بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فلسطين والثورات العربية

تحت تأثير موجة الثورات الشعبية عبر الشرق الأوسط، تغيرت الكثير من التوازنات السياسية التي كانت سائدة في المنطقة، وفلسطين لم تكن بعيدة عن هذه الأحداث التي ملأت العالم صخباً طوال العام الماضي، بل كانت في القلب من هذه التغيرات.

من المعروف للجميع أن الساحة السياسية الفلسطينية تقبع تحت سيطرة فصيلين متنافسين، فتح وحماس، وقد وقّعا في الصيف الماضي اتفاقية مصالحة أسفرت عن اتفاق يقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية الشهر الجاري، فيما من المتوقع أن يتم عقد الانتخابات في مايو القادم.

إلا أنه لا يمكن تناول هذه المصالحة إلا كنتاج للثورات العربية، وبالأخص في مصر وسوريا، حيث أثارت الملايين الثائرة في المنطقة العربية تخوفات بالغة لدى القادة الفلسطينيين من تقلص أو فقدان شعبيتهم. وذلك في ظل تصاعد الغضب الشعبي الفلسطيني تجاه أولئك القادة. فمن ناحية، يرى الفلسطينيون أن كلاً من فتح وحماس يهتمون بالاقتتال والصراع فيما بينهم أكثر من مقاومة العدو الصهيوني. ومن ناحية أخرى، فإن الضعف والطاعة اللتين يتميز بهما قادة فتح أمام الاحتلال الإسرائيلي يضاعف من غضب الفلسطينيين في الوقت الذي يحيى فيه أولئك القادة حياة مترفة في مساكنهم الفارهة في رام الله بينما يعيش الشعب الفلسطيني في فقر مدقع ومعاناة يومية.

ومن زاوية أخرى، فقد كان سقوط الديكتاتور المخلوع في مصر وصعود الإخوان المسلمين في مصر (كما في تونس)، عاملاً هاماً في دفع قادة فتح وحماس نحو المصالحة. فمبارك كان سنداً هاماً لقيادة فتح الملتفة حول محمود عباس، وقد أمدهم بالأموال والأسلحة التي مكنتهم من الانقلاب على حكومة حماس المنتخبة ديمقراطياً في غزة. وبالرغم من تصدي حماس لذلك الانقلاب في 2007، إلا أنه دائماً ما يتم تصوير ذلك على أن حماس قامت بـ”الاستيلاء على السلطة”.

وبعد أن فقدت فتح ذلك الحليف الهام -مبارك- اضطرت بالطبع إلى إعادة ترتيب أوراقها السياسية، والمصالحة مع حماس هي بالتأكيد إحدى نتائج هذه العملية. وفي هذا السياق أيضاً، ذهبت فتح إلى أبعد من مجرد التفاوض مع الولايات المتحدة وتقدمت بطلب الاعتراف بدولة فلسطين من جانب الأمم المتحدة.

أما بالنسبة لحماس، فقد كانت الثورة المصرية تعني الإطاحة بنظام مكروه يدعم منافسها في فلسطين. بل لقد مهدت الثورة المصرية الطريق أمام المنظمة الأم لحركة حماس -الإخوان المسلمين- لتضطلع بدور أكبر في مصر، بالأخص بعد الصعود الانتخابي وحوز أغلبية المقاعد بمجلس الشعب. والود المتبادل بين جنرالات المجلس العسكري والولايات المتحدة مع الإخوان المسلمين في مصر قد أعطى الكثير من الثقة لقادة حماس لتوقيع المصالحة مع فتح. لكن ذلك يكشف أيضاً عن تناقضات عميقة في استراتيجية حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين على حد سواء.

فالإخوان الملسمون يقعون اليوم في التناقض بين الدعم الجماهيري في مصر للشعب الفلسطيني من ناحية، والدور الذي يتوقعه العسكر والولايات المتحدة من الجماعة في التهدئة واستيعاب غضب الجماهير من ناحية أخرى. والجدير بالانتباه أن مساومة الإخوان المسلمين في مصر على قضايا محورية، مثل احترام معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، سيكون له تأثير سلبي على مصداقية حركة حماس في فلسطين وعلى استراتيجيتها السياسية أيضاً.

الثورة السورية أيضاً قد دفعت قادة حماس للإسراع في المصالحة مع فتح. فعلى عكس حزب الله في لبنان، رفضت قيادة حماس تأييد بشار الأسد في قمعه الدموي للثورة، وقد قام الأسد بتوبيخهم بشدة على رفضهم الاصطفاف بجانبه ضد ما يسميه “المؤامرات الخارجية”، وهذا ما اضطر أغلب كوادر حماس في دمشق لمغادرة سوريا.

جدير بالذكر أن القيادي بحركة حماس، خالد مشعل، يجري الآن مباحثات مع الملك عبد الله في الأردن، الأمر الذي يكشف عن تناقض سياسي خطير حين تلجأ قيادات حماس لجلب الدعم من نظام موالي للغرب والولايات المتحدة. وذلك في حين أن النظام العسكري في مصر لن يقبل أي تمركز لكوادر حماس في القاهرة مثلاً، فقد يُعرض ذلك علاقته بالكيان الصهيوني للخطر. أما غزة، فلا يمكن الاعتماد عليها إلى الأبد كنقطة ارتكاز وحيدة لحركة حماس في ظل الهجمات الإسرائيلية المتكررة.

لكن ما يشغل بال الفلسطينيين هو ما إذا كانت المصالحة بين فتح وحماس ستسفر عن تصدي حقيقي للاحتلال الإسرائيلي وهجماته الوحشية أم لا. لكن ليس لدى حماس أو فتح أي استراتيجية ترمي إلى تحرير فلسطين. فقيادات فتح تتميز بخسة وجبن لا غبار عليهما وتخشى أي تحركات جماهيرية من أسفل، وقد كان ذلك واضحاً أثناء مظاهرات التضامن مع الثورة المصرية في رام الله والتي سرعان ما تعاملت معها السلطة الفلسطينية بقمع عنيف.

والآن على قيادات حماس أن يقدموا التنازلات لنظرائهم في فتح، كما عليهم أن يواجهوا ضغوطاً إضافية في حال إذا قدم الإخوان المسلمون في مصر تنازلات أمام إسرائيل. ولقد أدت المصالحة بالفعل إلى المزيد من التناقض لدى حركة حماس، وقد بات ذلك واضحاً في تصريحات إسماعيل هنية بأن على الفلسطينيين أن يحتفظوا بخيار المقاومة المسلحة بجانب المقاومة المدنية السلمية.

لسنوات طويلة كان الاشتراكيون يجادلون بأن تحرير فلسطين يستلزم ثورات جماهيرية عبر المنطقة العربية تسقط الأنظمة الحاكمة المتحالفة مع إسرائيل والداعمة لها، وأن “الطريق لتحرير القدس يمر عبر القاهرة”. والثورات التي اندلعت خلال العام الماضي، والتي مازالت مستمرة إلى اليوم، قد حوّلت هذه الفكرة من كونها شعاراً مجرداً إلى إمكانية عملية، حتى وإن بدت بعيدة المنال. ويظل الأمل الأكبر في تحرير كامل التراب الفلسطيني متعلق بإمكانية تطور الحركات الثورية في المنطقة العربية من أسفل في الميادين والجامعات ومواقع العمل.

* تم نشر المقال لأول مرة في 21 فبراير 2012 بجريدة العامل الاشتراكي – العدد 2291، يصدرها حزب العمال الاشتراكي البريطاني

اقرأ أيضاً:

بصمة الثورة المصرية على فلسطين

فلسطين.. تحررها الثورة وليس الأمم المتحدة

بعد تحرير الأسرى: الكفاح مستمر لتحرير كامل التراب الفلسطيني