بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

حوار مع فرانشيسكو لوكا:

بطريقة ما ملأنا حيزاً سياسياً لم يكن أحد قد تعرف عليه من قبل

لعدد من السنوات شهدت المساحة السياسية على يسار "الاشتراكية الديمقراطية" تحولا في أوروبا. ولم يكن هذا التحول دائما في الاتجاه الصحيح: أزمة إعادة التأسيس في إيطاليا أو الحزب الاشتراكي الاسكتلندي أو منبر ريسبكت في بريطانيا، كلها مؤشرات واضحة على أن الطريق لازال وعرا ومن السهل التعثر فيه. مع ذلك هناك أيضا خبرات ملهمة يبدون أنها تفتح الباب أمام فرص جديدة بعد فترة طويلة للغاية من فقدان الاتجاه والتأزم السياسي: الحزب الجديد المناهض للرأسمالية في فرنسا (NPA) وحزب اليسار في ألمانيا والتكتل اليساري في البرتغال، كلها تجارب جذبت القطاعات الأوسع من الجمهور ومن ثم تعتبر بمثابة المرجع لمشاريع آنية أخرى. سوف تسعى فينتو سور (Viento Sur) إلى تقديم عرض لهذه التجارب من خلال سلسلة من الحوارات مع قيادات سياسية منفتحة على التأمل في ممارسات منظماتها. لا يهمنا هنا القضايا الأيديولوجية، وإنما نرغب في معرفة الأساليب التي تمارس بها هذه المنظمات السياسة والمشكلات التي تواجهها ونتائج ذلك. بل ما يثير اهتمامنا بشأن هذه التجارب هو تنوعها والخيارات المختلفة بل وحتى المتناقضة التي تنشأ عنها. ونعتقد أن القارئ سوف يجد فيها جوانب تناسبه وأخرى مختلفة معه. إن ذلك تحصين جيد ضد "النمطية"، فلا توجد أحزاب نموذجية معصومة، بل أننا في حاجة إلى أممية عملية، تسعى إلى التعرف على خبرات أخرى لممارسة السياسية المناهضة للرأسمالية وفهمها بهدف التعلم منها.ليس لدينا جدولاً زمنياً لنشر هذه الحوارات وسوف نحاول ألا نتأخر في ذلك كثيراً. لقد بدأنا سلسلة الحوارات بالحديث مع فرانشيسكو لوكا حول التكتل اليساري في البرتغال، وهي أقل المنظمات شهرة بين اليسار الجديد المناهض للرأسمالية في أوروبا وقد يكون ذلك بسبب أنها أكثرهم بعداً عن التقليدية. وهو في حد ذاته سبب وجيه للاهتمام بها. ميجيل روميرو، المحرر في جريدة فينتو سور 

الحوار:

 

فلنبدأ بأصول التكتل اليساري.

كانت هناك حالة من الهزيمة الاجتماعية لليسار بعد الاستفتاء بشأن الإجهاض في عام 1998. كانت حالة حضر فيها اليسار بأكمله متوقعا الفوز، وانتهى الأمر بالهزيمة، هزيمة جزئية، لكنها هزيمة غير متوقعة. وكان لها تأثير معنوي كبير. صحيح أن ذلك دفع بقيادة الاتحاد الديمقراطي الشعبي (UDP) وهي مجموعة ذات أصول ماوية، كانت في ذلك الوقت تتمتع بثقل انتخابي أقل لكن قاعدتها النضالية كانت أوسع من الحزب الاشتراكي الثوري، منظمة الأممية الرابعة، دفعها إلى تقديم اقتراح للحزب الاشتراكي الثوري ببناء قوة سياسية جديدة، أعادت تشكيل خريطة اليسار الاشتراكي تماما. وقدمت مقترح مشروع بهذا المعنى. حين فعلت ذلك، لم يكن هناك تراث من العلاقة التوحيدية القوية من منظور نضالي؛ لم يكن هناك سوى تقارب انتخابي فاشل قبل ذلك بست سنوات، في عام 1983، ولم تكن نتائجه ذات دلالة تذكر.  

هل كانت هناك حملة موحدة من أجل حق الإجهاض؟

ليس فقط بين الاتحاد الديمقراطي الشعبي والحزب الاشتراكي الثوري. لقد شاركت كل التيارات ضمن إطار الحملة، بما في ذلك أشخاص من الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والكاثوليكية بل وحتى اليمينيين الذين لم يقبلوا بتجريم النساء وعقابهن بسبب الإجهاض. في المواقف التكتيكية للحملة كان هناك قدر من التقارب بين الحزب الاشتراكي الثوري والاتحاد الديمقراطي الشعبي، وكذلك مع الكثيرين غيرهم. كذلك كان هناك تنسيق بين الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية، حيث عبرت الحركة عن نفسها في إطار وحدوي لكن الحملة لم تنجح في نهاية الأمر في بلورة ثقافة سياسية جديدة في العلاقة مع الحزب. أنت محق. اقتراح تأسيس التكتل اليساري كان قرار القيادة السياسية. حين التقيت لويس فازندا (Luis Fazenda) (قائد الاتحاد الشعبي الديمقراطي) وبعد عدة لقاءات لم يكن ممثلو الحزبين يعلمون سوى القليل أحدهما عن الآخر. كنا نعرف بعضنا البعض عن بعد. طنا التقينا مرة أو اثنين في بعض الاجتماعات، لكننا لم ننخرط أبدا في نقاش عميق. بعض الأشخاص لعبوا دورا هاما في بناء العلاقة، على سبيل المثال فرناندو روساس (Fernando Rosas)، أحد الشخصيات البارزة بين مثقفي اليسار البرتغالي من الجيل السابق على جيلنا، جاء من الحزب الشيوعي ومن بعده اليسار الماركسي اللينيني الراديكالي وكان يعمل منذ عدد من السنوات مع الحزب الاشتراكي الثوري. كان هناك شعور عام بأن مرحلة قد انتهت. التأثير المعنوي للهزيمة في حملة الإجهاض ولد شعورا بالفشل ونهاية لمرحلة 25 أبريل. وفي الأحزاب اعترف أغلب المناضلين بحاجتهم إلى شيء جديد. ورأى الحزب الاشتراكي الثوري والاتحاد الديمقراطي الشعبي ومنظمة "السياسة 21) (وهي منظمة ولدت عن انشقاق في الحزب الشيوعي البرتغالي)، وشكلت تيارا آخر مرتبط بالحالة السائدة في ذلك الوقت حيث رأوا أنه يكفي عقد تحالف فيما بينهم. من ثم أصبح هناك اقتراح محدد.. اقتراح جرئ: لم يكن اقتراحا بالتحالف وإنما بحركة سياسية جديدة. لم تكن الظروف تسمح بتوحيد الأحزاب، الأمر الذي كان يستوجب تقاربا على المستوى الأيديولوجي، ولم يكن هذا الأمر محل اهتمام. الأمر الممكن والأكثر أهمية كان تأسيس منظمة سياسية تستند في قوتها ووحدتها إلى ما يتجاوز الأيديولوجيا. لسنا في حاجة إلى أن نتفق على تفسير واحد لثورة 1917 أو الثورة الصينية عام 1949 لنتفق على موقف سياسي متماسك. كان علينا التركيز على تحديد المهام السياسية وبناء التقاليد السياسية للحركة الجديدة من القاعدة. في البداية ووجه هذا المقترح ببعض الصعوبات داخل الاتحاد الديمقراطي الشعبي والحزب الاشتراكي الثوري، لكنه ما لبث أن تم التأكيد عليه بعد مرحلة المقاومة الأولى. اعتقد انه كان من الضروري طرح البديل رغم كونه الأصعب.  

كل هذا يذكرني بالوضع في فترة ما بعد الهزيمة في استفتاء الناتو. كنتم أكثر ذكاء منا. كنتم أكثر "سياسة" بالمعنى الأفضل للكلمة. لقد أدركتم أن هناك فرصة لتحويل الهزيمة إلى خطوة للأمام لليسار المناهض للرأسمالية وعدم إفلات الفرصة. نحن لم ندرك ذلك هنا في عام 1996 وعندما اعتقدنا أن هناك فرصة بعد ذلك بعدة سنوات كان الأمر قد أصبح وهما.

إن محاولة بناء منظمة جديدة في فترة تراجع هو أمر محفوف بالمخاطر. كان لدينا مشروع سياسي جذب الكثيرين ممن ليسوا في الحزب الاشتراكي الثوري أو الاتحاد الديمقراطي الشعبي أو "السياسة 21". لقد كان جذب الكثيرين من اليسار من المستقلين أمرا شديد الأهمية. خلال عدة شهور قليلة أصبح التكتل اليساري منظمة تضم ما بين 1200 – 1300 عضوا، لم يكن أغلبهم أعضاء في المنظمات المؤسسة للتكتل. لكن الأهم من ذلك أن التكتل كانت قوة سياسية قادرة على الفعل. في السياسة تبرز فرص. إما أن تنتهزها أو لا تنتهزها. هذه الفرص إما أن تبني عليها أو تفقدها. لقد واجهنا عددا من التحديات الشديدة بعد وقت قصير: على سبيل المثال، الحركة المطالبة بالاستقلال في تيمور في عام 1999 بعد انهيار الاحتلال الاندونيسي، الذي كان له تأثير كبير في البرتغال. كذلك كانت هناك مسألة الحرب في البلقان. في نفس العام كانت هناك الانتخابات البرلمانية الأوروبية. كان التكتل حاضرا لأول مرة، ولم ننتخب أحدا.   

لكن النتائج كانت أفضل من النتائج السابقة التي حصل عليها الحزب الشيوعي البرتغالي والاتحاد الديمقراطي الشعبي.

لقد حصلنا على أصوات أكثر مما حصلت عليه المنظمات مجتمعة في السابق. أي بما يكفي لنفهم أن هذا الصوت في لشبونة سوف ينتخب مندوبا في الانتخابات البرلمانية المحلية. وحيث أن الوقت كان قريبا من الانتخابات البرلمانية فقد خلق ذلك رصيدا من الأمل والتوقعات الايجابية وهو ما أخل بالتوازن الانتخابي. وهكذا حصلنا على نائبين في لشبونة وارتفع العدد إلى 3 ثم 8 ثم 16 في الانتخابات التالية. هذه الانتصارات البرلمانية المتتالية كان لها أثر فوري على الفعاليات السياسية والاجتماعية وذلك في وقت قصير للغاية. وأصبح من الممكن أن نلحظ أن مشروع خلق قوة سياسية قد أفرز أفكارا قوية وبسرعة: النضال ضد العولمة – حيث شهدت الحركة نهوضا كبيرا في تلك الفترة – والنضال ضد الحرب والنضال ضد الرأسمالية. لقد قدمنا إجابات مباشرة وقد سمح لنا ذلك بأمور لم تحدث من قبل في السياسة البرتغالية. كانت مؤسسات السياسة البرتغالية تتكون من حزبين يساريين وحزبين يمينيين مع قليل من التنويعات على الجانبين، وكانت هناك تغيرات داخلية دون تغيرات هيكلية في هذه الأحزاب. كان الاتحاد الشعبي الديمقراطي له ممثل واحد في عام 1976، وكانت هناك انشقاقات في الحزب الاشتراكي تم استيعابها فيما بعد؛ وفي مرحلة ما كان للحزب الشيوعي 45 مندوبا (أصبحوا الآن 13). لم يسبق لأحد أن تفوق على الحزب الشيوعي فيما يخص الانتخابات. من هنا كان ظهور حزب وطني خامس بمثابة حالة فريدة ضمن هيكل شديد الاستقرار. إننا نتحدث عن حوالي 25 عام بعد الخامس والعشرين من أبريل.   

أدرك أنكم جنبتم الأمور الأيديولوجية ولكن كيف صغتم القاعدة السياسية للاتفاق؟ أتصور أنه لابد من وجود وثيقة مرجعية.

بدأ التكتل بنص سياسي بعنوان "البداية من جديد". وهو نص مرجعي قصير تحول فيما بعد إلى وثيقة برنامجية بعد أن تأكدنا من صلابة الاتفاق السياسي بشأن رؤيتنا للمجتمع. لقد كان النص نتيجة طبيعية لتطور المنظمات والتيارات والأفراد المستقلين ممن كان لديهم دور هام في القيادة. وقد تضمن النص مواقفنا من الرأسمالية الموجودة فعليا والقضايا المالية والعولمة والتبادل غير المتوازن وآليات الاستغلال وتداعياتها الاجتماعية إضافة إلى السؤال الهيكلي الخاص بالاتحاد الأوروبي وقضايا أخرى كان لابد من التعامل معها: الجرائم الاجتماعية مثل الاستغلال والموقف من الحرب. لقد تبلورت المواقف السياسية بتماسك شديد حول هذه القضايا. بطريقة ما شغلنا مساحة لم تكن موجودة من قبل، مساحة سياسية لم يستدل عليها من قبل. وقد كان ذلك ممكنا بفضل الدور الحاسم للقيادة ذلك أن أي منظمة ذات تأثير مؤسسي غالبا ما تقع تحت ضغوط شديدة؛ أي منظمة سياسية تبدأ من مجموعة صغيرة، من مئات الأشخاص، تتعرض لتوترات شديدة خاصة بالتمايز. إما أن تتمكن القيادة من إدارة هذه العملية واستيعاب المشكلات وخلق سلطة عامة أو تفشل العملية برمتها. السلطة أمر شديد الأهمية، أقصد السلطة السياسية الجماعية. المنظمة المتماسكة يجب أن ترى أن قيادتها تطرح بديلا للأحزاب القائمة وتعمل من أجل خلق هذا البديل من خلال النضال الاجتماعي للجماهير. لسنوات عديدة اعتاد الرفاق على أن الحزب لا يكون له تأثير سياسي إلا حين يصبح مرجعا إلزاميا في كافة الحوارات الدائرة؛ يجب أن يكون مرجعا في كل موضوع ذي شأن يتم تناوله. إنني مؤمن بذلك بشدة. في قضايا مثل اتفاقية لشبونة واستقرار البرامج والاختيارات الأساسية للسياسة الاقتصادية يكون الجدال مكثفا. هنا تبرز أهمية القدرة على التأثير وخلق حالة من الاستقطاب.   

هناك جانب في خبرتك أجده مثيراً للاهتمام بشكل خاص. أنني افترض أنه في الفترة السابقة على بناء التكتل كانت الخريطة السياسية للبرتغال مستقرة إلى حد ما، مثلها مثل أغلب البلدان الأوروبية. ظهور التكتل أخل بتوازن واستقرار تلك الخريطة حيث ظهرت قوة سياسية لها امتداداتها في المؤسسات دون أن تكون خاضعة لقواعد الحاكمية بها.

نعم بالتأكيد. حين انتخبنا نائبين بدا الأمر وكأنه مفاجأة انتخابية. لقد كان ذلك بوضوح بمثابة قاعدة انتخابية قوية إلى حد ما عكست الروح "الابريلية" للمقاومة السياسية للخامس والعشرين من أبريل. لكنها فيما بعد تفاعلت مع التقاليد اليسارية، الاشتراكية والراديكالية وهو ما  مس وترا لدى المناضلين في الأحزاب الأخرى. الفكرة الأساسية كانت رفض الفكرة القائلة بأن التكتل ما هو إلا "تطوير" لليسار الراديكالي. على العكس. القصد كان بناءه كقوة تنافس على قيادة اليسار. هكذا كان الأمر من البداية لكن الأمر ازداد قوة لأن الأهداف يجب أن تستند إلى ما يمكنك تحقيقه. كنا ندرك أن المدخل لمشروعنا لم يكن هو التنافس على مساحة مشابهة كالتي يشغلها الحزب الشيوعي. ما كنا لنكسب قوة مقارنة بالحزب الشيوعي لو لم يكن هدفنا أبعد من ذلك بكثير ألا وهو إعادة تشكيل كاملة لليسار. ذلك دفع بنا من البداية إلى تحديد موقف موحد من الحزب الشيوعي الذي حاول في البداية، كما هو متوقع، أن يقلل من شأن التكتل ويتجاهله ثم ما لبث أن دخل معه في علاقة ذات وجهين: علاقة برلمانية كانت شديدة التوحد، غنية بالمفاوضات وحادة وفي نفس الوقت الكثير من الجدل حول الموقف من القضايا الاجتماعية والمرجعية السياسية. ولكما كان موقف الحزب الشيوعي عدائيا من المنظور السياسي كلما كانت خسارته أكبر. وقد سمح لنا هذا بجذب قطاعات ذات أصول تاريخية في الحزب الشيوعي وكسب ثقة كبيرة بين القاعدة الجماهيرية التي كانت مؤيدة للحزب مع الحزب الشيوعي من خلال معارك النضال ضد سياسات التقشف ومن أجل بناء نقابات مناضلة. لكن النقطة الجوهرية كانت أسلوبنا في التعامل مع التحديات التي طرحها الحزب الاشتراكي باعتباره الحزب الحاكم ونظام "التناوب". وتمكننا من إحداث حراك سياسي ضخم حين خسر الحزب الاشتراكي الانتخابات لليمين في عام 2002. عندئذ تمكن التكتل من طرح سياسة شديدة الايجابية ضمن البديل وفي مواجهة الحكومية وأن يكون له سياسة موحدة مع الحزب الشيوعي والاشتراكي، الأمر الذي لم يفعله الحزب الشيوعي. إذ طالما كان هناك تماثل بين الاشتراكيين واليمين، بمعنى أن حكومة أحدهما مثل حكومة الآخر. صحيح أن السياسات قد تكون أسوأ في ظل الحكومة الاشتراكية كما نشاهد اليوم، خاصة فيما يتعلق بقانون العمل لحكومة سقراط، لكن هناك اختلاف بين قواعد كل منهما من وجهة النظر الاجتماعية. لذلك لعبنا دورا ايجابيا هاما في الحوار مع القاعدة الاجتماعية للاشتراكيين والتي تشكل نسبة هامة من السكان في نفس الوقت الذي طرحنا فيه انتقاداتنا والبدائل التي نقترحها. ذلك كان التحدي الحقيقي لنا في فرض الهيمنة وذلك هو ما فعلناه. في ذلك الوقت كان فيررو رودريجاز، (Ferro Rodrigues) أحد قيادات حركة اليسار الاشتراكي في مرحلة 25 أبريل، كان ضمن قيادة الحزب الاشتراكي. لقد عرفته منذ كنت في الرابعة عشر من العمر. تمكننا من عمل أشياء كثيرة معهم رغم الاختلافات الكبيرة في السياسات الاقتصادية. لكننا قمنا بمبادرات قيمة مشتركة فيما يتعلق بالنضال ضد الفقر ومن أجل الضمان الاجتماعي. لقد قضي على هذه القيادة بواسطة إجراء قضائي، ملاحقة قانونية. بعدها جاء جوزيه سقراط (Jose Socrates)، وهو من التكنوقراط الليبراليين.في ذلك الوقت أصبح من الواضح للتكتل اليساري أن لديه مهمتين رئيسيتين: الأولى هي بناء حركة ذات تأثير جماهيري تمثل قوة اجتماعية هامة ذات وعي وتوجه مناهض للرأسمالية وتطرح سياسات اشتراكية. لم يكن لدينا شك في ذلك. مع ذلك كان علينا في نفس الوقت أن نبلور مركزا للتدخلات التكتيكية، أن نبني قدراتنا في عقد علاقات تكتيكية قادرة على مواجهة سياسات الليبرالية الجديدة. أعتقد أن ذلك هو الفرق الأساسي بين التكتل اليساري والكثير من المنظمات الأوروبية الثورية التي نعرفها. التدخلات التكتيكية شديدة الأهمية بالنسبة لنا. هناك مساحة "خاصة بالهوية" لتأكيد التراث السياسي والأيديولوجية، لكن الفعل السياسي لمنظمة ما ليس هو التأكيد على هويتها وإنما العلاقة مع القطاعات الأخرى لخلق التقارب، ذلك أنه في حال الاعتداء على الضمان الاجتماعي أو فيما يخص سن المعاش أو الهجوم على الأجور، يتطلب الأمر منظمة يسارية ذات تأثير جماهيري. هذا أمر هام في التصدي لوقف هذه الاعتداءات. إنها طريقة للممارسة السياسية بهدف الفوز: يجب أن نكون أقوياء حيث الحكومات ضعيفة؛ يجب أن نخلق التقارب حيث يوجد دعم للسياسات الاشتراكية.  

هل هذا معيار للقيادة أم تراث حزبي بين المناضلين؟ أحينا تسمع في الجلسات التثقيفية أن السياسة الثورية "الصحيحة" ليست ذات قيمة كبيرة؛ وأن الجوهري هو التدخل من أجل تغيير الواقع. لكن يبدو أن مبادرة الحزب ليست كافية لتغيير الواقع: هناك حاجة إلى علاقة وثيقة مع الحركات الاجتماعية وذلك قد يولد تناقضا بين ما هو "سياسي" وما هو "اجتماعي".

هذه التناقضات موجودة. الحركات الاجتماعية في البرتغال قليلة التنظيم بشكل عام. الأقوى والأكثر تنظيما بينها هي الحركة النقابية والتي تضم ما بين 15 – 18% فقط من القوى العاملة ومحدودة جدا من حيث قدراتها التنظيمية أو قيادة تدخلات اجتماعية رغم قدرتها على دعم تحركات سياسية ضخمة ذات تأثير قوي مثل تظاهر مائة أو مائتي ألف من البشر حول قضايا مثل التعليم أو الصحة أو البطالة أو "سياسات التقشف". لكن لا توجد حركة نسوية مهيكلة وحركات الدفاع عن البيئة أو الحركات الثقافية المغايرة حركات ضعيفة رغم وجود حركة أممية لا بأس بها. إننا نبلور عملا رائدا مع أعضائنا وذلك يؤثر أحيانا على علاقاتنا مع المجتمع المدني. منذ أربعة سنوات قررنا أن ننخرط في عمل المنظمات الاجتماعية للشباب العاملين في أعمال غير مستقرة وذلك بالتعاون مع بعض المنظمات النقابية وقد ووجهنا في ذلك ببعض العداء من نقابات أخرى ومنظمات غير نقابية. لقد بلورنا مبادراتنا الخاصة: التعبئة والمبادرات التشريعية وخلق شبكات تعاونية الخ. لكن المبادرة السياسية هي التي تخلق تلك الحركات ومناضلونا يحاولون الانخراط في أوسع مساحة سياسية ممكنة.  

أفهم ذلك، لكنني أعتقد أن هذا الوضع لابد وأن يخلق توترا أو على الأقل احتمالات توتر بين المناضلين "السياسيين" داخل التكتل والنشطاء "الاجتماعيين" داخل الحركة.

لكن ذلك أمر حتمي أن يحدث، وطبيعي في حركة جماهيرية. لكن من ناحية أخرى يجب أن نضع في الاعتبار أن التكتل كانت له خصائص "الحركة السياسية"؛ لدينا حوالي ثمانية آلاف عضو شديدي التباين من حيث نضاليتهم. ما يحدد هويتنا السياسية بالأساس هو الجدال العام ومواجهة شديدة للغاية مع الحكومة في البرلمان الذي هو مركز الجدال السياسي في البرتغال. لدينا مناظرات عنيفة للغاية مع رئيس الوزراء كل أسبوعين حيث نطرح بدائل لها تبعات هامة بما في ذلك على الحكومة. كل خمسة عشر يوما. في البرلمان السابق حيث كان للحزب الاشتراكي الأغلبية المطلقة أدت سياساتنا في التحالف مع قطاعات اشتراكية نقدية في أكثر من مرة إلى هزيمة برلمانية للحكومة: في حالتين انتصرت الحكومة بفارق صوتين لأن عددا من أعضاء الحزب الاشتراكي صوتوا ضد حكومتهم بشأن قضايا هامة: الخصخصة والتوعية الصحية وعلى الأخص قوانين العمل. إن ذلك يمثل انفصالا خطيرا عن وجهة النظر السياسية في البرتغال. من هنا بدأت علاقتنا مع مانويل أليجري (Manuel Alegre) الذي قاد عملية عدم الخضوع السياسي والبرلماني والذي سوف يصبح مرشحا يساريا هاما في الانتخابات الرئاسية القادمة. لدينا تقارب شديد مع الكثير من القطاعات القادرة على الدفاع عن القطاع العام ضد الخصخصة أو ضد مزيد من المرونة وقانون العمل الجديد. ان ذلك يحن من قدرتنا على التعبير وسط الحركة الجماهيرية ويقوض الاعتداء الحكومي وقد يؤدي سياسيا إلى قلب موازين القوى في هذا الصراع.إننا نخلق مساحة اجتماعية للنضال السياسي ومن ثم ندعم فرص الاقتراب ما بين القوى. موقفنا كالتالي: محور نشاط التكتل اليساري هو الدفاع عن الخدمات العامة، ومعركتنا الأساسية هي محاربة الليبرالية والخصخصة، والدفاع عن الخدمات العامة كالتعليم والصحة، وحماية الديمقراطية الاقتصادية في مواجهة انعدام المساواة. نريد أن يفهم الناس أننا مفيدين، وأنه بإمكاننا أن نقرر وعلى خلفية موقفنا هذا نعمل على تغيير حياتهم. كما نرغب في أن يكون لنا هذا التأثير في جدالنا مع الحكومة ومع الحزب الاشتراكي.  

يبدو لي أن هذه السياسية تعتمد على الكثير من النتائج المباشرة، دعنا نقول "تحقيق "النجاحات". ليس فقط النجاحات البرلمانية ولكن أيضاً تحقيق الأهداف المطروحة، على الأقل جزئياً. لكن في الوضع الذي نعيش فيه من الصعب جداً تحقيق هذه "النجاحات". يبدو لي أن استمرار البناء طويل المدى لمنظمة مناهضة للرأسمالية بالاستناد على التكتيكات ونتائجها قصيرة المدى هو أمر مليء بالإشكاليات.

هناك فعلاً ضغط من أجل الحصول على "نتائج" لكنني أعتقد أن ذلك ليس هو مربط الفرس. نحن مواجهون بيأس اجتماعي، بإصلاح بدون إصلاحات، ديمقراطية اجتماعية بدون تعويض. إن ذلك يؤدي إلى توترات اجتماعية مع ما يترتب عليها من خوف من البطالة وعدم الشعور بالأمان وعزلة العاملين بأجر الخ. الشعور بالظلم يضاعف من قدرتنا على الفعل. إن ذلك في حد ذاته هو نتيجة: فالناس تدرك أن هناك من يناضل من أجلهم، من هو مستعد لفضح هذا النظام الاقتصادي المجنون، أن يشرح وأن يثبت أن الظلم في حد ذاته أداة تنظيم وتعبئة. على سبيل المثال، أحد الأمور التي نقوم بها كثيرا هو الرد المباشر للغاية على الفضائح المالية، وأداء النظام البنكي. لقد أدى ذلك إلى العديد من رفع القضايا ضد المديرين والمستثمرين كما نتعرض للكثير من الهجوم منهم. أحد كبار أصحاب العمل في البلاد بالميرو دي أزيفادو (Palmero De Azevado) هاجمني بشدة. وقد أدى ذلك إلى تقويتنا كثيرا. أصحاب العمل هؤلاء يدركون أننا نهدد سلطتهم: كانت لدينا حالة انهيار بنك في أحد الأزمات في عام 2008. الكثير من البنوك كانت تعاني المشاكل، لكن أحدها أصبح محل استجواب في البرلمان وكنا حاضرين وعبرنا عن رفضنا لكافة تفاصيل التجارة الخارجية، والعمولات. نظمنا اجتماعات عامة شرحنا فيها هذه العمليات، كانت عملية تثقيف لمناهضة الرأسمالية، تصوير دقيق لطبيعة الاقتصاد، وهو أمر شديد الأهمية والتأثير من منظور تحريض وتسييس وتعبئة الناس ورد فعلها.  

كيف تدار هذه الاجتماعات العامة؟

ننظمها دوريا في كافة أنحاء البلاد لنعطي تقريرا عن عملنا البرلماني ونناقش مع الناس. كذلك، منذ عامين، بدأنا تنظيم سلسلة من اجتماعات الشوارع في أغسطس، في الميادين العامة، في الهواء الطلق، للمارة، وجذبنا في أحد السنين حوالي 20 ألف شخص. ودائما نتناول هذه القضايا المحددة ذات الأهمية الاجتماعية الكبيرة. جمهورنا مثير للاهتمام: أصحاب المعاشات ومصوتين للحزب الاشتراكي ومدرسين وبعض شباب الناخبين. هرمنا العمري هو معكوس الهرم العمري للحزب الشيوعي: فالحزب الشيوعي لديه عدد قليل من الناخبين الشباب والكثير من كبار السن. في حالتنا الأمر معكوس تماما. الآن بدأنا إعادة صياغة هذه العلاقة. الأمر يتعلق بتحقيق تأثير سياسي قوي وفي نفس الوقت إدراك الحاجة لتغييرات عملية محددة وكذلك لصعوبتها. لا يجب أن نخلق أوهاما بشأن ما قد يحدث، ولا أن نعد الناس بارتفاع في الأجور ولكن علينا توضيح كيف أن الأجور يمكن أن ترتفع في حال توفر تدابير العدالة الاقتصادية. أن ذلك يضفي على مناهضة الرأسمالية قوة أكبر بكثير من أي دعاية مناهضة للرأسمالية لأنه يسمح بتجسيد محدد لماهية الظلم، ويفسر لماذا لا تدفع بعض الشركات أي ضرائب، ولماذا يحصل صاحب بنك في ساعة واحدة على عمولة قدرها 30 مليون يورو، لماذا يحصل المدير على مرتب سبعة أضعاف من يعملون لديه، وهكذا.م.ر. كان التكتل اليساري منذ تأسيسه منظمة تعددية للغاية. كيف تعملون في مثل هذه الظروف؟ هل تسعون إلى التوافق؟ كيف تديرون الخلافات؟ف.ل.: في المؤتمر الأخير في العام الماضي كانت هناك ثلاث قوائم. الأغلبية التي فازت بحوالي 81% وأقلية فازت ب 11% ومجموعة أخرى فازت ب 8% من الأصوات. إذا على قاعدة التناسب انتخبنا 80 للجنة الوطنية التي هي بمثابة الهيئة القيادية، كما أن هناك 16 أو 17 عضو من الأقليات يملون وجهة نظرهم. هناك أقلية تمثل جزءا من التيار التروتسكي المعروف باسم المورينيستاس (Morenistas) وهو تيار معارض دائما، يقوم ببعض النشاط غير المؤثر بشكل عام، لديهم بعض الأعضاء، بعش الشباب، لكنه تيار غير ذي وزن في الترويج للفكر السياسي للتكتل اليساري. هناك تيارات أخرى ضمن الأقلية الثانية التي تتعاون وتتفق جزئيا مع مواقف الأغلبية. الأغلبية ذاتها متباينة للغاية خاصة أن لدينا منظمات إقليمية قوية في حد ذاتها. التمايز شديد داخل البلاد بحيث نجد طرحا مختلفا في كل إقليم، وطريقة مختلفة للعمل من حيث التركيبة السياسية. هذا يعبر عن نفسه خلال المؤتمرات والاجتماعات والمؤتمرات الإقليمية والقطاعية (النقابات، البيئة، الشباب، العمد والمجالس المحلية الذين يبلغ عددهم حوالي 350 يشاركون على مستوى البلديات دون مسئوليات مباشرة. في حالات نادرة فقط نشارك ضمن الأغلبية الحاكمة). جذورنا ضعيفة في المؤسسات المحلية، أقل نسبيا بقليل من وجودنا على المستوى القومي. 

أعتذر على الإصرار على هذه النقطة لكن الإدارة الديمقراطية للخلافات التي تنشأ نتيجة الممارسة في حزب كبير هي أمر شديد التعقيد. هناك تقليد بدأ مع الملتقيات الاجتماعية وتغلغل في الكثير من المنظمات يضع التوافق معياراً وحيداً (للعمل معا). لكنه يكاد يجول الخلاف إلى مرض بدلا من اعتباره أمراً طبيعياً في تجمع حر وصحي.

التوافق أمر ممكن في هياكل مثل هياكل الملتقيات الاجتماعية لأنها تعمل من خلال برنامج الحد الأدنى المشترك وتتميز بحرية الفعل: خارج إطار التوافق لكل طرف أن يفعل ما يريد. لكن ذلك ليس صحيحا في حالة الحزب: الحزب يجب أن يعمل بأعلى قدر من الاتفاق وليس الحد الأدنى منه. العنصر الجوهري في السياسة على المدى البعيد هو التماسك الاستراتيجي للقيادة، المدركة لاتجاه الحركة وطبيعة الفعل (المطلوب).  

بالتأكيد. لكن هذه أهداف يصعب تحقيقها للغاية ولا يمكن تحقيقها دون نقاش وجدال.

جميع العناصر هامة. لكن القيادة الواضحة في وعيها السياسي ورفض أساليب القيادة التي تخلق الانقسامات هي أمور جوهرية. حزب مثل التكتل اليساري له وجود علني قوي ووجود مؤسسي ذو وزن وتنوع اجتماعي كبير. يجب على القيادة أن تكون قادرة على قراءة وتفسير كل العلامات والإشارات وأن تتخذ القرارات التي تقوي التكتل. المستوى الذي تتخذ فيه القرارات في القيادة من هذا النوع هو مستوى يومي ودائم. لكنها قرارات هامة. لدينا حاليا، على سبيل المثال، مواجهة مع الحكومة على قانون المالية، مواجهة حادة جدا سوف تنعكس نتائجها على الجميع.. هناك تهديد باستقالات من الحكومة وهكذا. لدينا صراع بشأن قانون العمل، مشكلة ضخمة تخص مصنع ضخم متعدد الجنسية على وشك أن يغلق مع تسريح العمال. القدرة على الفعل تعتمد إلى حد كبير على اتخاذ قرارات دقيقة جدا وتكتيكية جدا. حيث أننا نعيش في عالم تعتمد فيه السياسة على الاتصالات، فإن "التكتيكي والدقيق" يشيران أيضا إلى اختيار الكلمات المناسبة: العمل بالسياسة يدور في أغلب الأوقات حول الانطباع، من خلال المشروع المقدم، وصراع الأفكار وتقديم البدائل، والتنظيم الاجتماعي المطروح والقادر على التأثير. إن ذلك يتطلب الاختيار بكثير من الدقة: القيادة لا تتحدث بأصوات متعددة، بل تتحدث بمصطلحات شديدة التحديد مما يتضمن مستوى عال من الثقة ودرجة عالية من التشاور. حين أحتاج إلى اتخاذ قرار فوري أتشاور مع أهم الأشخاص المعنيين بالموضوع المثار، والبرلمانيين الآخرين والأفراد ذوي الخبرة والمعرفة الأكثر في هذا المجال. وفي نفس الوقت إذا عرفت أن شخصا ما سوف يلقي خطابا يمكن أن يؤثر على صورة التكتل فإننا نتناقش معا بشان الطريقة التي يجب أن يتم بها ذلك. الأمر لا يتعلق بالسياسة عموما فحسب، وإنما أيضا بالتفاصيل ومعرفة أسلوب التعبير عن كل رأي على وجه الدقة. على سبيل المثال، رئيس الوزراء سوف يسجل مقابلة عن الوضع السياسي يوم الاثنين. جميع الإذاعات تبث بثا مباشرا لتعليقات الأحزاب المختلفة. لذلك من الضروري جدا أن يكون تعليقا شديد الدقة وليس ما يفكر فيه القائد في تلك اللحظة. قبل التعليق نتشاور فيما بيننا لعدة دقائق. ذلك أن الصورة السياسية لأي منظمة تعتمد بشدة على الاتصالات. 

دعنا نرى، فلتقل لي المزيد عن هذه النقطة

هذا هو أحد التغييرات الضخمة التي أضافها التكتل ولا يستند فقط إلى موقعنا المؤسسي بعد أن فزنا وإنما أيضاً من منطلق أنه لا جيب أن نهزم. هذا اختيار استراتيجي اتخذناه خلال الخمس سنوات الماضية: تعديل شكل الاتصال عما كان عليه في التقاليد اليسارية كما عرفناها.  

هذا موضوع هام. هل يمكن أن تشرح لي ما هو نظام الصحافة لديكم؟ واضعين في الاعتبار واحدة من أقدم تقاليد الاتصال بين اليسار على وجه الخصوص: ما هو الدور الذي تلعبه جريدة المنظمة؟

في تضاؤل مستمر. لدينا جريدة شهرية نرسلها إلى أعضاء التكتل ونوزعها من خلال بائعي الجرائد. لكنا قد لا تكون موجودة في المستقبل، لأن محور اتصالنا هو الانترنت. لدينا موقع على الشبكة العنكبوتية حيث يعمل فريق مهني ضخم، حوالي عشر أشخاص، يعملون في الإذاعة والتليفزيون والاستشارات الإعلامية. كذلك نتدخل في الشبكات الاجتماعية. انه نظام معلوماتي شديد التطور وله أهداف طموحة. سوف نون سعداء لو كان لينا مائة ألف شخص، 1% من السكان يتابعون المعلومات التي نبثها يوميا.  

هل لازلتم بعيدون جدا عن ذلك؟

لقد اقتربنا من 40 إلى 50 ألف شخص بحساب كافة أشكال الاتصال التي نستخدمها: الشبكات الاجتماعية والانترنت والإذاعة على اليوتيوب وأشياء شبيهة. كذلك لدينا عدد من الأشخاص يعملون في الاستشارات الإعلامية مع قيادة التكتل. العلاقة مع الصحافة علاقة صعبة.  

يبدو غريباً أن يكون لديكم مستشارون إعلاميون في منظمة نضالية.

هؤلاء الأشخاص مهنيون عظام في مجال الاتصالات كما أنهم من أفضل الكوادر السياسية لدينا. نحن نحتاج إلى أشخاص ماهرين، ذوي قدرة على التواصل مع مديري الجرائد والتليفزيون، والمسئولين عن الأخبار لكي نتمكن من تقديم الرد الملائم. اننا نعيش في عالم نركز فيه على الاتصالات. التواصل المهيمن هو عالم تصنيع الإشاعة باعتبارها سلاح سياسي، في عالم يهيمن فيه "الدجالون" على شركات الاتصالات. يجب أن نتغلب عليهم. هناك جدال دائر حول هذا الأمر ويجب أن نكون الأقدر في هذا الجدال وأن نبتكر الأفكار التي تعبئ وتقود التعبئة الاجتماعية. لذلك كان علينا أن نقرر تغييرا جذريا في نظام الاتصالات لدينا وهو ما سوف يكتسب أهمية متزايدة في سياساتنا.  

حسنا، دعنا ننتقل إلى موضوع آخر. نفترض أنك تعتقد أن هدفا ما صحيح لكنك لا تملك القدرة على التعبئة عليه في المدى القصير، لأنه هدف راديكالي أكثر من اللازم: على سبيل المثال: منع الفصل. في هذه الحالة، هل تتنازل عنه؟

إننا نطرح برنامجا منسجما من وجهة النظر الاشتراكية. نحن غير معنيين بذلك التمييز الذي يشل بين برنامج الحد الأدنى وبرنامج الحد الأقصى. حين نتقدم بمقترح لفعل ما، لرد فعل ما، لتدخل فوري في حالة ما، نحاول أن نكون مفهومين من قبل الناس ومن ثم نتمكن من توسيع قدراتنا على التأثير في هذا المجال، بداية من رد الفعل الأول. على سبيل المثال، دعنا نعود إلى سؤالك بشأن منع الفصل، والذي تعلم أنه محل نقاش مع الرفاق من بلدان أوروبية أخرى. إننا ندعو إلى فكرة تبدو لي عادلة وصعبة واستفزازية: منع الفصل في الشركات الرابحة أو التي حققت ربحا. في حال حققت ربحا في السنوات الأخيرة. الفكرة هي إعادة هذا الربح للمجتمع والحفاظ على العمالة. الناس تدرك أن ذلك موقف حاد لكنه ليس ضمن تراث الحركة النقابية في شأن هذه القضية. أعتقد أن هذا موقف واضح وصحيح. من ناحية أخرى أعتقد أن فكرة منع الفصل بشكل عام خارج هذا السياق سوف تكون فكرة خاوية. إن ذلك سوف يعني التأميم الفوري لكافة الشركات الخاسرة بواسطة حكومة نيوليبرالية، الأمر الذي ليس له معنى أو مصداقية. إنه لا يتفق مع التصور العام لدى العاملين أو القدرة على تطبيق نموذج اشتراكي. لا يمكن لحكومة يسارية ذات تقاليد اشتراكية أن تبرز فورا ومن ثم فإن هذا الطرح لن يمثل بالنسبة لعموم العمال إجابة معقولة لمسألة البطالة. إنه لا يتجاوز كونه شعر سياسي. هذا لا يفيد ولا يعبئ ولا يطرح معركة هامة على مستوى وعي الناس. أعلم أن ذلك من بين البدائل المطروحة ضمن النضال السياسي والاجتماعي. لكننا لا يجب أن نختار المقترحات الأكثر راديكالية وإنما المقترحات التي تستجيب بأفضل شكل للمسألة المثارة ومن ثم تحقيق أثر أكبر.  

قد يكون لدي الانطباع الخاطئ بأنه كلما حقق الحزب نجاحا كلما كان ذلك دليلا على "تأميمه". من ناحية أخرى يبدو واضحا أن شروط التقدم في السياسات المناهضة للرأسمالية أصبحت تكتسب طابعا أمميا. لنتحدث في أمور محددة: بصراحة لا أرى في التكتل اهتماما شديدا بأي قضايا خارج البرتغال.

بدون تعليق 

كنت أخشى ذلك…

ف.ل.: لنكن جادين. لا شك ان برنامجا اشتراكيا اليوم سوف يتعرض للخنق من قبل الاتحاد الأوروبي. أي سياسة اشتراكية فعالة سوف يكون عليها التعامل مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي لتغيير شروط السياسة الأوروبية. هذا أمر واضح. لكننا لا نملك حاليا أي فرصة للفوز في هذا المجال. لازلنا في المراحل الأولى من بلورة تدخل سياسي على المستوى الأوروبي. من ناحية أخرى، كلما زادت قوة الحزب أو الحركة في بلد ما كلما اعتمدت أكثر على السياسات الوطنية وكلما انغمست أكثر في السياسات الوطنية. وحتى لو تحدثنا عن تنسيق أوروبي بين اليسار فإن ذلك يجب أن يستند على أحزاب وطنية قوية أكثر منه على منظمات أقلية تنسق فيما بينها لأسباب أيديولوجية. يجب أن نسعى إلى بناء علاقة بين تيارات متباينة تماما، تقريبا مثلما فعل ترو تسكي في ثلاثينات القرن الماضي مع حزب العمال البريطاني، وحزب العمال الاشتراكي الهولندي وحزب العمال للوحدة بين الماركسيين.. إنها علاقة مع تيارات مختلفة وأكثر تباينا مما قد نستطيع تخيله اليوم. يجب أن نفعل ذلك بشكل طبيعي للغاية. يجب أن يكون هناك قدر من تأميم السياسية حين يكون ذلك ضروريا، هذا صحيح. المنظمة السياسية ذات التأثير الجماهيري عادة ما تكون موضوع ادعاءات كثيرة لا تبرز في ظروف أخرى ولذلك تضع ذلك ضمن أولوياتها. كذلك صحيح أيضا أن هناك غياب لشكل من أشكال التنسيق الأممي. نحن في مرحلة إعادة بناء اليسار وسوف تكون هناك نجاحات وأيضا هزائم هنا وهناك. كذلك، صحيح ان البرتغال ليست فرنسا، على سبيل المثال. فرنسا هي أكثر البلدان تسييسا في أوروبا كما أنها بلد أوروبي مركزي. العلاقات السياسية تختلف كثيرا في البرتغال عنها في فرنسا. وهذا أمر مفهوم للغاية لأن لفرنسا موقع آخر في البناء الأوروبي مثلما لألمانيا وايطاليا بل وحتى أسبانيا. البرتغال بلد هامشي للغاية من هذا المنظور.     

دعني أسألك سؤالا حول موضوع الأرجح أنه موضوع خلافي بين اليسار الأوروبي. في الانتخابات الرئاسية التي يوف تجرى في يناير سوف يقوم التكتل بدعم ترشيح مانويل أليجري، العضو البارز في يسار الحزب الاشتراكي. هل يمكن أن تشرح لي الأسباب وراء هذا القرار؟

مانويل أليجري كان مرشحا للرئاسة منذ خمس سنوات. الحزب الاشتراكي قدم ماريو سوارس (Mario Soares) باعتباره مرشح بديل. وقد بدأ حركة فاجأتنا جميعا لأنه حصل على أصوات أكثر بكثير من سوارس. لقد اكتسح جمهور الناخبين الاشتراكي وجذب أعدادا كبيرة من اليساريين المستقلين الناقدين للحكومة الاشتراكية حينها. لقد كان ذلك بمثابة المؤشر الأول لإمكانية خلق حوار مع قطاع بعينه من جمهور الناخبين الاشتراكي. من هنا أصبحت رؤيتنا التكتيكية أكثر دقة وأصبح لدينا هدف مباشر هو خلق حوار دائم مع هذا القطاع. وقد بدأنا الحوار، خاصة مع أليجري الذي ميز نفسه راديكاليا عن الحزب الاشتراكي الذي كان نائبا عنه في البرلمان إضافة إلى كونه نائبا لرئيس مجلس الجمهورية. لقد صوت أليجري ضد الحكومة بشأن قضايا اقتصادية هامة وفي كثير من الأحوال كان يتفق معنا. وقد أدى ذلك إلى أزمة ضخمة في حزب العمال الاشتراكي. الحوار والتقارب هما ما أسس هذه القاعدة السياسية التي سمحت بتنظيم ملتقيين هامين، أحدهما عن الديمقراطية وسياسات اليسار والآخر حول الخدمات العامة. كما تم تنظيم فعاليات في لشبونة وكان لها تأثير سياسي ضخم لأنه لم يحدث من قبل أن قام زعيم في حزب العمال الاشتراكي بدعم اجتماع نظمته قوى أخرى مختلفة بمشاركة من النقابيين وقيادات الاتحاد العام للعمال البرتغاليين وآخرين من اليسار الاجتماعي.وقد اعتبر ذلك نقطة تحول في سياسات اليسار البرتغالي. ثم قرر أليجري ألا يرشح نفسه نائبا عن حزب العمال الاشتراكي بسبب الخلاف حول تعديل قانون العمل، لكنه ظل عضوا كما شارك في مبادرات وفعاليات حزبه. والآن قرر أن يرشح نفسه للرئاسة. هذا الترشح تسبب في انقسام شديد في الحزب الاشتراكي. حتى الآن لم يصدر عن الحومة أي موقف. المشكلة حاليا هي أنه ما من قيادة اشتراكية واحدة ترغب في الترشح لأنهم سوف يحصلون على أصوات أقل من مانويل أليجري. قطاع كبير من اليسار الوسطي واليميني هاجموا أليجري واتهموه بالقرب الشديد من التكتل. الحزب الشيوعي أعلن فعليا أنه سوف يتقدم بمرشح وانتقد مانويل أليجري لعلاقته بنا، لكنه أعلن أن أصواته سوف توجه لانتخاب مرشح من اليسار.  

هل فكرتم في إمكانية اتخاذ موقف شبيه: ترشيح مرشحكم مع الإعلان منذ البداية على اتجاه أصواتكم؟

في هذه الانتخابات لن يكون لمرشح من التكتل أي معنى؛ إنها انتخابات سوف تحسم من الجولة الأولى. اليمين موحد حول الرئيس كافاكو سيلفا (Cavaco Silva)، فإما أن ينجح من الجولة الأولى أو ينجح مرشح اليسار. لم يحدث أن خسر رئيس في انتخابات الإعادة لكن الرئيس الذي يرشح نفسه للفترة الأخيرة لم يواجه أبدا بتحد قوي. هذا يعني أن الاستقطاب الانتخابي سوف يكون تاما. لو كان لدينا مرشح لما كان لذلك أي أهمية من الناحية الانتخابية ولكان ذلك موقفا عصبويا من الناحية السياسية. لكن ذلك ليس هو السبب وراء عدم حضورنا. اختيارنا جزء من السياسة التي نسعى إليها: أي أن نبني إلى أقصى حد تيارا قادرا على الصعود داخل القاعدة الانتخابية العريضة للحزب الاشتراكي، ومواجهة الجدال الاستراتيجي الدائر حول الليبرالية الجديدة أو السياسات العامة، سواء الليبرالية الجديدة أو الاشتراكية. وهذا هو ما يمثله أليجري. لقد كان خطابه قويا للغاية بشأن عدم الأمان، والبطالة وقانون العمل وهو ينتمي ولا شك إلى قطاع على يسار الحزب الاشتراكي. في الفترة الأخيرة كان خطابه ضد برامج التثبيت والنمو المطروحة من قبل حكومة سقراط وإدانته للخصخصة وسياسات الأجور وتفكيكي الخدمات العامة، كان واحدا من المواقف التي كان لها أقوى التأثير على المجتمع والجدال السياسي الدائر وأدى إلى ردود أفعال من الحكومة. لقد كان التكتل هو الحزب الوحيد الذي قدم نصا بديلا للبرنامج الذي تم التصويت عليه في البرلمان وكان يتضمن بدائل لتجميد الأجور والسياسات الضريبية موضحا كيفية تمويل الخدمات العامة والضمان الاجتماعي. بناء حزب الأغلبية يتطلب بلورة هذه التمايزات عبر فترة من الوقت وتوضيح التغيير السياسي الذي تمثله. من ناحية أخرى، لدينا حكومة تتمتع بأغلبية نسبية: الحكومة ترغب في تقديم الانتخابات ولديها صعوبات دستورية في هذا الصدد لكنها تريد التغلب عليها في اقرب وقت وان تحاول استعادة الأغلبية المطلقة، مستفيدة من كون أزمة تكييف الميزانية لم تحدث بعد في عام 2010. أنهم يدركون المشكلات الاجتماعية التي سوف تصاحب مثل ذلك التخفيض في الإنفاق العام والأجور والمعاشات. الحزب الاشتراكي فقد الأغلبية المطلقة بسبب ارتفاع معدل التصويت للتكتل اليساري. وهذا الارتفاع في التصويت للتكتل سببه إلى حد كبير علاقتنا بجمهور الناخبين الناقد لسياسات الحزب الاشتراكي. جمهور الناخبين الاشتراكيين يشعر أن هناك إمكانية لبديل وان هناك إمكانيات للحوار بين اليسار. لقد بدلوا آراء عشرات الآلاف من البشر والحكومة تدرك ذلك. في حال بطرت بالانتخاب فسوف تسعى إلى محاربة التكتل كي تستعيد الأغلبية المطلقة. الحزب اليسار الوحيد على خلاف مع الاشتراكيين هو التكتل لأن الأمر هنا يتعلق بما إذا كانت هناك أغلبية مطلقة. سياسة الانعزال في الانتخابات الرئاسية كانت ستكون أكبر خطأ يمكننا أن نرتكبه. ما يهمنا بالأساس هو وضع التناقضات والصعوبات إلى جانب الحزب الاشتراكي كما لدينا قوة سياسة التقارب. لذلك، فيما يتعلق بالخلاف الجوهري، وهو خلافنا مع الحكومة، كلما تمكننا من تحقيق التقارب والحوار وتوسيع القاعدة كلما كنا أقوى وكلما استطعنا أن نحرم الاشتراكيين من أداة لعزلنا لكي تستفيد من تلك العزلة في هذا السياق. 

حسنا لقد قاربنا من الانتهاء. في مقاله الأخير اقترح دانيال بن سعيد استعادة الفكرة "الشيوعية" باعتبارها الأفضل لما نسعى إلى تحقيقه، بل أنه اعترف بأنها ملوثة بالستالينية. لا يجوز أن نقلق بشأن الأسماء، لكنن أعتقد أننا لا نملك الكلمات التي تعبر بشكل مرض عن هويتنا والمجتمع الذي نناضل من أجله. ما هو رأيك بشأن هذا الموضوع؟

صحيح أن أعدادا متزايدة من المناضلين يستعيدون كلمة الشيوعية – منذ مأساة الاتحاد السوفييتي أو الصين – بمعنى الملكية المشتركة، وتغيير جذري للمجتمع لكن تلك العملية تتبلور فقط على مستوى الأفكار. إنه مرجع جذري لبعض الشرائح شديدة التسييس. لكنني أعتقد أننا لم ننجح بعد في تخطي الوصمة التي شابت المأساة السوفيتية بحيث نستطيع أن نستخدم ذلك في مشروعنا كمرجع للتوحد الاجتماعي. صحيح أن القرن السوفييتي انتهى بسقوط الجدار الذي أنهى مركزية تاريخ الاتحاد السوفييتي كمرجع لكافة تشكيلات اليسار. يجب ان نواجه هذا التاريخ في القرن الواحد والعشرين وكذلك في الصين التي سوف تصبح أكثر أهمية في المستقبل وذلك بشكل مختلف تماما عما فعلنا في القرن العشرين. الآن أصبحت هناك حركات تحررية أخرى يمكن أن تقدم مساهمات هامة. أعتقد أن نكون منفتحين جدا في هذا الشأن. مع ذلك، فإن تعريفنا لأنفسنا في الفعل الاجتماعي باعتبارنا "اليسار الاشتراكي" يبدو أفضل وأكثر وضوحا في النضال من أجل الهيمنة مع أطراف تصف نفسها بأنها اشتراكية على الرغم من أن سياساتها كثرا ما تكون هي الأعنف في مواجهة جماهير العاملين.  

أخيرا أعتقد أن أهم انجاز للتكتل اليساري في السنوات الأخيرة هو إمكانية الاعتماد عليه والصلة السياسية الأخلاقية التي أرساها بين قطاع هام من "اليساريين"، يتجاوز حتى جمهوره المباشر. هل سعيتم تحديدا إلى تقوية هذه العلاقة أم أنها نتيجة لطبيعة تدخلاتكم السياسية.

ما نسعى إليه هو أن نكون مستقلين قدر الإمكان وأن تكون لدينا علاقات مباشرة مع قطاع من الجماهير لكن من الواضح أن الجانب الأهم في الاتصال هو الأسلوب الذي نبلور به خطابا  يؤثر على ملايين البشر وهو جزء من بناء حركة اجتماعية مناضلة. الأمر الجوهري في هذا الشأن هو أن نكون مسيسين للغاية وأن نكون مستعدين ومنتبهين للتفاصيل. يجب أن تكون التفاصيل دائما دقيقة حتى آخر مللي بشأن ما يحدث ويقال. الاتصالات الحديثة خلقت نظاما من اللقطات السريعة: الخطاب السياسي في 25 ثانية. لذلك يجب ان يكون مباشرا للغاية ومعبئا ضد الخطابات "المسالمة" والتي تخلق حالة من الاغتراب. كيف نبني المصداقية في سياق هذه العلاقة؟ خاصة مع انسجام السياسة. على سبيل المثال فيما يتعلق بالأمور المالية، وهي الأمور التي اشتغلنا عليها طوال عشر سنوات، نعمل في قضايا غياب العدالة في مسألة الضرائب ونناضل ضد التهرب منها وحماية النظام المالي.. إننا نحاول أن نبني وعيا عاما حول هذا الأمر. في حالة انعدام العدالة من الهام أن يفهم الناس آليات هذا الظلم وكيف أنه ينهبهم. من ناحية أخرى هناك القدرة على بناء الثقة. الناس يتابعون تدخلاتنا في المناقشات مع الحكومة. رئيس الوزراء رجل عنيف للغاية، خاصة مع التكتل، لأنه يشعر أن سياستنا لا تتفق مع سياسته. إن تلك ميزة كبيرة بالنسبة لنا. أولا لأن الإعلام تركز على الاختلاف وليس على التوافق. أولى الأخبار تتحدث عن المواجهة بين الحكومة وبيننا. عبر السنوات يبني ذلك صورة لليسار بأنه يجادل، وانه لا يخاف وأنه يقول الأشياء كما هي. لقد نجحنا فعليا في إسقاط أحد أعضاء مجلس الدولة، أحد أصحاب البنوك الذي كان مساعدا قريبا من كافاكو سيلفا. لقد أظهرنا مسئوليته عن انهيار بنك. كما نجحنا في إجبار مدير أهم البنوك البرتغالية الخاصة على الاستقالة بسبب عملية احتيال في الحسابات الخارجية. لقد نجحنا في هزيمتهم. على الجانب الآخر هناك شعور بالكراهية الطبقية الشديدة: الفعل يؤدي إلى رد فعل وهناك كراهية طبقية بين خصومنا الاجتماعيين وطبقة الحكومة أيضا، الذين يدركون أننا على مفترق طرق فيما يخص مستقبل البلاد السياسي. إن ذلك يخلق المصداقية، يخلق القوة. ويفسر كذلك لماذا لدينا أصوات أكثير من الحزب الشيوعي رغم أن لهذا الحزب تاريخ طويل من النضال ضد الفاشية واستمرارية في العمل على مدى عدة أجيال ولازال لديه قاعدة اجتماعية قوية ومنظمة ولديه تدخلات اجتماعية أكثر مما لدينا. ليدنا الكثير لنفعله لكن ذلك يفسر الفرق.  

سؤال أخير: منذ عدة شهور، وفي أحد التصريحات لجريدة دياجونال (Diagonal) قال جورج كوستا (Jorge Costa)، أحد قيادات التكتل والذي أعتقد أن علاقتك به جيدة للغاية: "التكتل يناضل من أجل تدمير الخريطة السياسية التقليدية للبلاد". هذا تصريح قوي يؤدي مباشرة إلى مسألة الحكومة. لكن ما معنى أن نحكم من اليسار في العالم الذي نعيش فيه في أوروبا الغربية؟

لقد استخدمنا تعبير "تدمير الخريطة السياسية التقليدية" بالمعنى الدقيق للكلمات، بمعنى أن وجود التكتل اليساري سوف يحول السياسة البرتغالية وعلى الوجه الخصوص يبدأ معركة من أجل الهيمنة بحيث تصبح هناك قوة يسارية مسيطرة قادرة على اختيار الاشتراكية. هذا بالتحديد هو التحدي الذي نمثله للحزب الاشتراكي. الاشتراكيون لديهم 40%، الحزب الشيوعي 10%. مشكلتنا هي الأربعين في المائة التابعين للحزب الاشتراكي. على حين يتم التداول بين الحزب الاشتراكي واليمين مع استمرار السياسات ذاتها تقريبا، نجد أن التنظيم الاجتماعي للعمال متأخر. التكتل لا ينوي أن يصبح حزبا هامشيا في التحالفات، أو التكتلات الحكومية أو دعمها مثلما قد يظن البعض. لكنه حزب هدفه النضال من أجل الهيمنة والسيطرة لأنه قوة مسيطرة. ذلك يعني أيضا طرح مسألة الحكومة. الحزب يريد أن يحكم والناس تفهم ذلك. الناس حاليا لا تنتظر منظمة تطرح الشروط الإستراتيجية للاشتراكية باعتبارها حل فوري، وإنما حكومة بإمكانها أن تستجيب فورا للكارثة الاقتصادية. لهذا السبب فإن قضية الليبرالية الجديدة هي قضية هامة جدا من المنظور التكتيكي. يجب أن نسعى إلى هيمنة النضال ضد الليبرالية الجديدة. لو سيطر الكنزيون (Keynesians) أمثالهم فكريا على النشطاء السياسيين المدركين لماهية الليبرالية الجديدة نكون قد خسرنا. الأمر نفسه ينطبق على حقوق الإنسان: إذا لم ينجح اليسار في رفع شعارات حقوق الإنسان فإنه لن يصبح مرجعا سياسيا. لكي ننتصر يجب أن يصبح اليسار قادرا على الهيمنة وقيادة النضال ضد الليبرالية الجديدة لأن ذلك هو الرأسمالية الموجودة فعليا. نحن لا نقبل التمييز بين الرأسمالية والليبرالية الجديدة: الليبرالية الجديدة هي شكل الرأسمالية، الشكل الفعال لتطورها وانتقال الدخل داخل المجتمعات الحديثة. هنا تبرز العلاقة مع القطاعات الأخرى بحيث يهيمن بديل الحكومة في هذا الشأن. هدفنا ليس المقاومة. هدفنا هو أن ننتصر، أن نصبح أغلبية قوية، أن نحصل على الأغلبية وأن نحدد السياسة. عملية إعادة التكوين السياسي وإعادة ترتيب التمثيل الطبقي هو شرط أن يصبح ذلك ممكنا. ولن يحدث هذا دون تحقيق الهيمنة، دون جذب قطاع واسع من الانتلجنسيا الوطنية. يجب أن نصبح قادرين على إدارة المشاريع الوطنية وإدارة النظام المالي وأن نطرح مشروعا واضحا من حيث هويته الاشتراكية. سوف يحتاج الأمر إلى وقت طويل لتحقيق ذلك؛ وقت لغرس الأفكار والتنظيم الطبقي، وهيكلة الحركة الجماهيرية والعمالية، التي هي المحور الممكن الوحيد للنضال من أجل الاشتراكية. تحديد هذا الهدف من سياستنا يجب أن يكون هو نقطة الانطلاق. ومع كل قرار عملي وفوري يجب أن يتضح أن ذلك هو موقف أي حكومة اشتراكية على العكس من حكومة الليبرالية الجديدة. يجب أن نتأكد أن الجماهير تشعر بهذا الفرق. اليوم هم أقلية: من الضروري توسيع عدد الناس المقتنعين بهذه الفكرة.  –     فرانشيسكو لوكا اقتصادي وعضو التكتل اليساري في البرلمان. وكان مرشح التكتل اليساري لانتخابات الرئاسة في يناير 2005 حيث حصل على 5.3% من الأصوات.