فك ارتباط وليس نواة دولة
يزعم المروجون للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة أنه سيكون بداية لإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس. تحلل د. إيمان حمدي دوافع خطة فك الارتباط مؤكدة أنها لن تكون خطوة على طريق تحقيق الحلم الفلسطيني.
في منتصف أغسطس بدأت إسرائيل في تنفيذ ما تسميه خطة “فك الارتباط” في غزة أو كما يسميه العرب “الانسحاب” من غزة، والذي يتم بمقتضاها إخلاء جميع المستعمرات الإسرائيلية في القطاع (21 مستعمرة)، ونقل حوالي 8000 مستوطن داخل حدود إسرائيل، وسحب الجيش الإسرائيلي من القطاع، فيما عدا الحدود بين غزة ومصر، على الأقل في المراحل الأولى. وتتم هذه الخطة على أربع مراحل، يليها إخلاء أربع مستعمرات في شمال الضفة الغربية. وعند انتهاء هذا الإجراء تعتبر إسرائيل أن حالة احتلالها للقطاع قد انتهت وأنها غير مسئولة عن فلسطيني القطاع. وفي نفس الوقت، نصت الخطة على أن إسرائيل سوف تضم إليها أجزاء من الضفة تشمل مدن وقرى ومنشآت عسكرية ومناطق أخرى ذات أهمية لها.
ولقد قوبل هذا الانسحاب بترحيب شديد بين قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، الذي طالما تاق وكافح من أجل تحقيق حريته. وقام سكان القطاع من كافة التيارات السياسية بالاحتفال بجلاء المستوطنين وقوات الجيش الإسرائيلي، خاصة وأن هذه هي المرة الأولى منذ عام 1948 التي تقوم فيها إسرائيل بإخلاء مستعمرات لها في الأراضي الفلسطينية، وأنها جاءت في ظل الانتفاضة وتحت ضغط المقاومة الفلسطينية.
لكن يظل السؤال الذي يطرحه الكثيرون قائمًا: وماذا بعد؟ هل ستكون غزة أول الطريق إلى تحقيق الحلم الفلسطيني في دولة مستقلة تشمل القطاع والضفة الغربية بما فيها القدس، أم أنها ستكون آخر المطاف؟ من أجل معرفة الإجابة على هذا التساؤل يجب أن نعرف أولاً لماذا قرر شارون الإقدام على هذه الخطوة ولماذا اختار غزة للجلاء عنها.
لقد أثار إعلان شارون عن خطة فك الارتباط الكثير من الدهشة داخل وخارج إسرائيل بلغت في بعض الأحيان عدم التصديق. فهو الجنرال اليميني المخضرم، الذي لم يتعامل مع العرب سوى بلغة المذابح بدءًا من قيبة عام 1953 إلى جنين عام 2003، إلى جانب أنه أبو الاستيطان الإسرائيلي، وهو الذي قام ببناء عشرات المستعمرات في كافة الأراضي المحتلة وكان من أشد المعارضين لتفكيكها. فهل تحول فجأة إلى معسكر السلام؟
الحقيقة أن شارون مازال على موقفه برفض قيام دولة فلسطينية، حتى وإن صرح بغير ذلك، وأن إقدامه على هذه الخطوة تم بناء على حسابات براجماتية من أجل التملص من قيام هذه الدولة، ومواجهة الضغوط المتزايدة على إسرائيل نتيجة للانتفاضة، للتوصل إلى تسوية سلمية مع الفلسطينيين، خاصة في ظل فشله في القضاء على هذه الانتفاضة عسكريًا. فعندما جاء شارون إلى الحكم عام 2001 كان قد وعد الإسرائيليين بتحقيق “السلام عن طريق الأمن”. وعلى الرغم من وحشية الاجتياح الذي قام به داخل الأراضي الفلسطينية عام 2002 والمجازر التي ارتكبها ضد الشعب الفلسطيني، إلا أن هذه السياسة فشلت في وقف الانتفاضة بل ودفعت إسرائيل ثمنها اقتصاديًا وسياسيًا. ففي ذلك العام والعام الذي تلاه، سجل الاقتصاد الإسرائيلي أدنى معدل نمو له منذ عام 1953 بينما ارتفعت نسبة البطالة إلى 12% معدل السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 12% ومعدل السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 20%. وفي نفس الوقت، انعكست سياسته ضد الفلسطينيين على زيادة حدة الانتقادات الدولية ضد إسرائيل وشعورها بالعزلة حتى في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. والأخطر من ذلك أنها انعكست سلبًا على المجتمع الإسرائيلي ذاته، وبخاصة المؤسسة العسكرية التي باتت تشهد تزايد ظاهرة رفض الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة.
في تلك الأثناء، أعلن بوش في إبريل 2003 عن مبادرته المسماة “خارطة الطريق”، والتي تنادي بقيام دولة فلسطينية جنبًا إلى جنب مع إسرائيل، والتي اضطر شارون للموافقة عليها حتى لا يخسر حليفه الرئيسي. وفي أكتوبر من ذلك العام، قام معسكر من اليسار الإسرائيلي وشخصيات فلسطينية بالإعلان عن “وثيقة جنيف”، التي وضعت إطارًا لتسوية إسرائيلية/ فلسطينية، يقوم على انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967 تقريبًا مع بعض التعديلات عليها، وحازت على قبول حوالي 30 – 50% من الشعب الإسرائيلي. وقد رفض شارون هذه الوثيقة رفضًا قاطعًا فور الإعلان عنها، وفيما يرى أنه رد عليها قام بالإعلان عن “خطة فك الارتباط، قبل نهاية العام في محاولة منه أولاً لإيجاد مخرج سياسي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يخرج إسرائيل من أزمتها بعد فشل البديل العسكري، وثانيًا لتهدئة الرأي العام الداخلي الذي بدأ يشعر بأن رئيس وزرائه لا يملك أي تصور سياسي لحل المشكلة وهو ما أدى إلى انهيار شعبيته ووصولها إلى أدنى مستوى لها.
وقد اختار شارون الانسحاب من غزة لأنها كانت دومًا ومنذ احتلالها عبء على إسرائيل أكثر منها مكسبًا وذلك لعدة عوامل مهمة:
– أولاً، هي منطقة فقيرة نسبيًا في الموارد، ولا تمثل أهمية إستراتيجية لإسرائيل. من أجل ذلك، كان حزب العمل دومًا – ومعه معظم الإسرائيليين – على استعداد للتخلص منها حتى أن إسحاق رابين كان يود لو “أنها تغرق في البحر”. هذا الموقف أيضًا ينطبق على معظم اليمين الديني حيث أنها – على عكس الضفة الغربية – لا تمثل أهمية دينية أو تاريخية تذكر، وبالتالي هي ليست جزءًا من “أرض إسرائيل”. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه، على عكس الضفة الغربية، فإن معظم المستوطنين الذين ذهبوا للعيش في القطا فعلوا ذلك لأسباب اقتصادية بحتة وليست أيديولوجية أو دينية.
– ثانيًا، يعاني قطاع غزة من كونه يضم أعلى نسبة كثافة سكانية في العالم، حيث يسكنه حوالي مليون ونصف المليون فلسطيني، معظمهم من لاجئي 1948. وفي نفس الوقت، منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، عاد الهاجس الديموجرافي يحتل أولوية قصوى بالنسبة لإسرائيل، حيث بدأت بعض القيادات الإسرائيلية من أمثال نتنياهو تقول أن الخطر الديموجرافي هو الخطر الأول الذي يهدد إسرائيل، وتحذر من أن اليهود على وشك ألا يصبحوا أغلبية في داخل ما يسمونها “إسرائيل الكبرى”. وفي هذا الإطار، يصبح التخلص من سكان غزة أمرًا حيويًا بالنسبة لإسرائيل حتى لا يتحول اليهود إلى أقلية داخل الأراضي التي يسيطرون عليها.
إلى جانب ذلك، تعد غزة أيضًا من أفقر المناطق، خاصة في ظل معاناة الفلسطينيين خلال الانتفاضة الثانية، حيث بلغت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر حوالي 50%، كما ارتفعت نسبة البطالة بين من هم في سن العمل إلى حوالي 60%. وقد ساهم هذا الوضع في جعل القطاع تربة خصبة لتفريخ عناصر المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. وبالتالي أصبح أيضًا من صالح إسرائيل التخلص منها أولاً، حتى لا تتحمل مسئولية توفير سبل الحياة لسكان القطاع بصفتها سلطة الاحتلال، وثانيًا لأنه في ظل عمليات المقاومة المستمرة أصبح توفير الأمن لـ8000 مستوطن عبء عسكريًا لا تريد الدولة أن تتحمله.
أما تفسير اعتراض قوى أقصى اليمين – بما فيهم قطاعات من المستوطنين واليمين الديني – على الانسحاب، فهو لا يرجع إلى تمسكهم بغزة بقدر ما يرجع إلى رفض المبدأ، إما لدوافع دينية (عدم جواز التنازل عن أراضي تحت سيطرة اليهود للأغيار) أو سياسة (الخوف من أن يستخدم الانسحاب من غزة كسابقة تطيق على الضفة الغربية).
وأخيرًا وليس آخرًا، لا يجب أن ننسى أن ما يحدث في غزة يعد فصلاً وليس انسحابًا. فالانسحاب يعني التخلي عن السيادة على القطاع للطرف الآخر، وهو ما لم يحدث. فإسرائيل سوف يكون لها السيطرة المطلقة على المجال الجوي والبحري لغزة، إلى جانب سيطرتها على الحدود الخارجية للقطاع. بل أن الخطة نصت على أنها تعطي لنفسها الحق في القيام بعمل عسكري في القطاع في حالة حدوث أي تهديد لأمنه. وبعد احتفاظ وزارة الداخلية الإسرائيلية بتسجيل السكان الفلسطينيين في غزة وإصدار بطاقات هوية لهم – الذي يتم في شهر أكتوبر من كل عام بالنسبة لكافة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت سيطرة إسرائيل – وعدم قدرة السلطات الفلسطينية على إصدار هذه البطاقات دون الرجوع إلى إسرائيل، دليلاً على استمرار إسرائيل في السيطرة على حياة الفلسطينيين داخل القطاع بعد فك الارتباط.
لقد أراد شارون من خلال خطة فك الارتباط، التخلي عن غزة، من أجل التحايل على تنفيذ خارطة الطريق، وضمان احتفاظ إسرائيل بالجزء الأكبر من الضفة الغربية، بما فيها القدس، وأيضًا من أجل الإبقاء على أغلبية يهودية داخل حدود إسرائيل المستقبلية – وهما أمران يعتبران مسألة حياة أو موت بالنسبة لإسرائيل – إلى جانب تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية في المستقبل. ويتضح ذلك بجلاء في تصريح مدير مكتب شارون في العام الماضي بأن هذه الخطة سوف تضع خريطة الطريق “في الفورمالين”، وإعلان شارو نفي الأسابيع الأخيرة عن اعتزامه إتمام بناء الجدار العازل حول القدس والتوسع في استيطان الضفة الغربية بعد إتمامه خطة الفصل، وأخيرًا إصراره على أن يكون الفصل أحادي الجانب بدون الدخول في مفاوضات مع الفلسطينيين، حتى لا تفسر هذه الخطوة على أنها جزء من خريطة الطريق، وأخيرًا اعتراف بوش بإمكانية ضم إسرائيل للمستعمرات الكبيرة داخل حدودها المستقبلية.
على صعيد آخر، وكما أشارت بعض الشخصيات اليسارية الإسرائيلية مثل إيلان بابيه من أن حكومة شارون قد تستغل هذه الخطوة لارتكاب المزيد من المجازر، في حالة تعرضها لأي عملية من الجانب الفلسطيني بحجة الدفاع عن نفسها، وهو ما أعلنه صراحة أحد مساعديه، عندما حذر الفلسطينيين من أنهم إذا ما استمروا في هجومهم على إسرائيل فإن هذا سوف يدفعها إلى استخدام أسلحة ستلحق خسائر جسيمة بالمدنيين. من هنا كان قيام إسرائيل بشن غارات جوية وضرب أهداف مدنية بالقطاع، في أواخر سبتمبر ردًا على إطلاق حماس صواريخ القسام عليها ثم رفضها لإعلان الهدنة من قبل حماس بمثابة إنذار لما يمكن أن يحدث في المستقبل.
هذا هو التصور الإسرائيلي الذي تم في إطاره التخلي عن غزة، وهو كما نرى أبعد ما يكون عن التمهيد لقيام دولة فلسطينية. فهل لأي طرف عربي بعد ذلك أن يكافئ إسرائيل على “مضيها في طريق السلام” أو أن يطالب المقاومة الفلسطينية بنزع سلاحها؟





