بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في سريلانكا انتصر النظام والعنصرية أيضاً

انتهت الحرب في سريلانكا، حيث نجح الجيش السريلانكي في القضاء على نمور التاميل، وفي قتل معظم قادتها، بداية من زعيم الحركة ومؤسسها فيلوبيلاي برابهاركران، وصولاً إلي قادتها العسكريين، أكثر من 280 ألف من التاميل يعيشون الآن في معسكرات توصف بأنها أشبه بمعسكرات الاعتقال، عدد القتلى مازال غير محدد حتى هذه اللحظة، تقدره بعض المصادر بــ7000 قتيل وجريح، هذا هو الفصل الأخير من قصة مأساوية ودموية، كثيراً ما تكررت في التاريخ الحديث، فماذا عن البداية؟

سريلانكا هي جزيرة كبيرة تقع في المحيط الهندي في مواجهة الساحل الجنوبي للهند، يعيش فيها أغلبية سنهالية، يدينون بالديانة البوذية، ويتحدثون اللغة السنهالية، وبها أقلية ضخمة من التاميل، يعيشون منذ قرابة الــ700 سنة، ويتمركزون في الشمال وعلى الساحل الشرقي، ولسريلانكا – التي كانت تسمي فيما مضي سيلان- تاريخ طويل مع الاحتلال، فقد تم احتلالها من قبل البرتغاليين في 1505، ثم من قبل الألمان، ثم الإمبراطورية البريطانية في 1815، والتي قامت بجلب أعداد كبيرة من التاميل من جنوب الهند للعمل بمزارع الشاي، والتاميل شعب له هوية قومية وثقافية مختلفة عن الغالبية السنهالية في سريلانكا، فالتاميل لهم لغتهم الخاصة، ويدين معظمهم بالديانة الهندوسية.

خلال فترة الاحتلال البريطاني، استغلت بريطانيا ذلك الاختلاف والتنوع العرقي، وتلاعبت به كي تضمن استقرارها في الجزيرة، فقد أعطت بعض الامتيازات للطبقة الوسطي من التاميل، بأن أعطتهم الفرصة في التعليم والعمل في بعض الوظائف الحكومية، كوسيلة لكسب ولاءهم، وقد خلف هذا مرارة لدي السنهاليين، أثرت بدورها على الحركة القومية السنهالية، التي برزت خلال القرن العشرين، وعندما تحقق الاستقلال لسيلان في سنة 1948 عن الاحتلال البريطاني، قامت الحكومة السنهالية المشكلة من الحزب الوطني الاتحادي بحرمان العمال من التاميل – الذين عملوا بمزارع الشاي والمتواجدين في البلاد منذ أكثر من 100 سنة – من حقهم في التصويت في الانتخابات، بحجة أنهم مواطنون غير أصليين، هذا بالإضافة للصعوبات التي بدأت تُفرض على التاميل في الالتحاق بالتعليم وبالعمل الحكومي، وفي انتخابات سنة 1956 ركز حزب سريلانكا الحرة “الاشتراكي” – أو هكذا يدعي الحزب – في دعايته الانتخابية في أوساط السنهاليين على ضرورة أن تصير البوذية هي الديانة الرسمة للبلاد، وكذلك اللغة السنهالية، والأسوأ هو ما تم بالفعل في 1972، عندما تم تغيير اسم البلاد من سيلان إلي سيريلانكا – الاسم القريب إلي الديانة البوذية – كما تم إعلان الديانة البوذية ديانة رسمية للبلاد، الحرب العرقية أخذت منحي جديد بعد هذا، عندما بدأت أعمال الشغب ضد التاميل، والتي نتج عنها 3500 لاجئاً، في ذلك الوقت، ومعظم هذه الأعمال تمت بتحريض وحماية الشرطة، كل هذا بدأ يحفز التاميل على القبول بفكرة الانفصال كحل لمشاكلهم، وتشكلت في 1976 ما عرف وقتها بحركة “نمور تحرير التاميل” والتي تشتهر الآن باسم نمور التاميل.

وفي 1983 وصلت الجرائم العنصرية ضد التاميل والمدعومة من الحكومة هناك إلي ذروتها، فبدأ نمور التاميل في صراعهم المسلح من أجل الانفصال بشمال شرق الجزيرة عن الحكومة السريلانكية، الحرب استمرت طوال 26 عاماً، تحولت خلالها حركة نمور التاميل إلي أكبر جيش غير نظامي تمتلكه حركة انفصالية، وتمكنت خلال هذه الحرب من السيطرة الفعلية على الثلث الشمالي من الجزيرة، وتخلل هذه الحرب أكثر من محاولة للتفاوض بين الطرفين، باءت كلها بالفشل، وتصاعدت الأمور في 2006 عندما انسحبت الحكومة من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه في 2002 بين الحكومة والحركة، وعادت الاشتباكات من جديد حتى انتهت الأمور إلي ما هي عليه الآن. لكن يمكنا القول أن القضاء على جيش تحرير نمور التاميل، لن ينهي المشكلة في سريلانكا، حيث أن العنف لن يجعل التاميل يتنازلون عن حقوقهم المشروعة.

استخدام الاختلافات العرقية والدينية أمر دائم ومتكرر في السياسة القذرة التي يتخذها المستغلون ضد الطبقات المستغلة لتقسيم هذه الطبقات وتأليبها على بعضها البعض، فقد تمكنت الحكومة من قبل في سريلانكا من كسر إضراب عمال السكك الحديدية في سنة 1912 وذلك عن طريق بث الدعاية العنصرية بين العمال السنهاليين كي لا ينضموا لزملائهم التاميل، ونجحوا في ذلك وكسروا الإضراب، لا فرق في هذا بين مستغل أجنبي وأخر وطني فحكومات سيلان الوطنية لم تتورع عن استغلال الدعاية العنصرية لحشد الجماهير السنهالية حولها ضد عدو وهمي هم التاميل مثلهم في ذلك مثل الاحتلال البريطاني، بقي أن نقول أن الحيلة القديمة لازالت تستخدم حتى الآن وبكثافة ولكن في مناطق أخري من العالم فهل تنتبه الجماهير إليها هذه المرة.