بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

بعد إقرار البرلمان قانون المصالحة:

هل انتهت أزمة اليمن؟

قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة بحجة العلاج، طالب الرئيس اليمني المخلوع في خطابه الأخير جميع الأطراف السياسية إلى الالتفاف حول بعضهم البعض بالمصالحة وإعادة ترميم وإصلاح ما دمر خلال الأحد عشر شهرا من العام الماضى، كما طلب العفو من كل أبناء الوطن رجالا ونساء عن أى تقصير حدث أثناء فترة ولايته بعد تقديم اعتذار لم يكن متوقع له بين أوساط اليمنيين.

فمنذ أن اندلعت شرارة الاحتجاجات في اليمن وما تبع ذلك من اعتصام في أكبر ساحات العاصمة، والساحة السياسية على الجانب الآخر لم تهدأ من أكاذيب حوار الرئيس مع المعارضة أو من تضليل التوقيع على مبادرات التسوية من عدمه، وبعد ما يقرب من عام على اندلاع الانتفاضة لاحت المبادرة الخليجية ببنودها التي وجدت أن الاتفاق سيلبي طموحات الشعب اليمني في التغيير والإصلاح وبمرحلته الثانية سيتصالح الناس فى إطار مؤتمر وطنى عام وتنتهى المظاهر المسلحة وتفتح الطرق وتنتهى المظاهر العسكرية والمليشيات وتبنى يمناَ جديدا.

لكن على الجانب الآخر لم يكن متوقعا أيضا أن تنتهي الانتفاضة التي دفع ثمنها مئات الشهداء واختفى الكثير في ظلمات سجون الديكتاتور وتم تدمير مباني ومنشآت بعمليات عسكرية من ميلشيات الرئيس، لم يكن متوقعا أن يؤدي بساط أحمر من دماء الشهداء إلى قاعة يقترع فيها الأطراف كؤوس المصالحة ويصفقون لعودة بن صالح كرئيس للمؤتمر الشعبي الحاكم الذي ترأسه سلفا وكأن شيئا لم يكن ودون أي اعتبار لانتفاضة الشعب وإرادته. فقانون الحصانة الذي أقره البرلمان لم يمنح فقط بن صالح الحصانة الكاملة من الملاحقات القضائية والقانونية، بل منح المسئولين أيضا الذين عملوا مع الرئيس في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية حصانة من الملاحقة الجنائية فيما يتصل بأعمال ذات دوافع سياسية قاموا بها أثناء أدائهم للمهام الرسمية، وهي في الحقيقة مفهوم مطاطي يندرج تحته بسهولة كل الجرائم التي ارتكبت بحق أبناء الشعب المدنيين.

لا يمكن فصل القانون عن الإطار المزعوم لحل أزمة اليمن, فالمبادرة الخليجية التي زعمت انتقال السلطة بشكل سلمي مثلت الثقل لموازين سياسية لم تحسم الأوضاع لصالح المعارضة والثوار من جانب أو لصالح الرئيس وحكومته من جانب آخر، فطيلة شهور طويلة استمر الثوار في اعتصامهم واستمرت السلطة في تحكمها الأمني والعسكري بمؤسسات الدولة حيث بدت مظاهر قوة الطرفين متوازنة برغم عدم التكافؤ، المبادرة هنا حسمت الأوضاع لصالح إنقاذ نظام سياسي طالما تحالف مع السعودية في محاربة الحوثيين أو تهيأت أراضيه لاستقبال قواعد عسكرية أمريكية بالمنطقة، لعل ذلك ما جعل المبادرة مقبولة لدى الرئيس.

المبادرة وجدت أن إنقاذ الرئيس من المأزق السياسي لن يتم إلا بالحفاظ على كل أدواته في الدولة كالملفات العسكرية والمجالس التشريعية كالبرلمان الذي يجتاح أعضاء حزب المؤتمر الحاكم ما يقارب 85% من مقاعده، وفيما عدا ذلك سيتعرض الرئيس إلى المطلب الثاني لدى الجماهير بالمحاكمة عما اقترفه من جرائم. السلطة هنا انتقلت فعلا بالشكل السلس والآمن كما أرادت المبادرة لكن بتنصيب نائب بن صالح كرئيسا للبلاد وإعفائه هو الآخر من المسائلات القانونية باعتباره نائب سابق للديكتاتور، السلطة أيضا انتقلت بشكل آمن لنواب البرلمان بتمديد بقائهم عامين آخرين أو بعبارة أخرى بتحولهم من نواب المجلس المزور إلى نواب الشعب في المرحلة الانتقالية التي يفترض أن تكون ثورية وتحل المجلس كله.

سلمية انتقال السلطة التي أقرها النواب بموجب بنود المبادرة لم تقصد سلمية الأوضاع لحل الأزمة السياسية بقدر ما تقصد سلمية الخروج الآمن لحليف هام بالمنطقة، فحتى لو افترضنا أن التوقيع على المبادرة هي الأكثر الحلول طرحا في ظل أزمة عنيفة بلا مخرج، فماذا لو رجع الرئيس ليتقاسم العملية السياسية باعتباره رئيس حزب المؤتمر الشعبي؟ ماذا عن أنصار الرئيس المسلحين الذين يستهدفون المعارضة حتى الآن بالتصفية الجسدية؟ ماذا عن استيلاء أقارب الرئيس السابق على المناصب القيادية في المؤسسات الحكومية والعسكرية والأمنية منها الحرس الجمهوري والقوات الجوية والبحرية والبرية والدفاع إلى جانب الأمن المركزي والأمن القومي وقيادة المعسكرات والمناصب الإدارية وفي ظل 35% نسبة البطالة و45% من السكان تحت خط الفقر؟ هل ستخرج نتائج المبادرة بنفس المشهد الرومانسي الذي رسمته بنهاية سعيدة ليمن سعيد يقف فيه المنتفعين بعرض الطريق ضد شعب أراد الحياة؟

التاريخ أثبت أن كل مساعي التوفيق بين القاتل والمقتول ستبوء بالفشل لأن ببساطة الثورات لا تعرف الحلول الوسط، لا يمكن الحديث عن مصالحة في اليمن أو عن خروج آمن للمجلس العسكري في مصر طالما الجرائم مستمرة والدماء تسيل والنظام مازال قائما بكافة أركانه.

الخروج الآمن هو مصطلح خاص للثوار بخروج ثورتهم آمنة منتصرة ولا يخص أعداء الثورة، وقبل بناء دولة جديدة بوفاق وطني لابد من هدم كل النزاعات الوطنية والمسئول عنها بقايا نظام قائم يصارع موته وحياة الشعوب على حد سواء.