بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في أمريكا الوسطى: الكوارث الطبيعية.. ليست طبيعية!

أعلن الخبراء في مجال البيئة أن عام 1998 يعتبر ثاني أسوأ أعوام الكوارث الطبيعية منذ بدء الإحصاءات قبل عشرات السنين في العالم، حيث لقي 50 ألف شخص مصرعهم خلاله نتيجة للأعاصير والسيول والزلازل، فقد وقعت في العالم خلال عام 1998، 700 كارثة طبيعية كانت أسوأها فيضان نهر يانجتسي في الصين الذي دمر حياة ملايين الفلاحين الفقراء، وتلاه إعصار جورج في الكاريبي وخليج المكسيك، ثم إعصار ميتشي الذي قتل 11 ألفا في نيكاراجوا وهندوراس كما قتل زلزالان في أفغانستان 10 آلاف شخص.

وأشار الخبراء في مجال البيئة إلى أن المستقبل أكثر كآبة وفزعا بشأن الكوارث الطبيعية، وهنا يجب أن نعرف أن العمال والفقراء هم أول ضحايا الكوارث الطبيعية لأنهم يسكنون في مناطق معرضة للكوارث الطبيعية بصورة أكثر لأنهم لا يجدون بديلا عن الإقامة في أشد المناطق خطورة، كما أنهم يفتقرون إلى سبل الدفاع عن أنفسهم في مواجهة الطبيعة على عكس الأغنياء الذين يجيدون دائما حماية أنفسهم وأوضاعهم في مواجهة الكوارث الطبيعية.

لهذا السبب، فإن قضية حماية الفقراء من الكوارث الطبيعية تأتي على جدول أعمال الصراع الطبقي في أي مجتمع، لأن تكنولوجيا الحد من آثار الكوارث الطبيعية (مثل الأساسات المضادة للزلازل) في متناول اليد في معظم الحالات ولكنها تستخدم لحماية الأغنياء والبرجوازية فقط بسبب امتلاكهم لوسائل الإنتاج التي تمكنهم من إنتاج مزيد من فائض القيمة من دم وعرق العمال، تلك الأرباح التي تجعلهم قادرين على امتلاك التكنولوجيا باهظة الثمن التي تحميهم من تقلبات وجنون الطبيعة، فالكارثة الحقيقية إذن ليست في الكوارث الطبيعية بقدر ما هي في النظام الرأسمالي، هذا النظام الذي ينهب ثروات الطبيعة وعرق العمال وفي نفس الوقت يكبل الطبقات الكادحة بإفقارها المستمر حتى تصبح مشلولة تماما في مواجهة الطبيعة. وحتى نتعرف على الآثار المدمرة للكوارث الطبيعية وارتباطها بالصراع الطبقي سنركز بشيء من التفصيل على الكارثة التي ألمت بأمريكا الوسطى، فهي بالفعل مأساة حقيقية بكل المعايير. فقد مات أكثر من 11 ألف شخص عشية إعصار ميتشي الذي دمر هندوراس وأجزاء كبيرة من نيكاراجوا وبلدان أخرى مجاورة. وفي أقل تقدير هناك 2 مليون لاجئ، أما معدلات الوفاة فهي في زيادة مستمرة نتيجة للمجاعة والأمراض التي تفشت مؤخرا.

وهذه الكارثة ليست مجرد كارثة طبيعية . فهندوراس ونيكاراجوا هما أفقر دولتين في النصف الغربي من الكرة الأرضية بعد هايتي. وهناك 70% من السكان كانوا يعيشون تحت خط الفقر حتى قبل الإعصار. وذلك على الرغم من ثراء هاتين الدولتين بالموارد الطبيعية والأراضي الخصبة.

دمرت هذه المنطقة أعباء الديون. فقد دفعت هندوراس ونيكاراجوا هذا العام 1.3 مليون دولار يوميا كفوائد ديونها للبنوك والدول الغربية التي تفرض عليها الوصاية، وكان ما دفعته هندوراس هذا العام سدادا لديونها – حوالي مائتي وخمسون مليون دولار – كافيا لتصليح كل ما لحق العاصمة تيجوسيجالبا من دمار.

ويمكن أن يتم إلغاء الديون الآن، ولكن الديون ما هي إلا جزء من الأعباء التي تكبل أمريكا الوسطى. فالدول العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والشركات متعددة الجنسية لعبت دورا أساسيا في إفقار المنطقة. وترى الولايات المتحدة أمريكا الوسطى دائما حوش خلفي لها، واستخدمت أكثر الأساليب وحشية لتأكيد سيطرتها على هذه المنطقة، وعلينا أن نمعن النظر في هذا الوضع لأنه العامل الأساسي وراء الأثر المدمر للإعصار الذي حدث خلال الشهر الماضي.

لقد أرسل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون خمسين مليون دولار الأسبوع الماضي كمساعدة في عمليات الإغاثة في أمريكا الوسطى، وقد أرسل 600 جندي للمساعدة في تلك العمليات. ولكن يجب أن نقارن هذه الأرقام بما أرسلته الولايات المتحدة عام 1983 من 1200 جندي في هندوراس وحدها، كما وصل هذا العدد إلى 7000 جندي عام 1985، أما السبب فكان بسيطا ووحشيا في نفس الوقت، حيث ارتجفت الولايات المتحدة من مخاطر ثورة 1979 التي حدثت في نيكاراجوا المجاورة على مصالحها في أمريكا الوسطى. فقد كانت الولايات المتحدة تساند حكاما مستبدين يتميزون بالوحشية ويضعون أيديهم بأيدي الشركات الأمريكية الكبرى، وأحد هؤلاء كان الديكتاتور أناستاسيو سوموزا الذي حكم نيكارجوا، والذي تخرج من أكاديمية وست بوينت العسكرية الأمريكية.

لقد قتل هذا الديكتاتور نحو 50 ألف شخص في نيكاراجوا قبل أن تطيح به الجماهير في عام 1979. جاء النظام الجديد، وهو ما عرف بالساندينستا، ببعض الإصلاحات كان من بينها إعادة توزيع أراضي عائلة سوموزا على الفقراء، وتحسين الصحة والتعليم.

ولكن رونالد ريجان، والذي كان رئيس الولايات المتحدة آنذاك، لم يحتمل الوضع الجديد، وأراد تدمير نظام الساندينستا ليعلن أنه لن يسمح بأي تهديد للهيمنة الأمريكية في المنطقة. ففرضت الولايات المتحدة حصارا اقتصاديا وحشيا على نيكاراجوا وعقوبات على كل من يفكر بكسر هذا الحصار.

كان لهندوراس المجاورة دورا أساسيا في حرب الولايات المتحدة ضد نيكاراجوا، فقد ساعدت الولايات المتحدة على خلق وتمويل قوة إرهابية يمينية عرفت بالكونترا في معسكرات هندوراس، وقد قتلوا وعذبوا واغتصبوا المدنيين في حرب كان الغرض منها زعزعة نظام الساندينستا، وفي عام 1983، كانت الولايات المتحدة تضع عشرات الملايين لتسليح وتمويل 15 ألف شخص من رجال الكونترا، وفي عام 1990 دفع الرئيس جورج بوش مبالغ طائلة تحت مسمى “المساعدات الإنسانية” للكونترا تفوق بكثير مساعدات كلينتون للمنطقة ككل.

دمرت الحرب ضد الكونترا اقتصاد نيكاراجوا، وكانت الضغوط الأمريكية التي لم تكل يوما عاملا أساسيا في فقدان الساندينستا للسلطة عام 1990، لم تتحسن الأمور بعد ذلك بالنسبة لعامة الشعب في نيكاراجوا، فالبطالة وصلت إلى 60%، وقبل الإعصار الأخير لم يكن في نيكاراجوا مياه صحية أو صرف صحي لنصف سكان البلاد.

إن الرئيس اليميني الحالي، أرنولدو ألمان، يؤيد على الدوام خطط صندوق النقد الدولي، وقد استعاد مرة أخرى أنصار ديكتاتورية سوموزا، وبدأ في إعادة الأراضي للذين فقدوها خلال الثورة. وقد قامت مظاهرات واحتجاجات في بعض أنحاء البلاد، فالجماهير تتهمه بمنع المساعدات عن المناطق التي لا زال بها تأييد جماهيري للساندينستا.

إن تاريخ تدخل الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى تاريخ طويل من الوحشية. فقد كانت أغلب المنطقة جزءا من الإمبراطورية الإسبانية منذ القرن السادس عشر وحتى عام 1821 عندما حصلت المنطقة على الاستقلال. ولكن طموحات بناء اقتصاد قوي ومستقل في المنطقة جاءت ضد مصالح القوى العظمى. فقد رأت هذه القوى في المنطقة مصدرا رخيصا للمواد الخام والمنتجات الزراعية والربح السريع. وكانت بريطانيا أكبر دولة في أوائل القرن التاسع عشر، فاستخدمت أسلوب فرق تسد لتفتيت الأقاليم المتحدة إلى الشكل الحالي من دويلات صغيرة لتؤمن مصالحها في المنطقة. وكلما شعرت بريطانيا أن مصالحها مهددة لجأت إلى العنف المباشر كما فعلت في نيكاراجوا عام 1895 عندما احتلت كل المواني في نيكاراجوا.

ضعف نفوذ بريطانيا مع صعود الولايات المتحدة كقوة رئيسية في المنطقة في القرن التاسع عشر، ففي 1856 ساندت الولايات المتحدة رجل تبشير في نيكاراجوا عين نفسه رئيسا لها. وأرادت أن تكون مستعمرة جديدة للعبيد بعد أن ألغي في الولايات المتحدة نفسها. وخلال القرن العشرين قامت الولايات المتحدة بصورة متكررة بغزو مختلف البلدان، الأمر الذي حدث أكثر من عشرين مرة، لفرض أنظمة تحمي مصالحها في منطقة أمريكا الوسطى. وحتى يومنا هذا، لا زالت للولايات المتحدة شبكة من القواعد العسكرية في المنطقة وتقع العديد منها في هندوراس.

وراء كل هذه الأحداث نجد سعي الشركات الأمريكية العملاقة وراء الربح. أوضح مثال على ذلك شركة الفواكه المتحدة العملاقة التي غيرت اسمها عدة مرات والتي تسيطر على المنطقة لمدة قرن. ففي عام 1898 حولت هذه الشركة العملاقة هندوراس فعليا إلى مزرعة، فاستولت على مساحات شاسعة من الأراضي لزراعة الموز، كما سيطرت على السكة الحديد والمواني وأجزاء أخرى من البناء التحتي لجلب الموز للأسواق.

وكلما تهددت مصالح بارونات الموز استخدمت الولايات المتحدة كل قواها لحمايتهم. ففي عام 1924 غزت البحرية الأمريكية هندوراس لفرض نظام جديد، أعطى شركة الفواكه المتحدة احتكار إنتاج الموز في البلاد. أما جواتيمالا، والذي أضر بها إعصار ميتشي، فهي الأخرى شبه مستعمرة لشركة الفواكه المتحدة منذ زمن طويل.

إن الحماية الوحشية التي قامت بها الولايات المتحدة لحماية كبرى شركاتها، يجب أن نراها في مصير الحكومات الإصلاحية التي حكمت لوقت قصير في جواتيمالا بعد الحرب العالمية الثانية، هذه الأنظمة التي قامت ببعض الإصلاحات الزراعية البسيطة، والتي تخللها مصادرة بعض الأراضي الغير مستخدمة المملوكة لشركة الأصناف المتحدة (وهو اسم شركة الفواكه المتحدة آنذاك). فقررت الولايات المتحدة أن هذا الإجراء “تهديد للمصالح الأمريكية”، وكان سكرتير الدولة بالولايات المتحدة آنذاك، هو جون فوستر دولز، وكذلك من كبار المساهمين في شركة الفواكه المتحدة، استدعى دولز الجيش الأمريكي والسي آي إيه لتنظيم هجوم وانقلاب أطاح بالنظام وجاء بنظام عسكري قمعي بدلا منه . وكان أول القوانين التي أعلنها هذا النظام هو رد أراضي شركة الفواكه المتحدة.

إن الشركات الأمريكية لا زالت تسيطر على كل دول المنطقة. فأكثر من 75% من الاستثمارات الأجنبية في هندوراس مثلا تأتي من الولايات المتحدة. وبالإضافة لكل ما تستحوذ عليه الشركات الأمريكية من موز وبن وغيرها من المنتجات الزراعية، أسست هذه الشركات سلسلة من المصانع في دول مثل هندوراس. وتستفيد من انخفاض أجور العمال وفي نفس الوقت يقمعون أي تنظيم عمالي ليستخلصوا أرباح طائلة لرؤوس الأموال.

إن هذه الكارثة توضح أن الكارثة الحقيقية ليست في الإعصار المدمر بقدر ما هي في النظام الرأسمالي، هذه النظام الذي نهب الثروات الطبيعية وكبل الطبقات الكادحة بالديون فأصبحوا عاجزين أمام كوارث الطبيعة، إن المساعدات الضئيلة التي يتفاخر بها كلينتون لا تقارن بما نهبته الرأسمالية الأمريكية من فقراء أمريكا الوسطى ولا بالأموال الطائلة التي تدفعها الولايات المتحدة لحماية أرباحها وقمع الطبقة العاملة بمساعدة الرأسماليات المحلية وأنظمتها القمعية، والتي لم تكف هي الأخرى عن نهب الثروات والقمع والبطش. يجب علينا أن ندمر هذا النظام الرأسمالي الذي يدمر غالبية السكان من أجل حماية أرباح حفنة ضئيلة من الرأسماليين.

تدمير النظام الرأسمالى والقضاء على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والموارد الطبيعية سيتيح للطبقة العاملة وجماهير الفقراء إمكانية التنظيم للتفاعل بين المجتمع والطبيعة، وفى ظل المجتمع العمالى بعد نجاح الثورة الاشتراكية كتب ماركس: “انه فى مجتمع المستقبل سيقوم المنتجون المتحالفون بتنظيم تبادلهم للمواد مع الطبيعة بشكل عقلانى وسيجعلونه خاضعا لرقابتهم المشتركة عوضا عن جعله يهيمن عليهم كقوة عمياء وسينجزون ذلك بإنفاق أقل قدر من القوة وفى الظروف الأنسب لطبيعتهم البشرية والمكافئة لهم”. ففى المجتمع الذى يديره العمال حيث لا يتمثل هدف الإنتاج فى تحقيق الربح بل فى تلبية احتياجات الإنسان فان مهمة تنسيق علاقات المجتمع والطبيعة ومواجهة الكوارث الطبيعية تقترن بمبادئ النشاط الاقتصادى ذاته.