بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في المغرب: الإصلاحات لن تكون نهاية الاحتجاجات

مع حلول العام الثالث للمظاهرات، أحيت حركة 20 فبراير المغربية ذكرى نشأتها بتسيير العديد من المظاهرات التي لوحظ انخفاضها من حيث توزيعها الجغرافي وكثافتها العددية من 3 آلاف مظاهرة في 114 تنسيقية عام 2011 إلى ما يقارب 800 مظاهرة في 24 تنسيقية في العام الماضي، وهو ما يعني تراجع القوة الاحتجاجية للحركة بأكثر من 70% عما كانت عليه مع انفجار الثورات العربية. وأثار تراجع الحركة الاجتماعية بالمغرب العديد من التساؤلات حول التأثير النوعي للإصلاحات على المطالب الاجتماعية. وهل بذلك ساهمت الإصلاحات في تقزيم الحركة الاجتماعية وتحجيمها؟

يعزي البعض تراجع الحركة الاجتماعية إلى موجة القمع التي وجهتها السلطة سيفاً على رقاب المتظاهرين، فوفقاً لتقارير حقوقية صادرة عن عام 2012، فقد حكم على ما لا يقل عن 70 شخصاً بالسجن النافذ ومنهم من سيقضي 12 عاماً زوراً خلف القضبان، فيما حُكم على العشرات بالسجن الموقوف تنفيذه، مع إطلاق سراح عشرات آخرين تم القبض عليهم بتهمة الدعوة لمقاطعة انتخابات العام الماضي. القمع تطور في أحواله إلى أن تحايلت السلطات على تنفيذ أحكام صارمة ضد المقبوض عليهم بتوجيه تهم مزورة مثل المتاجرة بالمخدرات وترويع المواطنين، إلخ.

لكن، ومع محاولات السلطة الحاكمة في امتصاص الغضب الجماهيري عام 2011، جاءت الإصلاحات في شكل التعديلات الدستورية التي تحد كثيراً من صلاحيات الملك وتنقلها إلى رئيس الوزراء كرئيس للسلطة التنفيذية يتولى على إثرها المسئولية الكاملة على الحكومة والإدارات الحكومية وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي، حيث سيتم اختياره بترشيح من الحزب الفائز بالأغلبية البرلمانية الذين سيضاف إليهم اختصاصات جديدة للنهوض بالعمل التشريعي. الإصلاحات عمدت أيضاً إلى استقطاب الفئات الأكثر تهميشاً والاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية للبلاد بجانب اللغة العربية حيث سيتم تدريسها بالبرامج التعليمية. فيما نص الدستور الجديد على حماية الحريات وتقوية دور الأحزاب السياسية وتعزيز صلاحيات المجلس الدستوري. كل تلك الإصلاحات جعلت المغرب يحتفظ بسياق مختلف عن بلدان المنطقة العربية التي شهدت حالة المد الثوري والانتفاضات الواسعة.

يمكننا قراءة ما وصلت إليه الحركة الاجتماعية بالمغرب على عدة مستويات؛ فعلى المستوى الشعبي مثلاً وبرغم خروج عشرات الآلاف من المغاربة للتظاهر في القرى والمدن رافعين شعار محاربة الفساد ومطالبين بالحرية والعدالة الاجتماعية عام 2011، إلا أن تلك التظاهرات المتفجرة لم تستطع تحقيق تطوراً مطلبياً وظلت حبيسة الأفكار الخاصة بإصلاح النظام وليس إسقاطه، في حين استطاعت السلطة الحاكمة على المستوى السياسي تقديم الإصلاحات المتتالية والتي لم يشهدها التاريخ المغربي كما لم يكن متوقعاً حدوثها على أرض الواقع في ظل تعنت جميع الأنظمة العربية بل وإعلان الحرب على شعوبها.

لم يكن إذن مستغرباً أن يعلن رئيس الوزراء الإسلامي عبد الإله بن كيران في تصريحاته أن “زمن الاحتجاج السياسي انتهى في المغرب”. بل ويصف المعارضين بالعفاريت والتماسيح، فيما تواصل الأجهزة الأمنية سلوكاً انتقامياً ضد الشباب المحتج الذين تجرأوا على رفع شعارات احتجاجية، وبفضلهم اضطرت الدولة إلى التنازل على بعض من صلاحياتها.

الحركة بالمغرب لم توفر فقط فرص الالتقاء المتطابقة بين المطالب الاحتجاجية ذات السقف الإصلاحي المنخفض وبين الإصلاحات التي وفرتها السلطة الحاكمة على طبق من ذهب دون تغيير بأساسيات النظام، لكن الحركة لم توفر على الجانب الآخر فرص التقاء بين المطالب السياسية في إقامة الملكية الدستورية وبين مطالب المعطلين في الحصول على فرص عمل، وبناء عليه لم تتمكن الحركة من التحول من مجال الاحتجاج السياسي إلى مجال الاحتجاج الاجتماعي لكسب قاعدة مشاركة أكبر رغم وجود احتجاجات اجتماعية موازية، كما صرح أحد أعضاء حركة 20 فبراير.

وبرغم الانحسار الملحوظ للحركة الاحتجاجية بالمغرب، إلا أن الأرقام تشير إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية وازدياد معدلاتها مع ارتفاع عدد العاطلين عن العمل في الربع الثالث من 2012 بنسبة 4.8%  أو بنحو 50 ألف عاطل عن العمل مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. كذلك الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية وأن 64% من السكان غير راضين على مستوى دخلهم وتزداد هذه النسبة لتصل إلى 74% بين السكان القرويين، كما أنه لا توجد أي نية لدى الحكومة، التي صعدت للسلطة بالإصلاحات، أن تفرض ضريبة على ثروات رجال الأعمال كأحد أشكال تحقيق العدالة الاجتماعية وبالتالي لم تقوى على محاكمة رجال الفساد الذين ارتكبوا جرائم اقتصادية بحق الشعب المغربي.

وتحت مسمى الإصلاح، أعلن رئيس الحكومة إلغاء صندوق المقاصة الموجه أساساً لدعم الفقراء وتعويضهم بدعم مادي مباشر، بل ناشدهم بفتح حسابات بنكية لتلقي ذلك الدعم، وهو ما أثار السخرية لأن الحكومة لم تضمن للفقراء على الجانب الآخر قدرتهم على احتمال الزيادة المطردة للأسعار في ظل ثبات التعويضات المادية، ولا أدل على ذلك من اعتزام الحكومة على رفع أسعار المحروقات لإصلاح نظام دعم الدولة للسلع الأساسية مثل الغاز والسكر. فماذا إذن عن الدعم الحكومي للخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم؟ الإصلاحات الشكلية لا تقضي على الحركة الاجتماعية كما تخيلت السلطة الحاكمة.