بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

أكبر احتجاج من 2019

قراءة في مسيرة 17 أكتوبر ضد قيس سعيد

من بطحاء محمد علي إلى شارع الحبيب بورقيبة في تونس، اجتمعت مطالب الديمقراطية والكرامة الاجتماعية مع الاعتراض على تدهور الأوضاع الاقتصادية والمخاوف بشأن الحريات. وبين بطالة خريجي الجامعات وملفات الموقوفين وظروف السجون، تعكس احتجاجات أكتوبر تداخلًا متزايدًا بين الأزمة الاجتماعية والنقاش حول مستقبل الحياة السياسية في تونس.

شهدت العاصمة التونسية، السبت 17 أكتوبر 2026، مسيرة احتجاجية شاركت فيها قوى نقابية وحقوقية ومهنية وسياسية، في تحرك استهدف التعبير عن رفض السياسات القائمة والمطالبة بالحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وجاءت المسيرة في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع الضغوط على القدرة الشرائية واستمرار البطالة، بالتوازي مع انتقادات تتعلق بحرية التعبير والتوقيفات وظروف الاحتجاز.

وبحسب تقرير نشرته «الجزيرة الإنجليزية» في اليوم نفسه، شهدت تونس أكبر احتجاج من نوعه ضد الرئيس قيس سعيّد منذ تولي حكمه في 2019، بمشاركة تجاوزت ثلاثة آلاف شخص وفق تقدير وكالة «فرانس برس» الذي أورده التقرير.

وتجاوزت دلالات التحرك، وفق الشعارات والمطالب التي رفعتها الجهات المنظمة والمشاركون، الاعتراض على ملف منفرد، لتشمل العلاقة بين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ومساحة الحريات العامة. وفي هذا السياق، برزت مشاركة منظمات نقابية وحقوقية ومهنية في مبادرة مشتركة جمعت مطالب متعددة تحت عنوان الدفاع عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

دعا الإطار التنسيقي للمسيرة إلى مشاركة التونسيات والتونسيين والقوى التقدمية والديمقراطية في تحرك انطلق، وفق الدعوة المعلنة، من بطحاء محمد علي الحامي بالعاصمة عند الساعة الحادية عشرة صباحًا يوم السبت.

وحدّد المنظمون مسار المسيرة انطلاقًا من بطحاء محمد علي، مرورًا بشارع الحبيب ثامر فساحة الجمهورية، ثم شارع باريس، وصولًا إلى شارع الحبيب بورقيبة، حيث كان مقررًا إلقاء كلمة باسم الإطار التنسيقي من قبل الاتحاد العام التونسي للشغل.

وشملت قائمة المنظمات الموقّعة تسع جهات، هي الاتحاد العام التونسي للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، واتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل، والمنظمة التونسية للأطباء الشبان، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والاتحاد العام لطلبة تونس، والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين.

ودعا البيان المشاركين إلى الالتزام بالشعارات المتفق عليها داخل الإطار التنسيقي ورفع العلم التونسي، في محاولة لتوحيد الرسائل المرفوعة خلال التحرك والمحافظة على أهدافه المعلنة.

ويجمع هذا التشكيل بين منظمات تمثل قطاعات مهنية واجتماعية مختلفة، من العمال والطلبة والعاطلين عن العمل إلى المحامين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان. ويتيح هذا التنوع قراءة المسيرة باعتبارها مساحة التقت فيها مطالب اجتماعية وحقوقية وسياسية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تطابق مواقف جميع الأطراف الموقّعة بشأن كل القضايا.

وكان موقع «نواة» قد نشر، قبل المسيرة، مادة تناولت دوافع التحرك وسياقه، كما غطّى في 17 أكتوبر مشاركة المحتجين وشعاراتهم المناهضة لسياسات القمع والتفقير.

وتتزامن الاحتجاجات مع ضغوط اقتصادية تمسّ قطاعات واسعة من المجتمع التونسي، في ظل صعوبات التشغيل وارتفاع تكاليف المعيشة وتعثر الخدمات العامة. وفي تقرير نشرته «الجزيرة» في 18 أكتوبر، تناولت الصحيفة تعمّق الأزمة الاقتصادية وتراجع آمال فئات من التونسيين في تحسن أوضاعهم.

وسلّط التقرير الضوء على خريجين جامعيين طال انتظارهم للحصول على وظائف مستقرة.

وبحسب الأرقام التي أوردتها «الجزيرة» استنادًا إلى المعهد الوطني للإحصاء التونسي، بلغ معدل البطالة العام 14.9% في الربع الثاني من عام 2026، فيما وصل إلى 26.6% بين خريجي التعليم العالي. وسُجّلت معدلات أعلى لدى النساء من خريجات الجامعات، بلغت 35.6%، مقابل 14.2% بين الرجال من الفئة نفسها، بينما بلغ معدل البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 عامًا 35.4%.

وتبرز هذه المؤشرات فجوة بين التحصيل العلمي والقدرة على الاندماج في سوق العمل، كما تكشف عن تفاوت بين النساء والرجال في فرص التشغيل. ولا تقتصر آثار البطالة على الدخل، بل تمتد إلى الاستقلال الشخصي والتخطيط للمستقبل والشعور بالقدرة على المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وتناول التقرير أيضًا تحركًا لخريجين عاطلين عن العمل انطلق من منطقة منزل بوزيان باتجاه العاصمة في 27 سبتمبر، للمطالبة بتطبيق التشريعات المتعلقة بانتداب أصحاب الشهادات الذين طال انتظارهم للعمل في القطاع العام. ووفق التقرير، توقفت المسيرة بعدما منعت الشرطة المجموعة من مواصلة السير جماعيًا في برج السدرية يوم 6 أكتوبر.

وتشير هذه الحالة إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بإعلان برامج أو إصدار قوانين للتشغيل، بل بمدى تنفيذها وقدرتها على توفير فرص ملموسة. كما تطرح أسئلة بشأن قدرة الاقتصاد على استيعاب الخريجين خارج القطاع العام، ومدى توفر الاستثمار والنشاط الإنتاجي الضروريين لخلق وظائف مستقرة.

وفي الحياة اليومية، تتداخل البطالة مع غلاء المعيشة وصعوبات الحصول على الخدمات الأساسية. وقد تناول تقرير «الجزيرة» كذلك آثار انقطاعات المياه والكهرباء خلال الصيف على المواطنين والأنشطة التجارية، في وقت تواجه فيه مؤسسات صغيرة صعوبات مرتبطة بكلفة التشغيل وضعف الموارد.

وهكذا، تتجاوز الأزمة الاقتصادية الأرقام الإجمالية لتؤثر في تفاصيل الحياة اليومية، من تأمين الاحتياجات الأساسية إلى القدرة على تأسيس أسرة أو بدء مشروع أو التخطيط لمستقبل مهني. وفي هذا الإطار، يصبح مطلب العدالة الاجتماعية مرتبطًا بمسائل توزيع الفرص وتحسين الخدمات وتقليص الفوارق بين الفئات والمناطق.
وبالطبع لا تنفصل المطالب الاقتصادية التي حضرت في الشارع التونسي عن النقاش المتعلق بالحريات العامة. فقد ترافقت الشعارات المرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل مع مطالب بالإفراج عن المعتقلين وانتقادات لما تعتبره أطراف معارضة تضييقًا على العمل السياسي والنقابي والمدني.

ومنذ عام 2021، شهد النظام السياسي التونسي تغييرات جوهرية، بعد أن علّق الرئيس قيس سعيّد عمل البرلمان وأقال الحكومة، ثم أُقر دستور جديد عام 2022 عزّز صلاحيات الرئاسة. وقدّم سعيّد خطواته باعتبارها استجابة لأزمة النظام السياسي السابق، فيما اعتبره منتقدوه تركيزًا للسلطات وإضعافًا للضوابط الديمقراطية.

وتأتي احتجاجات أكتوبر في سياق هذا الخلاف المستمر بشأن طبيعة النظام السياسي وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية ودور المؤسسات الرقابية والمدنية.

بعد 2011، عجزت فئات الطبقة الحاكمة عن الحكم عبر البرلمان بصورة مستقرة، فظهر رئيس يقدّم نفسه فوق الصراعات، ويحكم بالمراسيم منذ حلّه البرلمان السابق وإقالته الحكومة عام 2021، ويستند إلى جهاز الدولة (الشرطة والقضاء) لا إلى حركة جماهيرية. وقد أصدرت محكمة الاستئناف في نوفمبر 2025 أحكامًا تصل إلى 45 عامًا بحق عشرات من قادة المعارضة، وهذا يؤكد أن القمع هو أداة هذا النظام. لكن غياب قاعدة جماهيرية منظمة له يجعله أضعف مما يبدو، فهو نظام يمكن مواجهته بتنظيم العمال.

ويقوم خطاب سعيّد على تحميل “الخونة والمضاربين” مسؤولية الغلاء والأزمة، بينما تبقى البنية الاقتصادية على حالها. والقومية في هذا التقليد ليست مناهضة للرأسمالية. فرفضه شروط صندوق النقد الدولي لا يعني برنامجًا عماليًا، وقد أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل تأييده لموقف الرئيس في رفض شروط الصندوق. وهنا الخطر على الاتحاد: أن يتحول الدفاع عن “السيادة” إلى غطاء يُسكت المطالب الاجتماعية، وهي الأجور والدعم والخدمات العامة.

أما الاتحاد نفسه فقوة متناقضة. تراه البيروقراطية النقابية، بحسب هذا المنظور، وسيطًا بين العمل ورأس المال، يخشى الحراك الذي لا يتحكم فيه ويسعى لحماية موقعه أمام الدولة. وتدعم الوقائع هذه القراءة: دعوته إلى “الحوار” مع السلطة، و استقالة أمينه العام في ديسمبر 2025 وسط خلافات داخلية، وتأجيل الإضراب العام المقرر في 21 يناير 2026 لعدم إيداع إشعار الإضراب في وقته. ومع ذلك يبقى الاتحاد قادرًا على الشل الفعلي، كما ظهر في إضراب النقل الذي أوقف حركة التنقل البري في البلاد. ودرس 2011 أن القواعد العمالية دفعت القيادة المركزية إلى الانتفاضة، لا العكس.

وتبقى الجبهة الموحدة التي ضمّت تسع منظمات خطوة صحيحة من حيث المبدأ، بشرط الدفاع غير المشروط عن الحقوق الديمقراطية للجميع، بمن فيهم سجناء لا نتفق معهم سياسيًا، مع الحفاظ على استقلال المطالب العمالية داخلها. ويتمثل الاختبار الحقيقي في الانتقال من المسيرات إلى الإضراب العام، وربط مطالب الحريات بقضية العاطلين عن العمل والمناطق المهمشة، وبناء لجان قاعدية مستقلة عن مناورات القيادة. أما العودة إلى ما قبل 2021 فليست برنامجًا كافيًا، لأن ذلك النظام نفسه ولّد الإحباط الذي استثمره سعيّد.

مشاركة أكثر من 3 آلاف تونسي في احتجاجات يوم السبت رقم قياسي ضد سعيّد، لكنه متواضع قياسًا إلى عضوية الاتحاد وحده، والتي تُقدَّر بين 700 ألف ومليون.