بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ضرب إيران ومأزق مشروع الهيمنة الأمريكية

الإدارة الأمريكية ليس لديها أي خيار.. هذا أمر مؤكد: سيتوجب على الرئيس بوش قصف التجهيزات النووية الإيرانية قبل نهاية ولايته.. سوف يتعرض الرئيس لانتقاداتٍ شديدة في حال شن هجومٍ وقائي على إيران.. لذلك يتوجب علينا اليوم تحضير الأرض لهذا الهجوم على المستوى الثقافي والتحضير للدفاع عن صحة العملية حين يؤون الأوان.

جوشوا مورافشيك أحد زعماء المحافظين الجدد

ما يحدث بالنسبة إلي المخططات الخاصة بإيران هو أنها بلغت، خلال الأشهر القليلة الماضية، مستوي التخطيط العملياتي. إذ أن هناك فعلا خططا محددة تم وضعها لضرب إيران.

سيمور هيرش الصحفي الأمريكي الشهير في مجلة النيويوركر

شبح الحرب علي إيران يخيم على منطقة الشرق الأوسط. فالاستعدادات العسكرية جارية على قدم وساق منذ مطلع العام الجاري. الآليات العسكرية الضرورية للإغارة على منشآت نووية إيرانية أصبحت جاهزة. وأهداف الحرب حُددت. وتأمين حشد القوى الكافية لشن الحرب يقترب من حد الخطة المحسوبة.

فبالرغم من التصريحات المتناقضة من الجهات المختلفة، وهو ما قد يوحي بابتعاد احتمال الحرب، إلا أن مواصلة الاستعدادات بتلك الوتيرة المتصاعدة والمستمرة يفنّد كل الادعاءات. فالأغلب أن أمريكا، بالتحالف مع إسرائيل وبعض الأنظمة العربية، ستحاول شن هجوم عسكري على إيران إذا لم تكن هناك حركة احتجاجية واسعة في الشرق الأوسط وعلى الصعيد العالمي تجبرها على التراجع.

الإمبريالية الأمريكية تُصّعد من ضغطها علي إيران منذ مطلع العام الجاري، خاصة بعد الكشف عن الاستراتيجية الجديدة “خطة النصر” في يناير الماضي، وزيادة عدد القوات الأمريكية في العراق، وتشكيل تكتل بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج ومصر والأردن لتطويق ومحاصرة إيران. وقد بدأت ماكينة الدعاية الأمريكية بالفعل في بث الأكاذيب حول سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية، وحول الخطر الإيراني علي الاستقرار في العراق ومنطقة الشرق الأوسط، تمهيدا للعمل العسكري الوشيك؛ كأننا نشاهد نفس سيناريو التسخين قبل غزو العراق! فبين التهديد الدائم بمجلس الأمن الدولي وعقوباته، وبين احتمال اللجوء إلي الخيار العسكري، تسعى الولايات المتحدة لتشديد الخناق علي إيران وتطويقها علي عدة جبهات استعدادا لهجوم وشيك.

علي الجبهة العسكرية، انضمت حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس جون سي ستينيز” إلي حاملة الطائرات “يو إس إس دوايت إيزنهاور” في مياه الخليج بدلا من مهمتها الأصلية في المحيط الهادي، مع وجود بحري هائل لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا، يمكّن كل من الدولتين من شن حملة قصف يومية ضد إيران لمدة شهر كامل علي مدي الـ24 ساعة. كما نشرت الولايات المتحدة في جميع قواعدها في العراق ومنطقة الخليج الجيل الأحدث من صواريخ “الباتريوت” المضادة للصواريخ. كما تم إمداد إسرائيل بهذا الجيل المتقدم من الصواريخ خشية من أي انتقام إيراني ضد الهجوم العسكري المحتمل.

أما علي الجبهة الاقتصادية، فقد طلبت الولايات المتحدة من السعودية ودول الخليج الأخرى زيادة مستويات إنتاج النفط، مما أدي إلي تراجع الأسعار من حوالي 80 دولارا للبرميل قبل أشهر قليلة، إلي 55 دولارا اليوم. وهو الأمر الذي خفّض الدخل القومي لإيران المعتمدة بصورة كبيرة علي صادرات النفط. إضافة إلي ذلك استخدمت الولايات المتحدة “ورقة التوت المعتادة” لزيادة الضغط علي إيران وزيادة العقوبات الاقتصادية من خلال قرارات مجلس الأمن الدولي الأخيرة، ووضع قيود علي نقل الأموال الإيرانية عبر البنوك الدولية، الأمر الذي سيخلق ضغوطا هائلة علي المعاملات التجارية الإيرانية. كل ذلك لخلق مشاكل اقتصادية بهدف خلخلة بنية الاستعداد العسكري وتغذية التململ الاجتماعي.

لماذا إيران؟

تعد إيران مركزية في الاستراتيجية العليا للإمبراطورية الأمريكية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. يرجع ذلك إلى امتلاكها موارد طاقة ضخمة، وإلى موقعها الاستراتيجي وإمكانياتها الاقتصادية ووزنها السياسي.

فإيران باتت اليوم مصدرا أساسيا للنفط وللغاز بالنسبة للصين والهند واليابان. وهي أيضا ــ بعد تحطيم القوة العراقية ــ القوة الإقليمية الأكبر عسكريا، وكل ذلك معناه أن تأثيرها على إمدادات النفط العالمية، بما تملكه وأيضا بقدرتها الإقليمية، تأثير هائل ولا يمكن تجاهله.

إذن، فالقلق من العلاقات المتزايدة لإيران مع قوى دولية أساسية منافسة للولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلي موقع إيران الإستراتيجي، هما عاملان رئيسيان وراء اهتمام استراتيجية الأمن القومي الأمريكي بتحطيم مصادر القوة الإيرانية.

النفط والغاز

ويمكننا أن ندرك مدى أهمية إيران النفطية بمراجعة بعض الأرقام. فآخر إحصاء صادر عن “إدارة معلومات الطاقة الدولية”، يقول إن لدى إيران ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم بحدود 132.5 مليار برميل، وتسبقها السعودية في الاحتياطيات (260 مليار برميل)، ثم يأتي العراق في المرتبة الثالثة باحتياطي يبلغ 115 مليار برميل.

المهم هنا أن ندرك أن معدل الإنتاج الحالي في إيران ليس سوى عاملا من بين عدة عوامل، تزداد قيمته عندما يتم ربطه بالقدرة الإنتاجية المستقبلية. إذ على الرغم من أن السعودية تمتلك أكبر احتياطيات نفطية، فإنها تنتج حاليا أقصى معدلها، ويبلغ 10 مليون برميل يوميا، ومن المحتمل أن لا تستطيع أن تزيد من إنتاجها بشكل هام خلال العشرين سنة القادمة، في وقت يتوقع فيه أن يزداد الطلب العالمي بنسبة 50% نتيجة زيادة الاستهلاك عموما، وفي الولايات المتحدة والصين والهند بشكل خاص.

في هذا السياق تبرز إيران كدولة تتمتع بإمكانيات نمو إنتاجي كبير. فهي تنتج حاليا 4 مليون برميل يوميا، ويمكنها مضاعفة إنتاجها مع بعض الاستثمارات في صناعة النفط. وبناء عليه، فأهمية إيران كدولة منتجة مرشحة للتعاظم في السنين القادمة.

ثم إن النفط ليس هو الثروة الوحيدة لإيران في ميدان الطاقة. فهي أيضا تمتلك ثاني أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي (تقدر وفقا “لوكالة معلومات الطاقة الدولية” بـ970 تريليون قدم مكعب من الغاز، وتأتي بعد روسيا التي تمتلك 1.680 ترليون قدم مكعب من الغاز.) و80 ٪ من احتياطي الغاز لدي إيران غير مستغل.

قوة إقليمية

إن التركيز علي عامل الطاقة لتقدير أهمية إيران لا يكفي. فهي أيضا استطاعت خلال السنوات القليلة الماضية أن تتحول إلي قوة إقليمية. حيث أنها الرابح الأعظم من سلسلة الحروب التي شنتها الإمبريالية الأمريكية منذ مطلع التسعينات. ثم أن اقتصادها ينمو بقوة ملحوظة. فرغم سنوات الحصار، ورغم محدودية الاستثمارات الأجنبية، امتلكت إيران اقتصادا يفوق حجم الاقتصاد الإسرائيلي وضعف حجم الاقتصاد المصري أو الباكستاني. فنتيجة لارتفاع أسعار النفط (الذي تعتمد إيران عليه بشكل كبير. إذ توفر الصادرات النفطية 80% من احتياطي البلاد من العملة الصعبة، وما بين 40% و50% من الميزانية الحكومية، وما بين 10% و20 % من الناتج المحلي الإجمالي) نما الاقتصاد الإيراني بمعدل نسبته 7% خلال السنوات القليلة الماضية، وزاد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 60٪ خلال أربع سنوات.”

وخلال سنوات انشغال الولايات المتحدة في حربها المزعومة علي الإرهاب، طوّرت إيران علاقات واسعة مع بعض الاقتصاديات خاصة فرنسا وألمانيا والصين واليابان. حيث سمحت عملية الخصخصة التي تبناها الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي بالمشاريع المشتركة وبفرص أوسع للاستثمار الأجنبي.

وعلى الرغم من العقوبات الأمريكية، التي فُرضت في عهد الرئيس بيل كلينتون خلال عام 1996، والتي تحظر الاستثمار في مجال صناعات الطاقة الإيرانية بحد يتجاوز 20 مليون دولار أمريكي في العام الواحد، إلا أن الشركات الغربية ترفض منذ ذلك التاريخ هذه العقوبات. وهو ما انعكس في عقود واتفاقات واستثمارات ساعدت إيران الرأسمالية على دفع اقتصادها وتوسيعه، وإن كان بالطبع ليس لمصلحة الفقراء والكادحين.

بؤرة للمقاومة

قلق الإمبريالية الأمريكية ليس فقط من علاقات إيران الاقتصادية مع منافسي الولايات المتحدة، ولكن من الطريقة التي عولجت بها هذه العلاقات. حيث تساعد تلك العلاقات إيران على تعظيم دورها بوصفها قوة إقليمية رئيسية في الشرق الأوسط خارج هيمنة واشنطن. فقد أصبحت إيران بفضل هذه العلاقات مزاحم مهم للولايات المتحدة على النفوذ والهيمنة في المنطقة، ومركز لمقاومة الإمبريالية الأمريكية، بل لاعب رئيسي في تحدي الهيمنة الأمريكية عالميا. ويؤكد المعهد الملكي للشئون الدولية علي “أن إيران أصبحت المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في المنطقة. حيث استفادت من تخلص الولايات المتحدة من اثنين من منافسيها في المنطقة، وهما نظام صدام حسين في العراق ونظام طالبان في أفغانستان.”

وخلال السنوات الخمس الماضية وّثقت إيران علاقاتها مع نظام الرئيس هوجو شافيز في فنزويلا. فهي اليوم تستثمر في فنزويلا في عمليات إنتاج أجزاء السيارات والتنقيب عن النفط وتجهيزه. كما أصبحت أيضا قناة للاستثمار الصيني في صناعة النفط في فنزويلا.”

والأهم من ذلك أنها تقوم بالتنسيق الفعال علي صعيد المواقف السياسية مع فنزويلا وكوبا في حركتهم لتحدي الإمبريالية. مثلا أمضى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد العام الماضي عدة أيام في كاراكاس قبل السفر إلى كوبا مع شافيز لحضور مؤتمر عدم الانحياز.

هذا طبعا إلى جانب تعزيز النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا، وربما كذلك في فلسطين، في ظل غرق القوات الأمريكية في العراق وبدرجه أقل في أفغانستان. فانتصار حزب الله الملموس في الحرب الإسرائيلية علي لبنان الصيف الماضي، أعطى دفعة لكل القوى الراغبة في مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية في الشرق الأوسط. فنجاح مقاومه حزب الله لآلة الحرب الإسرائيلية أسر خيال الجماهير العربية في المنطقة، وأظهر إفلاس الأنظمة العربية ومدى تواطؤها مع الإمبريالية والصهيونية.

استراتيجية جديدة

على أن التفكير في ضرب إيران من جانب الولايات المتحدة يأتي في لحظة صعبة مرتبكة بالنسبة لها. فالولايات المتحدة تفكر في الضربة الإيرانية وهي مسكونة بأزمتها في العراق أكثر مما هي ساعية إلى توسيع نطاق نفوذها في المنطقة. وهكذا بدا أن سياسة الهجوم علي إيران هي الطريقة الوحيدة للخروج من المأزق العراقي. إنه مثال كلاسيكي على “الهروب إلى الأمام” بالنسبة للإمبريالية.

شكّل اجتماع مجلس التعاون الخليجي بحضور كل من مصر والأردن، في 15 يناير الماضي، نقطة تحول بالنسبة لاستراتيجية الإمبريالية الأمريكية في إطار جهودها الرامية لتطويق إيران والاستعداد للهجوم عليها. فنتيجة هذا الاجتماع كانت الاتفاق على تشكيل تكتل ضد إيران بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وبين ما أسمته كوندوليزا رايس “تحالف المعتدلين” أو ما يسمي بمجموعة “6+2” إشارة إلي دول مجلس التعاون الخليجي الست، مضافا إليها مصر والأردن. ويسعى هذا التكتل لتوفير خطة جديدة للتحرك بحزم ضد إيران، وإعداد المسرح للضغط اقتصادي عليها، وأخيرا يحاول هذا التكتل تعميق مشاعر العداء المذهبي بين السنة والشيعة، لعزل إيران عن محيطها الإقليمي، ومحاولة تحييد السنة في المنطقة إذا ما تم شن عمليات عسكرية ضد إيران.

تطرق الصحفي الأمريكي المخضرم سيمور هيرش في مقال مسهب في مجلة “النيويوركر” تحت عنوان “إعادة التوجه” إلي الاستراتيجية الجديدة التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط. والخطوط العريضة لما كتب هيرش في هذه المقالة الهامة هي: أن الحكومة الأمريكية أحدثت تغييرا استراتيجيا في نشاطها الدبلوماسي وعملياتها الخفية بالشرق الأوسط بهدف التقليل من قوة إيران والشيعة في المنطقة. وأن هذه الاستراتيجية تجعل الولايات المتحدة أكثر اقترابا من الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، وتقوي من احتمالات اتساع الصراع المذهبي بين السنة والشيعة في المنطقة.

وضعت تلك الاستراتيجية الجديدة السعودية وإسرائيل في عناق استراتيجي، كما كشف هيرش، لأن كلتيهما تسعيان لمواجهة التهديد الإيراني، خاصة وأن السعودية أصبحت أكثر الدول العربية المتورطة في المفاوضات العربية-الإسرائيلية. وفي هذا السياق أكد هيرش علي أن الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية توصلوا إلى اتفاق غير رسمي حول التوجه الاستراتيجي الجديد، لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، ويشمل ضمانات أمنية لإسرائيل، عبر كبح جماح حماس. وبالفعل توسطت الحكومة السعودية لإبرام صفقة في مكة لتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية بين حماس وفتح كخطوة نحو المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية.

مأزق الإمبريالية وهجومها

سعي الإمبريالية الأمريكية لإغراق المنطقة بأسرها في صراع مذهبي ـ علاوة طبيعته الإجرامية ـ يؤكد علي محدودية خيارات الإمبريالية لتعزيز هيمنتها في الشرق الأوسط. فهي من ناحية ليس لديها بديل عن “الحرب بلا نهاية” للحفاظ علي الهيمنة. ولكنها من ناحية أخري غارقة في المستنقع العراقي تحت ضربات المقاومة، كما أنها باتت تواجه مقاومة عنيفة في أفغانستان بعد أكثر من ست سنوات من الحرب.

رغم الكلفة الباهظة للحرب علي الصعيد البشري والمالي (عدد القتلى الأمريكيين منذ بدء الحرب تجاوز 3225 جندي، وتكاليف الحرب تجاوزت تريليون دولار علي أقل التقديرات)، إلا أن الإمبراطورية الأمريكية لا يمكن أن تتنازل عن الشرق الأوسط. فهي مهما كانت الصعوبات، لن تتخلى عن أهم منطقة استراتيجية تمثل عصب الاقتصاد العالمي بما تمتلكه من ثروات في مجال الطاقة، خاصة في ظل التراجع السريع في قدرة الاقتصاد الأمريكي علي المنافسة في السوق العالمية وزيادة مديونيتها الدولية.

ويؤكد سيمور هيرش في مقال آخر له في مجلة “النيويوركر” في نهاية نوفمبر الماضي تحت عنوان “العمل المقبل” “أن المحافظين الجدد ربطوا نفوذهم في البيت الأبيض، ومن ثم مصيرهم، بطريقة التعامل مع إيران (وليس العراق). الخلاف كان في البيت الأبيض ليس حول ضرورة ضرب إيران، ولكن حول طبيعة هذه الضربة. يعتقد الخبير الرئيسي في شئون الشرق الأوسط في فريق نائب الرئيس (تشيني) ديفيد فورمسر، وهو أحد زعماء المحافظين الجدد والذي دافع بكل قواه عن غزو العراق وعن الإطاحة بصدام حسين، بأن أحدا لم يقدّر حتى الآن الثمن الذي يتوجب على إيران دفعه مقابل محاولاتها في المجال النووي والاضطراب والتدخلات المتواصلة التي تقوم بها في العراق. لكن، على عكس مناصري الضربات المحدودة، فإن فور مسر وأعضاء آخرين في مكتب تشيني يريدون وضع نهاية للنظام الحالي حيث يؤكدون بأنه لا تسوية للنزاع في العراق دون تغيير النظام في إيران.”

لكن بعض مناصري التدخل العسكري من المحافظين الجدد من أعضاء معهد إنتربرايز الأمريكي يعتقدون بأن “الهدف في إيران ليس العمل على تغيير النظام، بل توجيه ضربة تجعل الآخرين يفهمون بأن أمريكا لا تزال قادرة على التوصل إلى الأهداف التي تحددها لنفسها. وحتى إذا لم يدمر مثل هذا التدخل البنية التحتية النووية الإيرانية، فالعديد من الناس يعتقدون بأن قصف إيران لمدة ست وثلاثين ساعة هو الوسيلة الوحيدة لتذكير الإيرانيين بأن السعي لبناء قنبلة ومساندة مقتدى الصدر وحركته المناصرة لإيران في العراق يكلفان غاليا.”

هذا وقد أكد جوشوا مورافشيك أحد قيادات المحافظين الجدد علي “أن خطة النصر التي أعلنها الرئيس جورج بوش علي رأسها زيادة عدد القوات في العراق وقصف إيران (أنا لا أقصد هنا اجتياحا مثلما فعلنا في العراق بل ضربات جوية ).” وقد برر مورافشيك هذه الخطوة بوصفها عملا دفاعيا ضروريا بنفس معني الحرب الاستباقية كما ورد في وثيقة الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية التي قدمها بوش للكونجرس عام 2002. وهو ما يعني أن الهجوم علي إيران لن يحتاج بالضرورة قرارا دوليا.

علي أي حال لا يمكن لإيران أن تعتمد على دعم دولي من القوى الكبرى المنافسة للولايات المتحدة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فحكومتي الصين وروسيا قامتا بالفعل بالموافقة علي قرارات فرض العقوبات علي إيران في الجولة الأولي. هذه الدول الكبرى لن تخاطر بعلاقتها مع الإمبريالية الأمريكية، وستعقد الصفقات علي حساب إيران في مجلس الأمن. ربما ستتعالى صيحات هذه الدول الكبرى ضد الحرب إذا لم تسر الأمور لصالح الإمبريالية الأمريكية، لكن ليس أكثر من هذا.

القوى العظمى الثانية

ها هي الإمبريالية الأمريكية تستعد اليوم لحرب بربرية أخرى من أجل الهيمنة على العالم. لقد أثبتت في حربها في كل من العراق وأفغانستان، أنها، من أجل تحقيق أهدافها الإجرامية والوحشية، علي استعداد أن تقتل مئات الآلاف من السكان، وتدمر مجتمعات بأكملها، وتغرقها في مستنقع البؤس والفقر والحرمان والحروب الأهلية. ورغم نتائج الحرب الكارثية علي جماهير العراق وأفغانستان، فإن الإمبريالية الأمريكية لن تتورع عن القيام بمذبحة جديدة للجماهير الإيرانية.

هناك أمل واحد في إيقاف آلة الحرب الأمريكية البربرية: انتعاش الحركة المناهضة للحرب مرة أخرى في كل مكان. فالنضال ضد الحرب الإمبريالية علي إيران، واستمرار الحملة ضد احتلال العراق وأفغانستان، هو وحده الذي يستطيع وقف آلة الحرب الجهنمية وتحطيم الدائرة الشريرة للغزو والإفقار والمذابح.

وفي ظل التهديدات بالحرب علي إيران، وفي الذكرى الرابعة لغزو العراق، والذكرى الأربعون للتظاهرات الاحتجاجية ضد حرب فيتنام، هناك أمل في أن تكرر الجماهير حول العالم تجربة مظاهرات 15 فبراير 2003 قبل غزو العراق. حيث وصلت حركة ضد الحرب في هذا اليوم إلي ذروتها واشتعلت المظاهرات في هذا اليوم في أكثر من 50 مدينة في قارات العالم الست في حركة احتجاجية ذات قوة وشمول وسعة لا سابق لها في تاريخ الاحتجاجات قبل نشوب الحروب في أوروبا وأمريكا الأمر الذي دفع صحيفة النيويورك تايمز في تغطيتها لهذه الحركة المناهضة للحرب إلى القول: نحيي ظهور “القوة العظمى الثانية”.