بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

كلاكيت ثاني مرة

ضواحي فرنسا تشتعل بالغضب

بعد مرور عامين تقريباً على أحداث انتفاضة الضواحي في فرنسا في أكتوبر 2005، يعود شباب الضواحي الفقيرة والمهاجرين إلى مقدمة الأحداث. فقد اشتبك عشرات من الشباب الغاضب، معظمهم من العرب والسود والأقليات العرقية وسكان الضواحي الفقيرة، مع أكثر من 160 فرد من الشرطة الفرنسية في ضاحيتي فيليه لو بيل وأرتوفيل شمال باريس، وذلك أثر مقتل شابين من الضواحي في حادث تصادم مع سيارة شرطة كانت تطارد الشابين.

المواجهات أسفرت عن إصابة أكثر من 64 فرد من أفراد الشرطة، حيث قام الشباب الغاضب بحرق العديد من السيارات وصناديق القمامة وهاجموا مركزي الشرطة في كلتا الضاحيتين.

وبالرغم من إطلاق شرطة مكافحة الشغب الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع على الجموع الغاضبة، إلا إن الشباب استطاعوا المقاومة لمدة يومين بأسلحة بدائية كالزجاجات المملوءة بالبنزين، وعصي البيسبول وغيرها.

ولكن التعزيزات البوليسية المكثفة والإجراءات القمعية القاسية من جانب أفراد شرطة مكافحة الشغب نجحت في إنهاء حالة التمرد في الضاحيتين بعد يومين من الصدام العنيف، وإن كان هذا الاستقرار الهش في الشوارع لا ينبيء إلا بحالة من الهدنة المؤقتة يمكن أن نلمح آثارها في السيارات التي ما تزال محترقة في الشوارع وصناديق القمامة المبعثرة وزجاج المحلات المهشم وأفراد الشرطة المدججين بالسلاح الذين يملأون الطرقات والأزقة.

سكان الضواحي.. بين الفقر والعنصرية:

كان الكثيرون قد تخوفوا من تصاعد الأحداث لتصل إلى ما يشبه انتفاضة أكتوبر 2005، والتي بدأت عندما لقي شابان مصرعهما أثناء مطاردة البوليس الفرنسي لهما، وهو ما فجر تراكمات المرارة والغضب في أوساط شباب الضواحي المهمشين والفقراء وخلق أعنف موجة احتجاج منذ أحداث مايو 1968.

أعادت هذه الأحداث الأخيرة إلى الأذهان مشكلة الضواحي المزمنة والتي تشكل حزام من الفقر والبؤس حول معظم المدن الفرنسية ويقطنها الفقراء والعاطلون ومعظمهم من العرب والأفارقة والأقليات الأخرى، المحرومون من معظم الخدمات الأساسية، هذا غير معاناتهم من التفرقة العنصرية وعدم القدرة على الاندماج في المجتمع الفرنسي بسبب ذلك.

تتضح هذه التفرقة في المعاملة القاسية التي يلقونها على يد الشرطة الفرنسية والتي خلقت مرارات وأحقاد بينهم وبين الدولة التي تخلت عنهم وأطلقت يد جهازالشرطة لقمعهم.

من هنا كان لسكان الضواحي الحق في الشك في أن مصرع الشابين على يد الشرطة الفرنسية هو أكثر من مجرد حادث تصادم أثناء مطاردة الشرطة لهم.

وبالرغم من تصريح مسؤول في اتحاد الشرطة بباريس أن الشابين كانا يركبان دراجة نارية مسروقة، وأنهما امتنعا عن إفساح الجانب الأيمن من الطريق لسيارة الشرطة وأنهما لقيا مصرعهما نتيجة عدم ارتدائهما خوذات أثناء القيادة، ولكن بالطبع فهذه التصريحات لم تقنع شباب الضواحي المكتوي بنيران الفقر والعنصرية.

إلا أن التصريحات الأقوى أتت من رئيس الجمهورية الفرنسي نيكولاس ساركوزي الذي قال إن رد الفعل المناسب على أحداث الشغب هذه ليس إنفاق المزيد من الأموال على حساب دافعي الضرائب لصالح الضواحي المهمشة، ولكن رد الفعل المناسب هو القبض على المشاغبين. كما صرح رداً على الانتقادات بتدني مستوى الخدمات الاجتماعية في الضواحي بأن هذه الأحداث نتيجة للبلطجة، وليست بسبب الحرمان الاجتماعي. وقال ساركوزي في حديث آخر “أنا أرفض أن أرى أي صحة في أي وجهة نظر ساذجة تدعي أن أي شخص يخرق القانون هو ضحية للمجتمع، أو أن هناك مشكلة اجتماعية في أي أحداث شغب. إن ما حدث في هاتين الضاحيتين ليس له أي علاقة بأي أزمة اجتماعية، ولكن له علاقة بالبلطجة والإجرام”. وأنهى ساركوزي حديثه بتهديده بالعقوبة القاسية لكل من يتعرض لرجال البوليس.

لا تبدو هذه التصريحات غريبة عن ساركوزي، حيث مازال تصريحه المثير للجدل في أكتوبر 2005، عندما كان وزيراً للداحلية، يثير غضب شباب المهاجرين وسكان الضواحي حيث وصفهم عندئذ بالرعاع والحثالة.

فرنسا في ظل ساركوزي

من غير الممكن فصل تصريحات ساركوزي الأخيرة عن الضغوط التي يمارسها البنك الأوروبي المركزي عليه لتخفيض الإنفاق العام. كما لا يمكننا تجاهل المفارقة المضحكة المبكية في حقيقة أن ما يقارب من 15 مليار يورو قد تم تخفيضها من الضرائب الواقعة على الأغنياء ورجال الأعمال في العام الأخير فقط.

ولكن في الجانب المقابل يبدو ساركوزي مواجهاً بالعديد من الصعاب، فبخلاف أن آخر الإحصائيات المنشورة تشير إلى أن ربع القوة العاملة من الشباب في حالة بطالة، وأن مئات الآلاف من الموظفين والعمال أضربوا عن العمل في الأسابيع الأخيرة احتجاجاً على اقتراحات ساركوزي بتعديل نظام التقاعد كركن أساسي من إجراءات الإصلاح الاقتصادي في فرنسا.

فبحسب تصريحات مسؤول نقابة “سي جي تي” (الكونفيدرالية العامة للعمال) فقد أضرب 65% من عمال السكك الحديدية مما تسبب في خسائر قدرت بـ290 مليون يورو حتى نهاية نوفمبرالماضي.

من ناحية أخرى تحرك الطلاب للتضامن مع عمال السكك الحديدية وضد قانون جديد لخصخصة التعليم العالي وبدءوا في الاعتصام بداخل الجامعة والحشد من أجل التظاهر.

تبدو الخريطة الاجتماعية والسياسية الفرنسية الآن في غاية الاشتعال والتعقيد، فبعد 6 أشهر من انتخابه يبدو ساركوزي أبعد ما يكون عن تحقيق شعاره “إعمل أكثر .. لتجني أكثر”. إلا أنه يبدو مصمماً على المضي قدماً في تنفيذ سياسات الليبرالية الجديدة وتعويض هزائم الماضي خاصة بعد أن نجح في توحيد صفوف اليمين تحت قيادته. وبالرغم من رغبة البعض في تشبيه هجوم ساركوزي وإجراءاته الأخيرة بهجوم تاتشر في بريطانيا على عمال المناجم في الثمانينات، إلا أن الوضع يبدو أكثر صعوبة أمامه وأكثر تعقيداً بكثير. فاليسار الفرنسي بالرغم من تبعثره إلا أنه نجح في الفوز مؤخراً بالكثير من المعارك من أهمها معركة رفض الدستور الأوروبي الموحد ومعركة القانون الموحد للعمل. ولكن المشكلة أنه على العكس من اليمين المتوحد اليوم تحت قيادة ساركوزي، يبدو اليسار بلا راية موحدة بعد سيطرة اليمين المستسلم لسياسات السوق على الحزب الاشتراكي الفرنسي، وتذيل الحزب الشيوعي له، وخضوع الآلاف من العمال المضربين لوسطية الزعماء النقابيين الراغبين في التفاوض لا المقاومة.

يبدو الأمل الوحيد الآن في محاولة عصبة الشيوعيين الثوريين “فرع الأممية الرابعة في فرنسا” بناء حزب جديد يجمع اليسار الجذري من أفراد ومستقلين وتجمعات سياسية وكل من يطمح في تغيير المجتمع بشكل جذري. حزب يطرح نفسه كبديل للحزب الاشتراكي وحلفاءه من الخضر إلى الشيوعيين الذين يتبنون وجهة نظر الليبرالية الجديدة وحلولها العقيمة. حزب ينتزع العمال من قبضة الزعماء النقابيين الانتهازيين وحلولهم الوسطية. حزب يمد قواعده في أواسط الضواحي المهمشة التي تموج بالتمرد والمقاومة والتحدي والأمل في مستقبل أفضل. حزب يطرح شعاره بقوة وبدون تردد في وجه الجميع بأن حياتنا أهم بكثير من أرباحهم.