بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في إثيوبيا.. تزوير وقتل وفساد وإفقار

ليس في مصر وحدها، وإنما في كل مكان آخر في العالم، تؤكد الشواهد على أننا نعيش عصراً جديداً. الجماهير صارت تناضل ضد الفقر والحرب والديكتاتورية في كل مكان. وها هي إثيوبيا تقدم لنا مثلاً آخر على نضال الشعوب ضد مستغليها.. تعرض دينا سمك نضال الجماهير في إثيوبيا اليوم ضد الديكتاتورية، والقمع الوحشي الذي يمارسه نظام زيناوي ضدها.

تتشابه المشكلات والنضالات في كل مكان في العالم طالما أن القهر والاستبداد والاستغلال هم الوجوه التى تظهرها الطبقات الحاكمة للشعوب المطحونة. وإثيوبيا وإن كنت لا تعرف عنها ما يكفي لا تختلف كثيراً، فمنذ عدة أسابيع سقط 46 قتيلاً ما بين شباب ونساء وأطفال، وأصيب مئات آخرون أثناء محاولة الشرطة قمع مظاهرات مؤيدة “التحالف من أجل الوحدة والديمقراطية” المعارض.

ورغم أن المظاهرات الأساسية كانت في العاصمة أديس أبابا، إلا أن التقارير تشير إلى أن الشرطة قامت بقمع تجمعات أصغر حجما في مناطق أخرى وألقت القبض على الآلاف. بعدها أعلنت الحكومة أنها أفرجت عن ثمانية آلاف شخص، إلا أن لا أحد يعرف حتى هذه اللحظة عدد من أُلقي القبض عليهم في تلك المظاهرات، وإن كان البعض يقدر أن عدة آلاف منهم لازالوا قيد الاعتقال في شروط غاية في السوء حتى الآن.

وكان التحالف من أجل الوحدة والديمقراطية قد دعا إلى مظاهرات سلمية ضد تزوير الانتخابات البرلمانية في مايو الماضي، كما قرر مقاطعة البرلمان الجديد. ومن جانبها جردت الحكومة أعضاء التحالف المنتخبين في البرلمان من الحصانة وقامت بإلقاء القبض على أربعة وعشرين من قياداته أضربوا عن الطعام بعد أكثر من شهر على اعتقالهم، ولم يحرك النظام ساكناً. وبهذا أصبح على نشطاء المعارضة الآخرين أن يختبئوا خوفاً من تهمة الخيانة العظمى التى وجهت للعشرات منهم دون أى دليل، أو حتى محاولة جادة لتلفيق دليل! أما الصحفيون فقد تعرضوا للحبس والتهديد بالإعدام، فيما وصفته لجنة الدفاع عن الصحفيين في نيويورك بأنه تحد سافر حتى للدستور الإثيوبي.

وتعتبر هذه المظاهرات التى مازالات تنبئ بالمزيد، امتداداً لتلك التى بدأت في شهر يونيو الماضي، عندما قام النظام بعملية تزوير للانتخابات سقط خلالها 42 قتيلاً وجرح المئات. ولا شك أن ما دفع حكومة الجبهة الشعبية الثورية الديموقراطية لعمل ذلك هو أنها فوجئت بحجم الاصوات التى حصلت عليها المعارضة خاصة في أديس أبابا وباقي المدن. وبعد الجدل الذي دار لأسابيع بين الجبهة والتحالف حول نتيجة الانتخابات قامت الحكومة بإعلان فوزها بـ296 مقعداً من مقاعد البرلمان الـ547 وحصول المعارضة على 176 مقعداً. التحالف الذي فوجئ بحجم التأييد الشعبي الذي حصل عليه في الانتخابات أكد أنه كان يجب أن يحصل على عدد أكبر بكثير من المقاعد.

وعلى الرغم من العدد الهائل من الأصوات التى حصل عليه التحالف من أجل الوحدة والديمقراطية فإن ذلك لا يعنى أن الجماهير قد وجدت لديه الملاذ من كل مشكلات الفقر والفساد والمرض والبطالة. فالحقيقة هى أن التحالف يؤيد سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين ربما بشكل أكبر من تلك الحكومة الموجودة حاليا. أما الالتفاف الشعبي حول التحالف، الذي بات واضحاً في المظاهرات الضخمة التى شهدتها البلاد وقبل ذلك في التصويت لصالحه في الانتخابات، هو في الواقع نتيجة للمعارضة المتزايدة غير محددة المعالم للنظام القائم حالياً، ولروشتة الليبرالية الجديدة التى يطبقها. لقد زج النظام بالبلاد في حرب استمرت عامين مع إريتريا راح ضحيتها أكثر من مئة ألف شخص، وأهدرت مئات الملايين من الدولارات على شراء الأسلحة. وبعد الخروج من حرب لم تثمر شيئاً تبنى النظام الإثيوبي سياسات السوق الحر طمعاً في الدعم والمساندة الغربية.

وكما حدث في كل مكان في العالم، أثبتت سياسة الخصخصة أنها وبال على الغالبية العظمى من السكان. البن، الذي يشكل المحصول الاقتصادي الأول في إثيوبيا، انخفضت عوائده إلى أقل من النصف خلال السنوات الخمس الماضية بسبب انهيار سعره في السوق العالمية. واضطر المزارعون إلى زراعة القات ليتمكنوا من توفير قوت يومهم. ولكي تستبدل الحكومة الإثيوبية زراعة البن قامت باستثمار مبالغ طائلة في مشروعات حققت أرباحاً كبيرة للشركات الخاصة والحكومة، والمزيد من الفقر والبطالة والوظائف منخفضة الأجر للعمال والفقراء، حتى أصبح أجر العامل في إثيوبيا أقل من نظيره ليس فقط في آسيا ولكن في أفريقيا أيضاً. وتنفق إثيوبيا على تسديد الديون ـ أو بالأحرى فوائد الديون ـ أكثر مما تنفق على الرعاية الصحية مثلاً. والآن ومع ارتفاع أسعار النفط أصبح ذلك البلد الفقير مكبداً بالمزيد من الأعباء والبؤس. إننا هنا نتحدث عن بلد يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر، ويموت فيه كل عام حوالي نصف مليون طفل بسبب سوء التغذية.

وكالعادة تغمض الحكومات الغربية الداعمة لزيناوي ونظامه عيونها عن التزوير الذي وقع في الانتخابات، وعمن قتلوا في فترة الانتخابات وبعدها على يد الشرطة، بل أن الاتحاد الأوروبي الذي يقدم المعونات الأكبر لإثيوبيا اعتبر الانتخابات خطوة نحو الديمقراطية، وإن كانت خطوة محدودة. ومما لا شك فيه أن استقرار إثيوبيا يعتبر أمراً هاماً لأصحاب المصلحة من الشركات الكبرى التي تخشى على فرص استثمارها في البلاد. ومن ناحيته، ولكى يضمن ألا يمارس الغرب ضغوطاً كبيرة عليه، يهدد زيناوي بالعودة إلى الحرب مع إريتريا وهو ما يهدد “استقرار” تلك المنطقة الاستراتيجية، وقد نجح فعلاً بهذا التهديد في تخفيف الضغوط عليه.

هل يذكرك ما يحدث في اثيوبيا بحكايات مشابهة؟ بحكايتنا هنا في مصر مثلاً؟ إن الصحف العالمية تحاول أن تفسر ما يحدث في مصر، أو في اثيوبيا، أو غيرها من الدول بأنه نتاج فشل الرؤساء في تقبل الديمقراطية، أو أنه غضب جماهيري متزايد على هؤلاء الرؤساء المصرين على التمسك بكراسي الحكم، متناسية أن الأمور أكثر تعقيداً من ذلك. فروافد الغضب المتزايدة في الشارع، وإن كانت حتى هذه اللحظة لم تجد نهراً تصب فيه، هي في الحقيقة احتجاجاً على سياسات الرأسمالية بليبراليتها الجديدة وصندوق نقدها وبنكها الدولي، والتي أثمرت عن معدلات خطيرة للفقر والبطالة وعدم المساواة وزيادة الفجوة بين الإغنياء والفقراء. إنه غضب لن يهدأ بمزيد من الديمقراطية الغربية سواء هنا في مصر، أو في إثيوبيا، أو في أي مكان آخر في العالم.