميع ضد الجميع”. (ص 14)
يمثل هذا المنظور العام إسهاماً بالغ القيمة. فهو، فضلًا عن أي شيء آخر، يحرر نقد الاقتصاد السياسي من الالتزام بنظرية «الرأسمالية الاحتكارية»، التي تفترض أن تركز رأس المال وتمركزه يؤديان إلى تجاوز المنافسة، وبالتالي، على الأقل من الناحية المنطقية، إلى تعليق عمل قوانين حركة نمط الإنتاج الرأسمالي التي طورها ماركس في كتابه «رأس المال».
إن مفهوم شيخ عن «المنافسة الحقيقية»، الذي يختلف جذرياً عن الإشكالية النيوكلاسيكية القائمة على التمييز بين المنافسة الكاملة وغير الكاملة، يساعدنا على فك شيفرة منطق التراكم الرأسمالي اليوم.
ومن أمثلة ذلك، الصراعات الدائرة بين الشركات العملاقة المهيمنة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في سعيها إلى تحقيق ما يُعرف بـ«التفرّد التكنولوجي»، وكذلك، على نحو أكثر اعتيادية، في تنافسها على جمع الأموال اللازمة لتمويل استثماراتها الهائلة.
ومع ذلك، فإن الطريقة التي يحدد بها شيخ موقعه داخل النقاشات الدائرة بين منظّري الاقتصاد السياسي الماركسي تبدو غريبة بعض الشيء.
فهو يقدم منظوره الخاص ببساطة بوصفه ما يسميه «الرؤية الكلاسيكية» في الصفحة التاسعة، من دون تقديم أي توضيح إضافي.
وبعد أكثر من خمسمائة صفحة، يكتب:
«كما أفعل دائمًا، سأستخدم مصطلح “الكلاسيكي” للإشارة إلى سميث وريكاردو ومالتوس ومِل وماركس». (ص 540)
لكنه لا يقدم أي دفاع نظري عن إدراج ماركس ضمن الاقتصاديين الكلاسيكيين بهذه الطريقة.
وليس من المستغرب أن يقوده هذا المنهج إلى الاقتراب من بييرو سرافا بدرجة تتجاوز، بالنسبة إليّ على الأقل، الحدود التي أشعر معها بالارتياح.
وهناك أيضاً محاولة غريبة لاستيعاب نظرية السير جيمس ستيوارت حول الربح الناشئ عن التبادل أو نقل القيمة، وهي محاولة تبدو لي استطراداً مربكاً يبعد النقاش عن مساره.
كما يتبنى شيخ مواقف مثيرة للجدل بشأن بعض المسائل المحددة. فهو يجادل، على سبيل المثال، بأن رأس المال المصرفي يشارك في عملية معادلة معدل الربح، وهي عملية يؤكد أنها تقتصر على الاستثمارات الجديدة.
كل ما سبق يعد مألوف لدى الاقتصاديين السياسيين الماركسيين، لكن الكتاب يبدو كما لو أن شيخ يسعى إلى إنجاز تركيب نظري، يكاد يكون هيجلي، بين تقاليد فكرية مختلفة، هي الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، والاقتصاد النيوكلاسيكي، والفكر الكينزي، وما بعد الكينزي، وليس من الواضح تماماً كيف يندرج التياران الأخيران ضمن التقابل بين المدرستين الكلاسيكية والنيوكلاسيكية.
ينجح هذا النهج أحياناً، ففي معالجته المسهبة للاقتصاد الكلي في الجزء الأخير من الكتاب، يبذل شيخ جهداً كبيراً لدمج إشكالية الطلب الفعال عند كينز في نظرية ماركسية للرأسمالية، يكون فيها تحرك معدل الربح، بما في ذلك صياغته الخاصة لقانون ميله النزوعي إلى الانخفاض، هو المحرك الأساسي للرأسمالية.
كما يناقش شيخ نظرية المعدل الطبيعي للبطالة التي طورها ميلتون فريدمان، ويسعى، من خلال تأكيد الأهمية السببية لصافي معدل الربح، أي ما يسميه ماركس “ربح المنشأة”، إلى دمج دور القطاع المالي في تحليله. ومن هنا، يحتل الانخفاض الحاد في أسعار الفائدة منذ ثمانينيات القرن الماضي موقعاً مهماً في تفسير شيخ لتطور الأزمة الحالية. رغم أنني أرى أن القول بأن أنصار نظرية ميل معدل الربح إلى الانخفاض يتجاهلون دور القطاع المالي قول غير صحيح، فإنهم يميلون إلى التقليل من أهمية الطلب الفعال، بل إلى رفضه أحياناً. وهنا، تكتسب محاولة شيخ للتوفيق بين هذه المقاربات قيمة حقيقية.
لذلك، ثمة الكثير مما يمكن تعلمه من هذا الكتاب. وحتى حين نختلف مع أطروحاته، يظل المستوى الفكري الذي يقدمه رفيعاً للغاية. ومن غير المرجح أن يصدر قريبًا عمل في الاقتصاد السياسي الماركسي يجمع بين هذه الجودة وهذا الحجم على النحو الذي يحققه كتاب “الرأسمالية”.





