بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ادعموا الثورة السورية.. وارفضوا الضربة العسكرية الأمريكية

قوبلت الانتفاضة البطولية ضد الديكتاتور السوري بشار الأسد بواحدة من أكثر الثورات المضادة دموية في التاريخ الحديث. وتواجه الثورة السورية الآن ضربة عسكرية محتملة من الولايات المتحدة الأمريكية بدعم من حلفائها أو بدون.

من الضروري أن يرفض اليسار الغربي الدفاع عن الديكتاتور وأن يدعم الانتفاضات الديمقراطية ويعارض كل أشكال التدخل الإمبريالي.

ارفضوا التدخل الأمريكي 

مع ارتفاع معدلات الوفاة واالفقر والعوز في سوريا في العامين الماضيين أعلنت الولايات المتحدة أن استخدام الأسلحة الكيماوية خطاً أحمر لا يمكن لنظام الأسد تخطيه. ومن الواضح أن قتل نحو 70 ألف إنسان وتشريد ما يقرب من 5 ملايين آخرين لم يزعج أوباما وأصدقاءه.

إن الدموع التي يزرفونها على الأرواح المدنية المُزهقة إنما هي دموع مليئة بالنفاق. جون كيري على سبيل المثال الذي وسم الأسد بانه مجرم وقاتل، كان قد شاطر نفس الديكتاتور موائد الطعام في 2009 بل وطالب بعد ذلك بتوثيق العلاقات بين نظام الأسد والولايات المتحدة الأمريكية لموازنة الأوضاع في المنطقة في مقابل الثورتين المصرية والتونسية.

يرى بعض المعلقين عودة شبح العراق 2003، ولكن سوريا 2013 ليست العراق 2003؛ فالولايات المتحدة تتعامل مع موقف أكثر تقلباً وسيولة في الشرق الأوسط  فقد غيّر الربيع العربي اللعبة. فالانتفاضات الجماهيرية الناجحة ضد ما كانت تبدو وكأنها أنظمة راسخة غير قابلة للانهيار في مصر وتونس ألهمت الملايين في المنطقه للنضال من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية. أما القوى الإمبريالية الكبرى فمازالت تهرول من أجل استعادة زمام الأمور.

تهدف الاستراتيجية الأمريكية في سوريا إلى تدمير القوى المتنازعة على حد سواء؛ فالولايات المتحدة تأمل أن يدفع كلا الطرفين الآخر للاستسلام، فهي تريد أن تقوّض الحركة الجماهيرية الديمقراطية الحقيقية وتخلق انقساماً طائفياً. وفي هذا الصدد، تحاول الولايات المتحدة أن تضمن نتيجة تتوافق مع مصالحها. وكما قال الرئيس التنفيذي لمؤسسة ستراتفور التابعة الناطقة بلسان الطبقة الحاكمة الأمريكية، جورج فريدمان، فإن “كان للولايات المتحدة مصلحة استراتيجية في استيلاء أي فصيل على السلطة. إنه لشيء وحشي، لكنه صحيح. حاول الرئيس السير على حبل مشدود بين تغيير النظام والتقاعس عن ذلك (أو اتخاذ إجراءات قليلة الشأن تركت النظام في مكانه)”.

وتحقيقا لهذه الغاية أبقت الولايات المتحدة على بعض العقوبات على نظام الأسد في الوقت الذي كانت تسمح فيه لحلفائها بتزويد النظام بالأسلحة الكيماوية. وعلى الجانب الآخر كانت توفر دعماً وتمويلاً لأقل العناصرالمقاومة ديمقراطية في صورة أسلحة خفيفة.

هذه استراتيجية محسوبة؛ فالطبقة الحاكمة في الولايات المتحده لا تعبأ بحياة السوريين المُدمَرة، وهي تتعامل مع الحرب على أنها مباراة شطرنج تحرك فيها البيادق في محاولة منها لفرض سيطرتها. إذا ضربت الولايات المتحدة سوريا – وفي الأغلب هذا ما سوف يحدث – فلن يتم هذا بدافع العدالة والديمقراطية.

في حين أنه من الضروري لليسار أن يأخذ خطوة ضد أي ضربة عسكرية أمريكية فإن من المهم أيضاً أن يكون واضحاً أن هذه المعارضة يجب أن تكون ضد التدخل الأمريكي لأنه سوف يعزز قوى القمع في سوريا مع التسبب في المزيد من القتل والقمع والدمار لشعب مدمر بالفعل.

مؤيدو الأسد

يجب ألا تقودنا معارضة تدخل الولايات المتحدة إلى أن نجعل من الأسد والبلدان الحليفة له (روسيا وإيران) وحزب الله أبطالاً. المعسكر المناهض للتدخل شديد الانقسام؛ البعض يستخدم تهديدات أمريكا من أجل الدفاع عن النظام. ففي مظاهرات سابقة في ملبرن وسيدني سيطر مؤيدو الأسد وهددوا باستخدام العنف الجسدي ضد المعارضين له إذا رفعوا شعارات ضد التدخل الأجنبي ومع سقوط الأسد.

للأسف، قدم بعض اليسار غطاءاً فكرياً لنظام الأسد تحت مسمى معارضة الإمبريالية، بالنسبة ل ولاء الأشخاص فإن خطاب البعثيين المناهض للإمبريالية كافٍ لمنح هذا النظام الشرعية.

في أستراليا، أحد أبرز الشخصيات في هذا المعسكر تم أندرسون الاكاديمي ومنظم مسيرات “ارفعوا أيديكم عن سوريا“ كَتب في سبتمبر الماضي: “كان الإجماع في مارس 2011 أن الرئيس بشار الأسد ديكتاتور وحشي، قام الشعب السوري بانتفاضة ضد نظامه كجزء من الصحوة الديمقراطية للربيع العربي، الأقلية العلوية تقمع الأغلبية السنية، وتشكلت مجموعة من المتمردين من المنشقين عن جيش النظام وانضم لهم مقاتلين من الخارج يساعدوهم في حماية المدنيين. في رأيي كل عنصر من عناصر هذه الصورة غير حقيقي”.

التشكيك في ديكتاتورية الأسد يعني البصق في وجه هولاء الذين عانوا لأكثر من 40 عاماً من هذا النظام وعشرات الآلاف الذين قتلوا في مجزرة حماه 1982، وهو إنكار لهؤلاء الذين كانوا يناضلون من أجل الإصلاح الزراعي والحريات النقابية منذ عقود. التشكيك في دوافع الملايين الذين اجتاحوا الشوارع بعد أن تحولت حياتهم إلى جحيم هو إهانة كبيرة. أكثر من ثلث الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، والفقراء من الريف والحضر هم القاعدة الاجتماعية للثورة ضد بشار الأسد ويدفعهم غضب مبرر تماماً.

ومن افتراءات أندرسون أيضاً قوله أن الحركة ضد النظام ما هي إلا دمية في يد الإمبريالية الغربية. مثل هذه الادعاءات ينفي على قوى الثورة كونها المحرك الأساسي لهذا الصراع الديمقراطي الحقيقي فهو يتجاهل أهمية التنظيم الذاتي خصوصاً في المناطق التي انسحب منها النظام.

وتشمل هذه المبادرات الطوعية توفير الدعم الطبي والقانوني، وتوزيع الأغذية، وتحويل المنازل إلى مستشفيات ميدانية. في بعض أجزاء البلاد، سيطرت المجالس المحلية على إدارة مدن بأكملها ويقومون بإجراء انتخابات ديمقراطية بالرغم من ظروف الحرب الأليمة.

ثورة شعبية

إحدى المقالات المنشورة بالعدد 13 من جريدة الخط الأمامي التي يصدرها تيار اليسار الثوري في سوريا، والتي جمعت بعض خبرات المجالس المحلية، تقول أن: “هذه ثورة شعبية حقيقية يقودها العمال والطبقات الكادحة في الريف والحضر، خلقوا هياكل تنظيم ذاتي وهيئات تنسيق وكذلك براعم للحكم الذاتي مجالس محلية ومكاتب استشارية مدنية، هذه الأشكال من التمكين والإدارة متطورة في الثورة السورية عن أي بلدان أخرى في المنطقة”.

لا تنكر أي قوى من اليسار الثوري الإنقسام الموجود في المعارضة، يفتقر الجيش السوري الحر للدعم المالي والمادي بينما تُموّل القوى الإسلامية الرجعية، مثل جبهة النصرة ودولة أهل الشام والعراق، من دول الخليج.

كان لعسكرة الصراع أثرٌ سلبيٌ على سياسة الحركة، وقد عزز فرص التدخل الإمبريالي. ولكن حمل السلاح كان ضرورة فرضها عنف النظام. كما قال أحد الثوار السوريين: “من عاش في نفس ظروف الشعب السوري وشاهد كل هذا القمع والقتل يعلم أنه سوف يبحث عن السلاح من أي مكان”.

تاريخياً، حصلت العديد من الحركات على السلاح من خلال بعض القوى الإمبريالية، مثلا حركة الاستقلال الوطني الأيرلندية (التي حصلت على السلاح من ألمانيا) أو الجناح العسكري من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (الذي حصل على السلاح من الاتحاد السوفيتي).

ومن الضروري وضع العواقب السياسية لهذا الدعم في الاعتبار، ولكن لا يمكن أن ندين حركات المقاومة على محاولاتها الدفاع عن نفسها. صحيح أن بعد قطاعات الحركة تنادي بالتدخل الأمريكي، ومن الواضح أيضاً أن بعض القوى تحصل على السلاح من مهربي الأسلحة الغربيين، ولكن هذا لا يعني أن ندعم الأسد.

في 31 أغسطس أصدر منظمات قوى اليسار في بلدان الشرق الأوسط  – الاشتراكيون الثوريون (مصر)، تيار اليسار الثوري (سوريا)، اتحاد الشيوعيين (العراق)، مجموعة المناضل (المغرب) – بياناً بعنوان: “رهاننا على الشعب السوري الثائر لا على التدخل الأجنبي”، اختلفوا فيه مع الصبغة السياسية لبعض القطاعات الموجودة في الثورة ضد الأسد وأشاروا للتدخل الإمبريالي من كل الجهات العالمية قائلين أن “بعض دول الخليج – بوجه أخص كقطر والسعودية – تهدف للتحكم بطبيعة الصراع في سوريا في اتجاه مذهبي، ونحو تشويه الثورة السورية وإجهاضها، كتعبيرٍ عن الخوف العميق من انتقال الشرارة الثورية إلى الدول تلك، ولا سيما عبر الدعم الذي تقدمه لقوى ظلامية تكفيرية قادمة – في قسم أساسي منها – من شتى أنحاء العالم، تحاول أن تفرض تصورها لحكمٍ بالغ البشاعة، على أساس الشريعة الإسلامية”.

هؤلاء الثوار يحافظون على معارضتهم الضربة العسكرية الغربية ويدعون للتضامن الدولي مع الحركة الديمقراطية في سوريا وكذلك يجب على اليساريين أن يفعلوا.  

* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 8 سبتمبر 2013 بموقع منظمة البديل الاشتراكي في أستراليا