بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في الذكرى الثالثة للغزو.. المأزق الأمريكي في العراق

بعد ثلاث سنوات على الغزو الأمريكي للعراق أصبح الجميع يعلم أن الغزو كان جريمة حرب – نفّذ تحديًا للقانون الدولي، وبرّر بأكاذيب إدارة بوش التي روجتها أجهزة الإعلام الأمريكية والدولية حول أسلحة الدمار الشامل والديمقراطية ومكافحة الإرهاب. إبراهيم الصحاري يقدم كشف حساب للغزو من خلال أهدافه.

كانت نتائج الغزو كارثية من الناحية الإنسانية. فبدلاً من تأسيس الديمقراطية في العراق، أذكى الاحتلال الأمريكي التوترات الطائفية مغرقًا البلاد في آتون الحرب الأهلية ومهددًا بالتهام كامل المنطقة في نزاعات دموية. أكثر من 100 ألف قتيل بين المدنيين العراقيين، وعشرات الآلاف من البيوت دمّرت، البطالة وسط العراقيين تتراوح بين 35 إلى 50 بالمائة، دمرت البنية التحتية بشكل كامل – توليد الكهرباء، تصريف مياه المجاري، الآلاف من العراقيين تم اعتقالهم وجري تعذيب المئات منهم في السجون بصورة وحشية. لكن الأكثر أهمية هو أن هذا الوضع الذي لم يعد من الممكن إخفاؤه أو تجميله لا يتوازى مع تحقيق اليمين المحافظ الأمريكي لأهدافه في العراق.

فقد توقّع نظام بوش حربًا قصيرة سيعقبها فرض حكومة عراقية صورية وقواعد عسكرية أمريكية دائمة. عوضًا عن ذلك، تواجه القوات العسكرية الأمريكية مقاومة عنيفة من قبل العراقيين، تتزايد صلابتها وتتجذر كل يوم. وتواجه الإستراتيجية الأمريكية للهيمنة على المنطقة تحديات مدمرة. تصاعدت الحركة المعارضة للحرب على صعيد العالم وداخل الولايات المتحدة نفسها. فاستطلاعات الرأي تؤكد أن أغلبية الأمريكيين يعتقدون بأن غزو العراق كان خطأ، وبأن الجيش الأمريكي يجب أن ينسحب من هناك. وأغلبية أكبر من الجنود الأمريكيين أنفسهم يعتقدون بأنهم يجب أن ينسحبوا بعد أن وصلت الخسائر في الأرواح لدى الجيش الأمريكي إلى أكثر من 2.300 قتيل، و16.500 مصاب. الشيء الذي خلق أزمة تجنيد في الجيش، حيث أنه يواجه مشاكل كبرى في استقطاب العدد المخطط له من المتطوعين الجدد في العام الماضي. فقد وصل عدد الجنود الرافضين لتجديد فترة تجنيدهم في الجيش إلى 6.600 جندي. وكمقياس على حجم الأزمة يعرض الجيش الأمريكي مكافأة تقدر 40 ألف دولار لإعادة التسجيل في الجيش. وتؤكد دراسة أجراها الخبير العسكري أندرو كريبنفيتش لحساب وزارة الدفاع أنه من المحتمل ألا يتمكن الجيش الأمريكي – بانتشاره الحالي – من مجاراة التمرد في العراق.

المقاومة والطائفية: انقلب السحر على الساحر؟

في المراحل الأولية للاحتلال خلقت وحشية القوات الأمريكية، وهمجيتها، البيئة لتصاعد الكراهية والمعارضة في المناطق السنية، لتظهر حركة مقاومة متطورة بسرعة، استطاعت أن تخلق لها جذور بين السكان منذ ذلك الوقت. وخلال العام الأول من الغزو، استطاعت المقاومة أن تفقد الجيش الأمريكي السيطرة بشكل كبير على مساحات شاسعة من المثلث السني – المحافظات وفي وسط وغرب العراق. وبحلول شهر أبريل 2004، كان الاحتلال مجابها أيضًا بانتفاضة في المناطق الحضرية الفقيرة، الشيعية – بالدرجة الأولى في بغداد وعدد من المدن الجنوبية. انتفاضة الشيعة جاءت تحت وطأة الشروط الاجتماعية الكارثية التي تواجه الأغلبية الساحقة من ناحية والقمع الأمريكي لمحاولة كسر الحركة الدينية والسياسية المعادية للاحتلال برئاسة رجل الدين مقتدى الصدر من ناحية أخرى.

وكان للأسلوب الذي اتبعه الاحتلال الأمريكي لاستعادة السيطرة على المدن الشيعية نتائج سياسية رئيسية، رسمت إلى حد كبير، وشكّلت المشهد السياسي العراقي الراهن.

فمن ناحية لم يكن لإياد علاوي رئيس الحكومة الانتقالية الذي خطط مع الولايات المتحدة لغزو العراق منذ حرب الخليج 1991، التأثير الكافي لإنهاء الانتفاضة الشيعية. لذا بدء المسؤولون الأمريكيون في العراق بالاعتماد بشكل علني ودائم منذ تلك اللحظة على ممثلي المؤسسة الدينية الشيعية، المتعاونة بشكل ما مع الغزو الأمريكي على أساس أن ذلك يمكن أن يرفعهم إلى مواقع السلطة السياسية. وهكذا استخدم رجل الدين الشيعي البارز على السيستاني والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق المرتبط بإيران تأثيرهم لعرقلة دعم معظم السكان الشيعة لانتفاضة الصدر. وتم إقناع الصدر نفسه بالموافقة على وقف إطلاق النار في سبتمبر 2004، كي تسمح قوات الاحتلال لحركته بمواصلة نشاطها السياسي.

وباحتواء انتفاضة الصدر، أصبح الجيش الأمريكي قادرًا على التركيز على العمليات الوحشية ضدّ المقاومة السنية. في نوفمبر 2004، دمر مشاة البحرية الأمريكية مدينة الفلوجة، وارتكبوا جرائم حرب صارخة وذبحوا المئات من سكان المدينة. وهو الأمر الذي عمّق المرارة بين السكان العرب السنة. وكرد على هذا الهجوم دعا رجال الدين السنة والأحزاب السياسية إلى مقاطعة انتخابات 30 يناير 2005، وبالتالي صوّت أقل من 10 بالمائة من السنّة لصالح ما سمي بالحكومة الانتقالية، التي كلّفت بمهمة بصياغة دستور جديد.

كانت النتيجة تشكيل نظام مستند على المصالح الطائفية للنخبة الشيعية في جنوب العراق والنخبة الكردية في الشمال، مع غياب أي تمثيل للسنة. وجاء الدستور الجديد – الذي يمكن توقع الدور الأمريكي في صياغته – ليؤسس الآليات للتقسيم الحقيقي للعراق لثلاث مناطق: شمال كردي، يمارس سيطرة على عائدات حقول النفط الشمالية؛ جنوب ذو غالبية شيعية، يسيطر على عائدات حقول النفط الجنوبية الرئيسية؛ ومنطقة مركزية سنيّة محرومة من الموارد الطبيعية.

بهذه الطريقة، خلقت الشروط، تحت رعاية الإمبريالية الأمريكية، للانقسامات الطائفية للسيطرة على السياسة والمجتمع العراقي. صعد هذا الوضع من أحداث العنف والمقاومة في كافة أنحاء البلاد وخلقت مشاكل جديدة لقوات الاحتلال، لينقلب السحر على الساحر.

استمرار المقاومة:

ففي المناطق السنيّة، تصاعدت حدة المقاومة ضدّ الجيش الأمريكي والحكومة العراقية على مدى العام الماضي؛ تزايد عدد الهجمات في اليوم من 77 في نوفمبر 2004، إلى 90 في نوفمبر 2005. وفي الشمال الكردي، هناك المطالبة المستمرة بالانفصال الرسمي عن العراق. إن الوحدات الشمالية للجيش العراقي، في الواقع، هي أفراد ميليشيا البيشميركة، الكردية التي يذهب ولاؤها للحكومة الإقليمية الكردية وهم مؤيدون متحمسون لدولة كردية منفصلة. وغني عن البيان أن أيّ تحرّك نحو الاستقلال الكردي سيكون له نتائج خطيرة، وسيثير الاضطرابات في حدود تركيا وسوريا وإيران، فجميع هذه الدول لديها أقلية كردية كبيرة. هذا إلى جانب الفشل حتى كتابة هذه السطور في عقد أولى جلسات المجلس التشريعي وفي بدء عملية تشكيل جادة للحكومة العراقية الجديدة.

هكذا، المشهد في العراق ليس هو الدولة الموالية الهادئة التي تصوّر مخططو الحرب الأمريكيون في 2003 أنهم سيخلقونها، فواشنطن تواجه مقاومة عنيفة على كافة الجبهات العراقية، فقط جاءت نتائج انتخابات 15 ديسمبر 2005 ففجرت هذا الوضع.

ويعتقد كثير من المحللين في الإدارة الأمريكية في الوقت الحاضر أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تدعم السنّة ضد الأغلبية الشيعية. لذا ربما تستمر في تفجير الوضع الداخلي واللعب بورقة الحرب الأهلية للوصول إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم الأكراد وبعض السنة والأطراف العلمانية من الشيعة مثل مجموعة إياد علاوي. وستكون هذه الحكومة موالية للاحتلال ومفروضة على العراقيين بالقوة أي أن الخيار المتاح أمام الولايات المتحدة الآن هو إقامة ديكتاتورية على طراز ديكتاتورية صدام حسين كما لمح لذلك توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز الشهر الماضي: “منذ بداية حرب العراق كان واضحًا أن “الانتصار” يعتمد على الإجابة على سؤال رئيسي وهو: هل كان العراق على النحو الذي عرفنا بسبب طبيعة صدام حسين، أم أن صدام حسين كان على النحو الذي عرفنا لأن طبيعة العراق كانت تتطلب ذلك؟ أي أن دولة مثل العراق، تتكون من شيعة وسنة وأكراد، لا يمكن السيطرة عليها إلا بقبضة حديدية”. على هذه الأرضية لا يمكن أن نستبعد اشتباكًا مفتوحًا مرة أخرى بين المجموعة الشيعية والجيش الأمريكي.

وحدة المقاومة:

بينما لا توجد تهدئة في هجمات المقاومة ضدّ الجيش الأمريكي في المناطق السنيّة، تزداد التوتّرات في المناطق الشيعية فهناك غضب متصاعد بين الجماهير الشيعية الفقيرة ضد الاحتلال الأمريكي، بسبب تخفيضات في الإعانات المالية للوقود تلك التخفيضات التي فرضها برنامج إعادة الهيكلة الاقتصادية التابع لصندوق النقد الدولي. فقد ارتفعت أسعار البنزين تقريبًا 300 بالمائة وخفضت حصّة المواد الغذائية.

وطبقًا لبعض التقارير، أشارت المظاهرات العراقية، التي ضمت سنة وشيعة احتجاجًا على قصف سامراء، بأصابع الاتهام إلى المحتل الأمريكي ودعت إلى وحدة المقاومة ضد هذا الاحتلال. وكرّر مقتدى الصدر، مطلبه بالانسحاب الأمريكي الفوري، ودعا إلى صلاة شيعية سنيّة مشتركة وإلى مظاهرات أخرى موحدة ضد الاحتلال.

ويصف سامي رمضاني، المنفى اليساري العراقي من قبل نظام صدام حسين والمعارض البارز للحرب الأمريكية على العراق، الاحتجاجات ضد الاحتلال في مدن سامراء، الكوت، بغداد والصدر وفي أماكن أخرى بأنها مفعمة بمزاج شعبي ضدّ الاحتلال. كتب رمضاني في صحيفة الجارديان البريطانية مؤخرًا يقول: “العراق ممتلئ بالإشاعات حول تواطؤ قوّات الاحتلال وعملائهم في الهجمات الطائفية وفرق الموت: الولايات المتحدة تتبنى على نحو واسع قسم طائفي لمنع ظهور مقاومة وطنية متّحدة”.

حدود الإمبريالية:

وضّح هنري كيسينجر، وزير الخارجية في إدارة نيكسون، بعض المخاوف في الدوائر الحاكمة الأمريكية بخصوص تنامي الشعور المعادي للحرب في مقال نشر في 18 ديسمبر 2005 في الواشنطن بوس، تحت عنوان “كيف السبيل للخروج من العراق؟”. ويعارض كيسنجر أي انسحاب للقوات الأمريكية كخضوع “للرأي عام” ويشدّد على أنّ موضع الرهان في العراق الآن هو الموقع العالمي للرأسمالية الأمريكية.

كتب كيسنجر: “عندما نخرج من هناك لا نحمل أي شيء، ستكون الفوضى شاملة، وستكون العواقب وخيمة للمنطقة ولموقع أمريكا في العالم” ويضيف: “الهزيمة ستقلص المصداقية الأمريكية حول العالم. سيضعف وضع قيادتنا واحترام وجهات نظرنا بشأن القضايا الإقليمية الأخرى من فلسطين إلى إيران، وستضعف أيضًا ثقة البلدان الرئيسية الأخرى – الصين، روسيا، أوروبا، اليابان – في قدرة أمريكا المحتملة. ستكون الاستراحة من الجهود العسكرية قصيرة قبل هبوط أزمات أعظم علينا”. ولتوضيح منطقه وحججه، يستنتج كيسنجر: “الأمريكان يجب أن يقبلوا الحقيقة بأن بلادهم لا يمكنها أبدًا القيام بانسحاب سياسي كليّ (من العراق)، ولو أن الحجم وموضع الوجود العسكري سيتفاوتان”.

في ذكرى الغزو، على أية حال، من غير المحتمل أن ترى إدارة بوش أن الحرب كابوس يجب الاستيقاظ منه بل ستستمر الحرب كمحاولة مستميتة من قبل الطبقة الحاكمة الأمريكية باستخدام القوة العسكرية لإبقاء هيمنتها العالمية، في وجه التحديات الاقتصادية والإستراتيجية من أوروبا وآسيا. لذلك يصبح طبيعيًا أن نشهد تماديًا عسكريًا أعنف من قبل الإمبريالية الأمريكية للسيطرة على موارد النفط والهيمنة الجغرافيا السياسية على العالم.