اليمن يقلب موازين المواجهة والرياض تستنجد بتل أبيب والقاهرة

لم يكن ثلاثي «ميثاق مكة» في وضع يسمح له بالتصدي بفاعلية لحركة أنصار الله المصممة على مواصلة القتال. ففي باكستان، كانت لدى الحكومة الخاضعة لقيادة الجيش مهام أكثر إلحاحاً؛ إذ انشغلت بإطاحة الحكومة الإقليمية المنتخبة التي تقودها حركة الإنصاف الباكستانية، حزب عمران خان، في إقليم خيبر بختونخوا.
وقد اعتقل رئيس حكومة الإقليم، سهيل أفريدي، مما أدى إلى اندلاع اضطرابات في عدة مدن، وإطلاق الشرطة النار في العاصمة الإقليمية، بيشاور. أما المسيرة المطالبة بالإفراج عن عمران خان، فقد أغلقت السلطات طريقها في إسلام آباد باستخدام حاويات ضخمة، في مشهد أعطى انطباعاً قوياً بأن الحكومة نفسها تعيش حالة حصار.
ورغم أن شعار «الحرية لعمران خان» لا يزال الشعار الرئيسي للاحتجاجات، فإن الهتافات المطالبة بإنهاء الحرب على اليمن تكتسب زخماً متزايداً.
وقد أعرب ضباط باكستانيون، وفقاً لتقارير، عن صدمتهم بعد عودتهم من زيارة استطلاعية إلى الرياض، حيث اكتشفوا أن أجهزة الاستخبارات العسكرية السعودية تعج بعناصر من الموساد وإسرائيليين آخرين. وقد أكدت صحيفة «إسرائيل هيوم» اليمينية الإسرائيلية هذه المعلومات أيضاً.
ولكن لماذا فوجئوا، بحق الله؟ ألم تطلعهم وكالة الاستخبارات الباكستانية المشتركة (ISI) على ذلك مسبقاً؟
وفي غضون ذلك، داهمت شرطة أردوغان مقر قناة «هالك تي في» (Halk TV)، وهي القناة التلفزيونية الأكثر شعبية في تركيا، وأوقفت بثها المباشر الأسبوع الماضي. ولم تكن هذه سوى أحدث حلقة في سلسلة المحاولات الرامية إلى قمع الإعلام المستقل.
وقبل ما يزيد قليلاً على أسبوعين، عطل موقع «تي 24» (T24) وحجب، وهو الموقع الإخباري المستقل الأكثر شعبية في تركيا.
وعلى أردوغان أن يصغي إلى أجراس الإنذار التي تقرع في ألبانيا، فهي تقرع من أجله أيضاً. فعاجلاً أم آجلاً، ستنفجر الأوضاع في تركيا.
يدرك العالم العربي بأسره مدى عمق التحالف الوهابي الصهيوني. وإذا لم تكن وحدات الجيش الإسرائيلي قد دخلت بعد سوق التأجير العسكري، فلن يطول الوقت قبل حدوث ذلك. فقد حصلت كل من باكستان وتركيا على ثمانية مليارات دولار مقابل تأجير وحدات من الجيش والقوات الجوية.
وقد أشاد ترامب مؤخراً بالإسرائيليين لمساعدتهم السعودية. لكن قادة آخرين في المنطقة يتوقعون أن يستمر الوضع في التصاعد.
وقبل يومين، حذر أمير قطر بلاده، في خطاب تلفزيوني، من ضرورة «الاستعداد للأسوأ».
ويوم الجمعة، طمأن الحاكم العسكري المصري، الجنرال السيسي، إسرائيل إلى أن مصر لن تستخدم القوة، مهما حدث، إلا للدفاع عن حدودها.
لكن في اليوم التالي، أعلن أن مصر ستتخذ، إذا طلب منها ذلك، أي إجراءات ضرورية للدفاع عن السعودية.
إذن، كان السيسي يكذب. فاستخدام العنف للدفاع عن المصالح الإسرائيلية في الحجاز أمر مقبول، بينما يظل أي تحرك للدفاع عن الفلسطينيين، أو حتى السماح بإيصال الغذاء والأدوية بانتظام لمساعدة سكان غزة، محظوراً حتى يومنا هذا.
هذا هو الوجه الحقيقي للنظام العميل في القاهرة. إن الشعب المصري يكره هذا النظام، وعاجلاً أم آجلاً سيتخلص منه. وهذا ما يخشاه السيسي نفسه، وقد ظل يحاول، دون جدوى تذكر، اتخاذ إجراءات استباقية لمنع حدوثه.
الهجوم اليمني يهز النظام السعودي
ماذا يعني كل ذلك؟
لقد أدت الهجمات اليمنية على المرتزقة السعوديين داخل اليمن، والضربات بالغة الدقة التي استهدفت مصافي النفط السعودية، إلى جانب اشتعال النيران في المقر الرئيسي لشركة «أرامكو» ومصافي النفط، إلى إصابة النظام السعودي بحالة من الذعر.
حتى أصدقاء السعودية بدأوا يشعرون بالتوتر.
ويؤكد تقرير من الرياض بعنوان «الحرب تصل إلى الداخل»، نشرته مجلة «الإيكونوميست» في عددها الأخير، أن الحكومة التي فرضت على اليمن بدعم من الأمم المتحدة، والخاضعة للسيطرة السعودية، استنزفت رصيدها من التأييد الشعبي.
إن وصف الحوثيين بأنهم «متمردون مدعومون من إيران» وصف مضلل، لأنه يوحي بأن إيران، وليس التأييد الشعبي اليمني، هي القوة التي تدفع القوميين اليمنيين إلى الأمام.
فمن دون هذا التأييد الشعبي، ما كان للقوميين اليمنيين، بقيادة أنصار الله، أن يصبحوا على أعتاب تحرير البلاد بأكملها.
لكن ما يقلق الصحافة الاقتصادية هو التهديد الذي يمثله تقدم أنصار الله للاستقرار المالي للنظام السعودي.
فمجلة «الإيكونوميست»، بمنهجها البراغماتي المعتاد، تعرب عن قلقها من أن «الحوثيين لا يكترثون بالحكم»، الأمر الذي قد يعطل خطط السعودية «لتنويع اقتصادها».
وتخبرنا المجلة بأن «الحكومة السعودية لديها ما تخسره أكثر» مما لدى أنصار الله، الذين يقاتلون من أجل تحرير بلادهم.
وهذا صحيح تماماً.
وتشير تقارير أخرى إلى أن رفوف المتاجر الكبرى في السعودية بدأت تفرغ من السلع، مع اندفاع الناس إلى شراء المواد الغذائية وتخزينها، بينما توزع المواد الغذائية مجاناً على آخرين.
ومن الصعب، أمام هذه المشاهد، ألا نتذكر الحصار والمجاعة اللذين فرضتهما السعودية وحلفاؤها، الذين يتصرفون بعقلية الغرب المتوحش، على اليمن منذ عام 2015.
لقد أدى ذلك إلى وفاة مئات الآلاف من البشر، كان الأطفال في مقدمة ضحاياهم، فضلاً عن انتشار سوء التغذية على نطاق واسع.
وكتب الشاعر نزار قباني في قصيدته «هوامش على دفتر النكسة»:
يا أيها الأطفالْ:
يا مطرَ الربيعِ.. يا سنابلَ الآمالْ
أنتمْ بذورُ الخصبِ فى حياتنا العقيمهْ
وأنتمُ الجيلُ الذى سيهزمُ الهزيمهْ…
واليوم، يقف مراهقون في صفوف الجيش اليمني في طليعة المقاومة ضد الحكام الأجانب الذين قيد جشعهم حياتهم منذ طفولتهم المبكرة.
ولذلك، فإن «الإيكونوميست» محقة: إن هذا العدد الكبير من اليمنيين يقاتل دفاعاً عن بلاده لأنه لم يعد لديه ما يخسره سوى الأغلال السعودية.
هل تستطيع الولايات المتحدة إنقاذ السعودية؟
لا جدال في أن الدولة السعودية تواجه مأزقاً خطيراً، وأن المال وحده لا يستطيع إنقاذها.
فهل سيسمح ترامب لسلاح الفرسان الجوي الإسرائيلي بتدمير اليمن، أو كما يقول غالباً بلغة يراها أكثر دبلوماسية، «بمحوه من على وجه الأرض»؟
وكما أوضحت ألكسندرا ستارك، الباحثة المرتبطة بمؤسسة «راند»، فإن السياسات الأمريكية في اليمن، التي نفذتها إدارات بوش وأوباما وبايدن وترامب، منيت حتى الآن بفشل كامل.
فهل سيحاولون الآن إنقاذ اليمن عن طريق تدميره؟
يكمن مفتاح الإجابة في إيران.
هل ستتدخل طهران بكل قوتها للمساعدة في الدفاع عن اليمن؟
إذا فعلت ذلك، فسوف تتصاعد الحرب أكثر، وربما تؤدي حتى إلى إيقاظ الجماهير العربية.
وإذا حدث ذلك، فسوف يصبح من الضروري إقامة بنية إقليمية جديدة، وهو أمر بالغ الأهمية لجميع الأطراف المعنية.
لقد أنفقت السعودية مئات المليارات من الدولارات على شراء الأسلحة الأمريكية، وهو ما حقق مكاسب هائلة لصناعة السلاح في الولايات المتحدة. لكن عندما جاءت لحظة الاختبار الحاسم، لم تستطع تلك الأسلحة الدفاع عن السعودية.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وانتخابات إسرائيلية تلوح في الأفق، هل تنتظر الدولتان نتائج الانتخابات قبل توجيه ضربة جديدة إلى إيران؟
لن تستخدم الصين القوة عندما تتعرض شريكتها التجارية لهجوم جديد، لكن هل ستفعل أي شيء آخر؟
هل يمكننا أن نأمل في فرض بعض العقوبات الاقتصادية على الولايات المتحدة وإسرائيل؟
أتمنى ذلك، لكنني أخشى ألا يحدث.
فعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، حافظت بكين، وكذلك هانوي، على علاقات تجارية نشطة مع هذه الدولة المارقة، التي وجهت إلى أبرز قادتها اتهامات بارتكاب جرائم حرب.
السعودية وليدة الإمبريالية والمقاومة اليمنية تتقدم
ولدت السعودية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي بوصفها ثمرة علاقة غرامية بين إمبراطوريتين: إحداهما شاخت، والأخرى كانت أكثر شباباً وحيوية، وهما بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية.
ومع أفول الإمبراطورية البريطانية، اتخذت الولايات المتحدة زوجة جديدة هي إسرائيل، التي أصبحت زوجة أب متطلبة ووحشية.
إلى أي مدى ستكونان مستعدتين للذهاب من أجل إنقاذ طفلهما؟
إن المقاومة اليمنية اليوم أقوى بكثير مما كانت عليه عندما تدخل السعوديون في البلاد لأول مرة عام 2015.
فهي تمتلك ترسانة عسكرية قوية، كما رأينا بوضوح في الهجمات على العاصمة السعودية، ويؤكد قادتها أن بإمكانهم توجيه ضربات تصل إلى باكستان إذا اقتضت الضرورة.
فلنأمل ألا تضطر هذه المزاعم إلى الخضوع للاختبار.
وليس هناك شك كبير في أن النظام السعودي مكروه من قطاعات واسعة من شعوب المنطقة، بصرف النظر عما إذا كانت سنية أم شيعية.
وفي القاهرة، عام 2003، ألقت على مسامعي مثقفة مصرية من أصول سنية الأبيات التالية. لقد رحلت عن عالمنا، لكنني ما زلت أسمع صوتها.
هذه الأبيات للشاعر والفيلسوف العظيم الذي عاش في القرن الحادي عشر، ابن حلب، المعارض الفذ والشجاع، أبو العلاء المعري، الذي حذر حكام عصره بلغة لا تزال صالحة لوصف الكيانات التي غرستها الولايات المتحدة في المنطقة.
ومن شعر أبي العلاء المعري الأصلي في نقد الحكام وظلم الرعية:
مَلَّ المُقامُ فَكَم أُعاشِرُ أُمَّةً
أَمَرَت بِغَيرِ صَلاحِها أُمَراؤُها
ظَلَموا الرَعيَّةَ وَاِستَجازوا كَيدَها
فَعَدَوا مَصالِحَها وَهُم أُجَراؤُها.





