بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فنزويلا: معركة لم تُحسم بعد

مؤخرا أطلق هوجو شافيز، الرئيس الفنزويلي، شرارة عملية إنشاء حزب جديد أسماه “الحزب الاشتراكي الموحد” عاقدا مقارنة بينه وبين الحزب البلشفي تحت قيادة لينين. تقوم خطة بناء الحزب الجديد على حل كل الأحزاب “الشافيزية” الثلاثة ودمجها في حزب واحد تقوم مجموعات من الكوادر، أولئك الذين تولوا الدعاية لشافيز أثناء معركته الانتخابية أواخر العام الماضي، بتعبئة الجماهير لعضويته من خلال تسجيل الناس بواسطة “فرق اشتراكية”.

هذا الحزب الجديد، وما سبقه من إجراءات في مجال السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وما لحقه من تصريحات شافيزية مادحة في أفكار تروتسكي ولينين، يضعون فنزويلا و”الثورة البوليفارية” في قلب المشهد السياسي العالمي. وهو ما يقتضي منا إلقاء نظرة على طبيعة المعركة الدائرة في هذا البلد الأمريكي اللاتيني الذي يتحدى الإمبريالية ويدّعي أنه يبني نموذجا اجتماعيا واقتصاديا مناقضا للنموذج الرأسمالي الليبرالي الجديد.

أهمية نموذج فنزويلا
تحتل فنزويلا، منذ الانقلاب الفاشل ضد شافيز عام 2002، موقع الصدارة عند الحديث عن إمكانيات الثورة الجماهيرية وعن الدلالة المعاصرة للمبادئ الاشتراكية. إذ يتطلع اليسار في العالم إليها وإلى أمريكا اللاتينية باعتبارها بؤرة لانطلاق الاشتراكية، أو بلغة أخرى، باعتبارها النموذج الكاشف لزيف وفشل ادعاءات اليمين ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وعلى رأسه منظر الرأسمالية الشهير فرانسيس فوكوياما، الذي زعم أن النظام الرأسمالي قد انتصر وأن حدودا جديدة، وكان قصده الديمقراطية بمعناها البرجوازي، قد فرضت نفسها على كافة التطلعات الثورية.

فالحشود التي خرجت إلى شوارع العاصمة كاراكاس قبل أيام من الاقتراع على منصب الرئيس الفنزويلي في ديسمبر 2006، والتي قدرتها وسائل الإعلام بـ2.5 مليون شخص، أي نصف عدد سكان المدينة، لدعم شافيز ضد الأفعال الاستفزازية لليمين المعادي له والداعم للإمبريالية والرأسمالية، أكبر دليل على زيف مزاعم منظري الرأسمالية تلك.

وفي الواقع، تنبع أهمية فنزويلا من كون حركات مقاومة سياسات الليبرالية الجديدة فيها تجاوزت حدود الاحتجاج السلبي إلى البدء في البحث عن سياسات اقتصادية بديلة. فبالرغم من أن ما حدث لم يصل حتى الآن إلى حد القطيعة مع النظام الرأسمالي، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، إلا أن التطورات الحاصلة في فنزويلا تعتبر بالغة الأهمية على المستوى الأيديولوجي. فكما قلنا، الحركة الجماهيرية الفنزويلية تجاوزت حدود مقاومة سياسات الليبرالية الجديدة إلى محاولة خلق بدائل. وشافيز، عبر تبنيه لـ”اشتراكية القرن الحادي والعشرين”، وعبر الاستشهاد بمفكرين تتفاوت مبادئهم الجذرية، بدءا من تشومسكي وانتهاء بتروتسكي، ساهم في إضفاء شرعية على النقد البنيوي للنظام الرأسمالي، بدلا من الاكتفاء بنقد ومعارضة بعض تبعاته “المضرة” للغالبية العظمى من سكان العالم.

هذا بالإضافة إلى واقع انجذاب أعداد ضخمة ومتزايدة من الفنزويليين إلى كيانات مستقلة، يمكن اعتبارها بؤرا للسلطة الشعبية، مثل مجالس الأحياء والأقاليم التي وصل عددها إلى 19 ألف، أو كيانات المهام الاجتماعية التي تشكلت بغرض تحسين الشروط المعيشية لفقراء فنزويلا وتعتمد في نشاطها على المتطوعين.

تشكيل مثل هذه الكيانات في مواقع مختلفة، ومن أجل أهداف مشتركة، يعني حدوث تحوّل في علاقة الجماهير بالسياسة. فبدلا من الاستسلام لشروط الديمقراطية البرجوازية البرلمانية – التي تتضمن انتخاب المواطنين لممثليهم مرة كل عدد من السنين – يرسّخ عدد متزايد من الجماهير مفهوم الممارسة المباشرة للسياسة كأداة للتغيير الحقيقي.

حدود الثورة البوليفارية
بالرغم مما سبق، إلا أنه من المهم التأكيد على أن الثورة البوليفارية لم تنتصر بعد، وعلى أن ما يحدث داخل فنزويلا هو في الواقع محدود الفعالية. فصحيح أن مجالس الأحياء والمناطق التي تم تكوينها اجتذبت، كأطر لممارسة الديمقراطية المباشرة، قطاعات واسعة من الجماهير إلى العملية السياسية الجارية في فنزويلا، إلا أنها مع ذلك محدودة الأفق بنيويا.

فالمجلس المحلي الذي يتم انتخابه من بين سكان الحي أو المنطقة، لا يمثل بالضرورة قوة اجتماعية محددة. فأحيانا قد يكون سكان أحد الأحياء منتمين إلى طبقة اجتماعية واحدة، مثلا عندما يعيش عمال مصنع ما في نفس الحي. لكن الوضع في معظم الأحيان يكون مختلفا. حيث يتجاور في السكنى في نفس الحي أناس من طبقات اجتماعية مختلفة، وأحيانا متعارضة، ولكنهم يعيشون في نفس الحيز المكاني. فبداخل نفس المجتمع “الجغرافي” قد يتعايش المالك والمستأجر والعامل والموظف والمهني وغيرهم كثير. وهذا ينطبق على الأحياء الفقيرة التي قد تضم، جنبا إلى جنب مع الطبقة العاملة، أبناء البرجوازية الصغيرة ومن يطلق عليهم المهمشين.

وهناك، على جانب آخر، مشكلة إضافية، وهي أن المجالس (والحركات) ذات الأساس الجغرافي يصعب عليها، حتى بعدما تتجاوز مشاكل تبايناتها الداخلية، أن تخلق روابط عضوية مع مجتمعها وسكانه. فانعدام الأساس الطبقي الموحد، يضعف الصلة العميقة المباشرة، والخبرة اليومية، بين الجمهور وممثليه المباشرين، وهو ما يؤدي إلى سهولة التلاعب واستخدام الأشكال الديمقراطية لتحقيق مضامين سلطوية.

وهكذا نكتشف أن الشافيزية، بالرغم من إدراكها لأهمية التحرك من أسفل إلى أعلى كطريق وحيد لإحداث تغييرات اجتماعية وسياسية ثورية، إلا أنها لازالت أسيرة لنوع من المؤسسات الشعبية – أي المجالس المحلية والمناطقية – محدود التأثير وغير كفؤ لتنظيم وتوحيد الكادحين على أساس طبقي متماسك.

لكن بغض النظر عن ذلك، تظل المجالس المحلية في فنزويلا خطوة إلى الأمام في مجال تمكين فقراء المدن، وهم يشكلون نصف سكان فنزويلا. هذا أمر لا يمكن الطعن فيه. لكنه ليس خاليا من التناقضات، ولا يمثل أساسا قويا للديمقراطية المباشرة الحقيقية.

فقد وصف شافيز الكيانات المسماة بـ”المهام الاجتماعية” في يونيو 2006 بقوله، “أصبحت كيانات المهام الاجتماعية أدوات لبناء الاشتراكية، لكن ليس من أرضية الاشتراكية ذاتها. إنها أسلحة لبناء الاشتراكية، تستهدف إدماج الجميع، من أجل تأسيس وممارسة العدالة.” هذا التركيز على الطبيعة “المجتمعية”، على حساب الطبيعة الطبقية، للمؤسسات الشعبية، وما يرتبط بهذا من استراتيجية “إدماج الجميع” القائمة على روح المصالحة الطبقية، تعني عمليا، وفي الممارسة، فتح باب المؤسسات “الشعبية” لتأثير قوى برجوازية ومعادية للثورة، ولاتباع سياسات تصالحية بين قوى طبقية متعارضة.

وبحسب التقييمات الرسمية، ينخرط 20% من الشعب الفنزويلي بصورة إيجابية في مجالس الأحياء. وفي المقابل صوّت ضعف هذه النسبة – 40% من الشعب – لشافيز في الانتخابات الأخيرة، أي أنهم قرروا تأييد الشافيزية بشكل سلبي بدون المشاركة في مؤسساتها السياسية والتمثيلية. وخارج هذه الكتلة، هناك النسبة الأعظم التي لازالت خارج العملية السياسية. وهذا الوضع هو أحد العيوب العميقة للثورة الشافيزية، التي تتضمن من جانب إحياء للمؤسسات الشعبية، ولكنها تتضمن على الجانب الآخر صورة البطل القائد المخلص: هوجو شافيز نفسه الذي تحتاج الجماهير فقط أن تثق به حتى يقوم بمهمة مواجهة الأشرار بنفسه. وهو وضع عززته الفورة النفطية الأخيرة التي سمحت، مع ارتفاع أسعار النفط، بتمويل عمليات واسعة للإصلاح الاجتماعي، مما ترجم نفسه في مكاسب اجتماعية تحققت بدون الحاجة إلى خوض نضالات ضد الدولة ومؤسساتها.

تناقضات الشافيزية
يظل الاقتصاد الفنزويلي رأسماليا، ولا يزال رأس المال العالمي يتدفق إلى فنزويلا بهدف جني الأرباح. لكن، على الرغم من ذلك، قامت حكومة شافيز بتبني عدد من الإجراءات التي أضعفت من سلطة رأس المال. فبحسب تعبير صحيفة النيويورك تايمز “لا زال رأس المال يجني أرباحا طائلة على أرض فنزويلا، ولكنه مرتعد إلى حد يدفعه إلى تصدير أرباحه إلى الخارج أولا بأول”.

تضمنت إجراءات السلطة الدفع بعملية تأميم وسائل إنتاج النفط، وإعادة توزيع ثروته على فقراء فنزويلا، فضلا عن خطط لتأميم شركات الاتصالات والكهرباء (مع دفع التعويضات بالكامل). ومن جانب آخر، قامت الحكومة برفع الحد الأدنى للأجور، وبتعزيز الإجراءات والقوانين الخاصة بالضرائب بحيث يصعب على الأثرياء التهرب والتملص منها، مع فرض حد أقصى لأسعار السلع الغذائية الأساسية.

حققت إصلاحات شافيز مكاسب هامة – بالتحديد في مجالات التعليم والصحة – لأفقر قطاعات الشعب الفنزويلي. لكن، تظل هذه المكاسب نقطة في بحر الفقر وانعدام الأمان الذي يعانيه غالبية الفنزويليين. إذ لا يزال نصف سكان العاصمة كاراكاس، على سبيل المثال، يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، مثلا في بيع السلع الرخيصة بالأسواق الموجودة على امتداد شوارع العاصمة، أو في القيام بأعمال مؤقتة.

أما الحد الأدنى للأجور، فبالرغم من ارتفاعه، فهو لا يزيد على نصف ما يحتاجه المواطن لشراء السلع الأساسية، بحسب تقديرات الحكومة ذاتها. هذا في وقت تحقق فيه الطبقات الأكثر ثراء مكاسب طائلة على خلفية ارتفاع أسعار النفط . فقد ورد في تقرير بجريدة نيويورك تايمز بتاريخ 18 إبريل 2007 أن فنزويلا شهدت أعلى مستوى مبيعات للسيارات إلى المترفين في الشهور القليلة الماضية.

باختصار، يقدم شافيز وحكومته مكاسب حقيقية لفقراء فنزويلا، لكن بالقدر الذي تسمح به الثروة النفطية المتضخمة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن النفط الفنزويلي يستغرق أربعة أيام ليصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بينما يستغرق النفط القادم من المملكة العربية السعودية أربعة أسابيع.

لكن يظل المؤكد أن الثروة النفطية غير قادرة على حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يتسبب بها النظام الرأسمالي، وخاصة في نظام اقتصادي ضعيف كذلك الموجود بفنزويلا. للتدليل على ذلك، كان رئيس البنك المركزي الفنزويلي، الذي تمت إقالته في شهر يناير الماضي، يستخدم أسعار الفائدة في الوصول بمستوى البطالة إلى الحد الضروري للتحكم في معدل التضخم – توجه ليبرالي صرف. وبالرغم من مجهوداته الحثيثة ظل معدل التضخم في تزايد مستمر ووصل سعر العملة المحلية، البوليفار، مقابل الدولار بالأسواق السوداء إلى ضعف قيمته الرسمية. معدلات التضخم وضعف العملة المحلية وميل الرأسماليين إلى تحويل أرباحهم القياسية إلى خارج البلاد، جميعها مؤشرات على ضعف الاقتصاد الفنزويلي.

يستخدم شافيز لغة جذرية للغاية، لكن التغييرات الملموسة في الواقع أقل بكثير. ومما لا شك فيه أن وضعية شافيز، حيث بقاؤه السياسي والشخصي يعتمد، بدرجة كبيرة، على تحفيز الحركات الجماهيرية من أسفل، أثرت بدورها في منظومته الفكرية وجعلته يتحول يسارا. شافيز، ضابط الجيش السابق، الذي تقلد منصب الرئاسة في 1998، والذي قال في بداية عام 2005 أنه كان يؤمن بوجود “طريق ثالث” – ما بين الرأسمالية والاشتراكية – تعلم الكثير من خبرة مناهضة الانقلاب العسكري والحصار الاقتصادي والحرب الإعلامية للقوى الداعمة للرأسمالية – كما تعلمت الجماهير التي استبسلت في خوض تلك المعارك. لكن، برغم الملمح الجذاب لحديث رئيس دولة عن “التروتسكية” و”الثورة الدائمة”، إلا أن ذلك لا يغير ذلك من واقع وجوده على رأس جهاز دولة بيروقراطي ومبرمج على الحفاظ على النظام القائم. فجذرية شافيز لا تجد مؤسسات تعمل من خلالها لتصبح حقيقة على الأرض. بل على العكس، فإن هذا الرجل الذي يمتدح ثورة تروتسكي الدائمة يقف على قمة جهاز دولة مصصم خصيصا لامتصاص النضال الاجتماعي من أسفل والتحايل على أي تغيير جذري.

أما ما شهدته فنزويلا في السنوات الأخيرة من تحول إلى اليسار، فهو يتضمن في الحقيقة عنصرين مختلفين. الأول، الانتفاضة الشعبية ضد آثار سياسات اللبيرالية الجديدة على العمال وفقراء المدن والفلاحين. والثاني، تعاطف شرائح المثقفين وأبناء الطبقة المتوسطة (بما في ذلك بعض ضباط الجيش) الذين يتعاطفون ويروجون بصورة شعبوية للرأسمالي المحلي كوسيلة لتحسين وضعهم ووضع جموع الناس. في هذه الوضعية الوسطية، تتبنى بعض عناصر القيادة السياسية الرسمية، وعلى رأسهم ِشافيز، مواقف حاسمة ومقاوِمة إزاء بعض مصالح الإمبريالية. لكن، بسبب ذات الوضعية الوسطية فإنهم يميلون، أيضا، إلى التعامل مع الحركة الشعبية ككتلة صماء تستلزم السيطرة عليها من أعلى. ولكون العنصران مختلفان، يتأثر كل منهما بالآخر. فالتحدي الذي واجه به شافيز الإمبريالية وجد صدى واسعا بين صفوف الجماهير وشجع المقاومة الجماهيرية، الأمر الذي تبدى في الحركات الجماهيرية الضخمة التي قامت دفاعا عنه ضد محاولة الإطاحة به. وفي نفس الوقت، تأثر شافيز بالحركة الجماهيرية الداعمة له وتبنى العديد من مطالبها.

هذا هو السياق الذي مرر فيه شافيز إصلاحات بغرض تحسين وضعية الفقراء في دولة لا تزال رأسمالية، وباستخدام جهاز دولة يكن أفراده العداء لكافة السياسات التي تستهدف تغيير شكل المجتمع القائم وتهدد مصالح طبقته الحاكمة. وفي سياق كهذا لا توجد وسيلة قادرة على تطبيق الإجراءات التي يتخذها شافيز لصالح الفقراء أو السياسات التي يوافق عليها. بلغة أخرى، القرارات تصدر ولا توجد آلية لتطبيقها أو حتى تقييم فعاليتها من أسفل.

الحزب الجديد والمستقبل
في هذا الإطار، تبدو الدعوة التي أطلقها شافيز لإنشاء حزب اشتراكي موحد غير قادرة على حل تناقضات الثورة البوليفارية. فالحزب الموحد المقترح سيضم ثلاثة تيارات سياسية متعارضة، تمثل قوى الصراع داخل الثورة الجارية. التوحيد التنظيمي بين البيروقراطيين والراديكاليين الجذريين والوسطيين لن يكون له معنى إلا نقل الصراع بين الأحزاب المختلفة إلى صراع داخل الحزب الموحد. فهو إذن حل شكلي لا يسوّي مسألة تناقضات العملية الجارية في داخل البلد الذي يقف على حافة الفوضى.

الحل الحقيقي لهذه المعضلات، من وجهة مصالح الجماهير الكادحة، لن يتبلور إلا على أساس موجة جديدة من النضال الجماهيري من أسفل.. ساعتها يمكن الانتقال – بعد كل هذه التربية السياسية للجماهير – بمؤسسات التمثيل الديمقراطي المباشر إلى مستوى أرقى.. وساعتها يمكن طرح أشكال جديدة لنقل راديكالية الكلمات إلى واقع ملموس في حياة الشعب.