بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

تقرير حول الهجمات الجديدة:

هل تستعد اسرائيل لحرب جديدة على غزة؟

*نشر المقال لأول مرة في أبريل 2011 بجريدة العامل الاشتراكي الإلكترونية الأمريكية، تصدرها منظمة الاشتراكيين الأمميين بالولايات المتحدة

قبل أيام، شارك المئات في تشييع جنازة ثلاثة من أعضاء حركة “حماس” كانوا قد لقوا حتفهم جراء ضربة جوية إسرائيلية استهدفت السيارة التي كانوا يستقلونها قرب منطقة “خان يونس” في الأول من إبريل. أتى هذا الحادث بعد مرور أقل من عشرة أيام على الغارات الجوية الإسرائيلية والتي شنتها يوم الثاني والعشرون من مارس 2011 على شرق مدينة غزة مما أسفر عن مقتل أربعة من أعضاء حركة الجهاد الإسلامي وأربعة مدنيين، بينهم ثلاثة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و16 و17 عام وذلك في هجومين منفصلين. كما أصيب تسعة عشر فلسطينياً في غارات جوية شملت جميع أنحاء قطاع غزة.

أولئك هم بعض الضحايا نتيجة إقدام إسرائيل على القصف الجوي لسكان غزة، ملوحة في ذات الوقتٍ بما هو أسوأ في المستقبل. ويعكس هذا التصعيد الوحشي الشعور المتنامي بين القيادة السياسية في إسرائيل، بأنه قد حان الوقت لإتخاذ خطوات دراماتيكية لمواجهة الشعور المتزايد لدى إسرائيل بالعزلة في الشرق الأوسط المنتفض ضد الحكام المستبدين المدعومين من الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.

احتجاجات فلسطينية

لقد اجتاحت روح الثورة الشعبية الضاربة في الشرق الأوسط الشباب الفلسطيني، وكانت هي القوة الدافعة وراء الدعوة لمظاهرات الخامس عشر من مارس والتي جابت الأراضي الفلسطينية، فاحتشد المئات في رام الله والخليل ونابلس وبيت لحم في الضفة الغربية. كما تجمع الآلاف في مدينة غزة. وتدفق الشباب إلى الشوارع للمطالبة بوحدة وطنية بين حماس وفتح في مواجهة الاعتداءات الاسرائيلية المستمرة.

اشتعل تويتر، وانتشرت جماعات الفيس بوك الداعية للتظاهر، مثل الفطر ونشط المدونون بمعدل غير مسبوق، سواء من داخل الأراضي الفلسطينية أو خارجها. كان هذا هو الحال طيلة الأيام والأسابيع التي سبقت المظاهرات الشعبية في الخامس عشر من مارس والتي دعا إليها ائتلاف من مجموعات الشباب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، والذين تأثروا بالانتفاضات الشعبية العربية وأصابتهم عدوى الثورة والتوق للحرية التي انتشرت في أرجاء المنطقة. وهدفت المظاهرات لتعبئة أكبر عدد من الفلسطينيين للضغط على الحكومة التي تديرها حماس في غزة، والسلطة الفلسطينية بقيادة فتح في الضفة الغربية، لإنهاء الانقسام الذي دام لأربعة أعوام.

وشهدت مدينة غزة أضخم تظاهرة، حيث شارك فيها عدة آلاف، ووفقاً لمتحدث باسم حماس، تواجد في رام الله، فإن الشباب الفلسطيني قضوا الليلة التي سبقت الاحتجاجات في الخيام، كما بدأ بعضهم إضراباً عن الطعام. وفي اليوم التالي، أبدى زعيم فتح ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس استعداده لأن يقوم بزيارة غزة بهدف الحوار مع المحتجين، ولكن لم تظهر آياً من فتح ولا حماس أية نية بشأن الوحدة. وعوضاً عن هذا، يطمع كل طرف لاستغلال الدعوة إلى وحدة وطنية لمتابعة جدول الأعمال الخاص بكل فصيل، في نفس الوقت الذي يتم فيه قمع الاحتجاجات، فالكل يطمع في وسيلة تؤمن له تحقيق أغراضه الخاصة.

وكانت حركة فتح قد تضررت إثر تسرب بعض الوثائق الفلسطينية، والتي تحوي رسماً تفصيلياً يوضح ما هو معروف بالفعل: فقيادة السلطة الفلسطينية قد وافقت على نحو مشين على تقديم تنازلات تاريخية لإسرائيل في حين أنها لم تتلقى أي شئ تقريباً في المقابل.

لذلك تطمع قيادة السلطة الفلسطينية في استغلال “احتجاجات الوحدة الوطنية” لدرأ اللوم على الحالة المؤسفة والمتوقعة من “عناد” حماس ورفضها للعمل بالمشاركة مع فتح والسلطة الفلسطينية، وذلك بالرغم من حقيقة أن فتح والسلطة الفلسطينية، بالتعاون مع اسرائيل، هم الذين استولوا على السلطة في انقلاب عام 2007 بعد فوز حماس في الانتخابات في العام السابق.

وبالإضافة إلى ذلك، دعت السلطة الفلسطينية لإجراء الانتخابات البلدية في يوليو وانتخابات تشريعية ورئاسية في سبتمبر، ولكن حماس ترى في ذلك محاولة لإحكام قبضة السلطة الفلسطينية على السلطة بالوسائل الانتخابية. حماس أيضا لا تريد الانجرار إلى ما تعتبره تنازلات غير مقبولة مع اسرائيل بشأن المسائل الأمنية. وعلى المدى القربيب، تبدو التوقعات بشأن التغلب على الخلاف السياسي الذي أدى إلى انقسام الشعب الفلسطيني خافتة، وهذا تحديداً ما تريده الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو.

“لا يمكنك أن تحظى بالسلام مع كل من اسرائيل وحماس”. هكذا حذر نتنياهو عباس يوم الثامن والعشرون مارس. ناصحاً إياه باختيار السلام مع اسرائيل. وقد جاء ذلك تعقيباً من قبل نتنياهو على بيان عباس الذي صرح فيه بأن السلطة الفلسطينية على استعداد للتخلي عن 470 مليون دولار من المساعدات المالية السنوية التي تتلقاها مباشرة من الولايات المتحدة في سبيل تحقيق وحدة وطنية مع حماس. وصرح “أحمد عزام” أحد مستشاري عباس: “بالطبع نحن في حاجة إلى الأموال الأمريكية، لكن اذا كانوا يستخدموا ذلك كوسيلة للضغط علينا، فنحن على استعداد للتخلي عن هذه المساعدات.”

وعلينا أن ننتظر لنرى ما إذا كانت السلطة الفلسطينية على استعداد حقاً للتخلي عن مثل هذا المبلغ المالي الضخم أم لا، ولكن الأمر الملح الآن هو أن السلطة الفلسطينية ستجد نفسها مضطرة للرد على الاحتجاجات المتزايدة المطالبة بوحدة وطنية في مواجهة القمع الاسرائيلي – ومواجهة الثورات الإقليمية التي تجعل من السلطة الفلسطينية هدفاً للتمرد بسبب تعاونها في الماضي والحاضر مع حكومة نتنياهو.

الثورات العربية والحصار على غزة

أثارت الثورات العربية أيضاً القلق لدى المؤسسة السياسية الإسرائيلية. فحصار إسرائيل لقطاع غزة كان من المستحيل حدوثه بدون تعاون الديكتاتور المصري والحليف القوي للولايات المتحدة “حسني مبارك”. كما إن الثورة التي تهز النظام السوري الديكتاتوري، والتي لطالما اعتبرت عدواً لإسرائيل، تحمل في طياتها قدراً كبيراً من الشكوك حول النظام الذي سيصل للحكم.

وبالتالي فإن إسرائيل تهدف بحملتها الإرهابية لقصف غزة إلى تعميق الخلافات الاستراتيجية والتكتيكية بين الفصائل الفلسطينية المختلفة في محاولة لإحباط أي إمكانية للوحدة وكذلك للإشارة إلى أنها على استعداد لأن تمطر مزيداً من العنف على الفلسطينيين. وقد ساهمت وسائل الإعلام الرئيسية، وخاصة في الولايات المتحدة ، في تصوير الهجوم الاسرائيلي على قطاع غزة بأنه كان للدفاع عن النفس، على الرغم من طبيعته الهجومية الواضحة.

مثال على ذلك أن القنبلة التي انفجرت في محطة للحافلات في القدس في الثالث والعشرون من مارس والتي قتل فيها شخصاً واحداً وأصيب ثلاثون آخرون، تصدرت عناوين الأخبار في مختلف أنحاء العالم، ولكن القصف الاسرائيلي الذي أودى بحياة أربعة مدنيين في اليوم السابق لحادث القدس لم يحظى بأية تغطية إعلامية تذكر. يبدو أن وفاة المدنيين الفلسطينيين في غزة لا تماثل وفاة المدنيين داخل اسرائيل.

وبالمثل، كرست الصحافة مساحات كبيرة من التغطية على واقعة إطلاق صواريخ القسام من قطاع غزة للمرة الأولى منذ سنوات. وذلك بالرغم من أن سقوط الصواريخ الفلسطينية بشكل عام يكون من دون تأثير ودائماً ما يكون في الصحراء، الصواريخ من قبل الفصائل الفلسطينية على جنوب اسرائيل باعتبارها شكلا من أشكال الاحتجاج الرمزي على العنف الإسرائيلي. ومع ذلك فإنه يتم وصف استخدام إسرائيل لمدفعية أقوى بكثير وشنها للغارات الجوية ضد المدنيين بأنها “دفاعية”.

والشعور المتزايد بالعزلة داخل المؤسسة الإسرائيلية يتجاوز قلقها إزاء الثورة العربية الإقليمية والضغوط المتزايدة من أجل الوحدة الفلسطينية. فعلى الصعيد الدولي، تواجه إسرائيل أيضاً تحديات متزايدة.

أولاً، بالرغم من أن بعد سقوط مبارك لم تفتح مصر معبر رفح الحدودي حتى الآن، ولكن هناك احتمال لحدوث هذا، ووفقاً لتصريح الناشط الغزاوي “حيدر عيد” : يلح علينا الآن سؤالاً يبحث عن إجابة حول مستقبل العلاقة المصرية الفلسطينية. فمعبر رفح مفتوح “جزئيا” لعدد قليل من المسافرين، ولكن لا يسمح بمرور السلع، والغذاء أو الدواء. ويضطر بعض الفلسطينيين للعودة كل يوم، والقرار الذي اتخذته الحكومة السابقة بعدم السماح لسكان غزة الدخول عن طريق مطار القاهرة لا يزال سارياً. ولكن فتح معبر رفح سيكون بمثابة تغيير كبير في حالة المواجهة مع إسرائيل.

ثانياً، هناك اسطول دولي يتكون من عشرون سفينة تحمل المئات من الناشطين من أربع وعشرين بلداً تستعد للإبحار في أواخر مايو في محاولة لكسر الحصار على قطاع غزة. وسيكون توقيت الإبحار متزامناً مع الهجوم الذي شنته إسرائيل في الحادي والثلاثون من مايو من العام الماضي على قافلة “الحرية” عندما كانت متجهة إلى غزة، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل تسعة من نشطاء حقوق الإنسان، على أيدي قوات الكوماندوز الإسرائيلية.

ويشعر المسئولون الإسرائيليون بالقلق حيال الاهتمام ولفت الأنظار الذي تثيره تلك القوافل بشأن الحصار المفروض على قطاع غزة،, لقد بدأت إسرائيل بالفعل حملة إعلامية لتشويه صورة الجهود المبذولة لتقديم المساعدات الانسانية لسكان غزة

ففي الأول من إبريل، ناشد نتنياهو الأمين العام للأمم المتحدة “بان كي مون” وطالبه ببرهاناً يؤكد التزام الأمم المتحدة بنصوص اتفاقية حقوق الإنسان والقانون الدولي وطالبها بالتدخل لوقف الأسطول، التي وصفه بأنه تكتل من “الإسلاميين المتطرفين .”وجاءت الخطبة العصماء التي ألقاها نتنياهو بشأن القافلة البحرية المنتظرة مثيرة للضحك.

“نحن مستاؤون للغاية من هذا التحريف الفاضح ” هكذا عقب “رامي عبده” المتحدث الرسمي باسم الحملة الأوروبية لكسر حصار غزة، وأوضح قائلاً أن ائتلاف النشطاء الذي يعد السفينة الأمريكية للإبحار ضمن الأسطول الدولي يضم أشخاص من مختلف مناحي الحياة، فمن بينهم المحامون والأخصائيون الاجتماعيون والفنانين ورجال الإطفاء والقابلات والكتَاب والأطباء والسينمائيين، وبعض المتقاعدين من أفراد الجيش الأميركي، وقدامى المحاربين، وبعض النشطاء في مجال حقوق المرأة والمدرسين والممرضات . ”

ورداً على كذب ونفاق نيتنياهو، صرح رامي قائلاً:
نحن بدورنا ندعو الأمم المتحدة لأن تتذكر الهدف من إنشاءها كما جاء في ميثاقها : قمع ورد العدوان ، وتسوية المنازعات وفقاً لمبادئ العدالة والقانون الدولي. لا يوجد شيء في القانون الدولي يدعم أربعة سنولت طويلة من الحصار الإسرائيلي على غزة، أو يسمح لإسرائيل باستخدام العنف لوقف تسليم الشحنات الإنسانية. وفي الواقع، إذا كان للأمم المتحدة حق التدخل في كل شيء، فينبغي أن يكون هذا التدخل لصالح الأسطول الأعزل، الذي يسعى فقط للسماح بعودة الحركة للناس والبضائع من وإلى غزة، وهو الأمر الضروري لإنقاذ الوضع الاقتصادي لحوالي مليون نسمة من سكان قطاع غزة.

المقاطعة الدولية

أما التحدي الثالث الذي يواجه إسرائيل على المستوى الدولي فهي حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات الموجهة ضدها. ففي جميع أنحاء العالم، كل يوم هناك المزيد والمزيد من النشطاء والطلاب والمثقفين والفنانين الرافضين للتواطئ مع الاحتلال الاسرائيلي ونظام الفصل العنصري. وهذا يعني مقاطعة البضائع الإسرائيلية ، وقطع العلاقات مع المؤسسات الأكاديمية والثقافية الاسرائيلية، والضغط على الشركات والمؤسسات المالية الأخرى لحثها على وقف استثماراتها في اسرائيل.

كان “روجيه ووتر” عضو فريق “بينك فلويد” قد أعلن في الحادي عشر من مارس عن تأييده لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات. قائلاً في عام 1980 ، منعت أغنيتي ” لبنة أخرى في جدار” الجزء الثاني من جانب حكومة جنوب أفريقيا لأنها كانت تحث الأطفال السود على المطالبة بحقهم في التعليم بشكل متساوي مع البيض. وهكذا فرضت حكومة الفصل العنصري هذا الحصار الثقافي، إذا جاز التعبير، بمنعها بعض الأغاني، ومنها أغنيتي. وكرد فعل لهذا الحظر رفض الفر يق عروضاً بالغناء في منتجع “صن سيتي” بجنوب أفريقيا، حتى سقط نظام الفصل العنصري و تمتع كل من السود والبيض بحقوق متساوية. ونحن الآن أيضاً نرفض الغناء داخل إسرائيل حتى يأتي اليوم – وبالتأكيد سوف يأتي – الذي سينتهي فيه الاحتلال وحينها سينعم الفلسطينيون بالسلام والعدالة والحرية والكرامة.