بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في اليمن: صفقة من أجل الديكتاتور

المقال بقلم ديفيد وايتهاوس، ونشر لأول مرة بموقع «العامل الاشتراكي» الأمريكي، 25 أبريل 2011..

أطلق ملوك النفط في الخليج العربي مبادرة لاتفاق يتخلى بمقتضاها الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، عن حكم دام 32 عاماً. وفي المقابل يُعفى من الملاحقة على فساده وعلى القمع الوحشي للمظاهرات.

ويبدو أن الهدف من وراء هذه المبادرة هو ضرب إسفين بين قادة المعارضة الحزبية القائمة –والذين للتو قبلوا بنقاطها الأساسية – وبين الطليعة الشبابية للثورة الشعبية في اليمن. إضافة إلى حماية صالح وعائلته من الملاحقة. وتدعو المبادرة لإنهاء التظاهرات، على أن يتم إجراء انتخابات جديدة خلال مدة ستين يوماً.

أما قيادة الانتفاضة الشعبية في مدن اليمن الكبرى، فقد رفضت الاتفاق ودعت لاستمرار النضال حتى الإسقاط الفوري وغير المشروط لعلي عبد الله صالح. وفي العاصمة صنعاء، حيث اندلعت أول شرارة للانتفاضة، هتف المتظاهرون “لا تفاوض، لا حوار.. التنحي أو الرحيل”. بحسب وكالة رويترز. ويُذكر أن قوات الأمن بمساعدة المأجورين “البلطجية” من مؤيدي صالح، كانت قد قتلت ما يقرب من 130 متظاهر منذ فبراير الماضي.

وفي الأسابيع القليلة الماضية، اتسعت التظاهرات إلى مليونيات في المدن. كما انتشرت في القرى، حيث يعيش 70% من سكان اليمن. وفي 23 أبريل، وهو نفس اليوم الذي توافق فيه معارضو صالح على إنهاء التظاهرات، قادت الحركة إضراباً عاماً في اليمن شكل المدن الأربع الكبرى. وفي عدن، مدينة الميناء الجنوبي، والتي لم تكن لوقت قريب إلا ساحة موسمية للنضال، بلغت الاستجابة للإضراب في المحال والأسواق والمدارس نحو 90% بحسب وكالة رويترز للأنباء. أما فقراء الريف والحضر، والذين يشكلون 42% من 32 مليون مواطن يمني، فيدعم غالبيتهم الآن الانتفاضة التي اندلعت في أوائل فبراير في جامعة صنعاء.

كما أن مشاركة المرأة في الانتفاضة فقد عززت آمال المساواة، والتي نادت بها الانتفاضة. وعندما صرح صالح في 15 أبريل أن “المظاهرات المختلفة بين الجنسين حرام في الإسلام”، خرج الملايين رجالاً ونساءاً عبر البلاد متظاهرين ضد هذه التصريحات.

هذا الموقف المناهض طال أيضاً المناطق القبلية خارج المدن، والتي يُفترض سيطرة الأفكار الرجعية عليها. وفي البادية على بعد 200 كيلو متر جنوبي صنعاء. خرج حوالي 20 ألف متظاهر ضد تحريم صالح لمشاركة المرأة، ورفع المتظاهرون لافتات مكتوباً عليها “لا تتحدث عن النساء وإلا سنقطع لسانك يا صالح”.

ويُذكر أن مجلس التعاون الخليجي الذي يتكون من ست أنظمة ديكتاتورية تابعة للولايات المتحدة، هو الراعي لهذا المخطط لخروج صالح، نفس هذه الأنظمة تعاونت إبان الشهر الماضي لإحباط الثورة الشعبية في البحرين. بينما انحازت بنود الاتفاق لصالح، الأمر الذي دفع الجماهير الثائرة لرفضها، وقد أعطى مجلس التعاون الخليجي الفرصة لصالح للرجوع عن وعده بالتنحي، بينما يلقي المجلس اللوم على عناد الجماهير.

يترأس أحزاب المعارضة الرسمية، التي وقعت على الاتفاق وكوّنت ائتلافاً فيما بينها، عدد من أصحاب الملايين في اليمن –وعلى الأقل ملياردير واحد- وكثير منهم هم من شيوخ القبائل الذين يكونون ثروات طائلة من وراء إدارة صالح الفاسدة. هؤلاء مثلهم مثل نظرائهم في مجلس التعاون الخليجي الذين يهيمنون هم أيضاً على مجتمعات شديدة الطبقية، جميعهم يأملون في انتقال هادئ وسلمي للسلطة من طرف لآخر داخل النخبة الحاكمة نفسها.

علاوة على هذا، فقد أومأت إدارة أوباما بالموافقة على مبادرة مجلس التعاون الخليجي؛ فخطة المجلس هي “حل الأزمة السياسية بطريقة سلمية ومنضبطة” كما ورد في رسالة من الإدارة الأمريكية نقلاً عن Business Week: “وندعو كل الأطراف للاستجابة لبنود الاتفاق”.

في نفس الوقت، يحذر العديد من السياسيين الأمريكيين من استغلال تنظيم القاعدة، والذي لديه بين 100 إلى 200 عضو في اليمن، للوضع غير المستقل في اليمن، وذلك من أجل تفجير الوضع وخلق حالة من “الفوضى”. ورددت Business Week، نفس التحذيرات قائلة أن “ضعف الدولة المركزية في اليمن يحمل مخاطر تطور وضع مشابه للصومال على الجانب الآخر لخليج عدن، حيث لا تحكم إدارة فاعلة منذ 1991”.

إن مقارنة الوضع بما حدث في الصومال هي مقارنة سخيفة؛ فالوضع في الصومال تسيطر عليه ميليشيات قبلية قامت ضد النظام الجائر ثم صوبت السلاح ضد بعضها. الأمر مختلف تماماً عن ثورة شعبية وحدت جماهير الفقراء عبر العشائر في انتفاضة من أسفل عمت اليمن هذا العام.

بدأت الانتفاضة الآن تتحدى التراتبية القبلية نفسها؛ فشيوخ القبائل يتحصلون على جزء من العوائد النفطية من الحكومة المركزية بينما تغض الأخيرة الطرف عن سرقاتهم للأراضي وعلى احتكارهم لمصادر المياه الجوفية النادرة.

أما العائلة المالكة في المملكة السعودية، الجار الشمالي القوي لليمن، فهي أيضاً مشارك أساسي في نظام القهر القبلي هذا، وهي مستعدة لتقديم عوائد أكبر لشيوخ القبائل اليمن، مقابل عودة “الاستقرار”، وذلك وفقاً لمقال حديث لديكستر فيلكينس في جريدة الينويوركر.

هذا هو نوع الاستقرار الذي يسعى لاستعادته كل من صالح وأحزاب الائتلاف ومجلس التعاون الخليجي وإدارة أوباما. لكن الحركة الشعبية تصر على استكمال نضالها حتى إسقاط النظام اليمني.