بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حملة 26 أكتوبر: قيادة المرأة السعودية للسيارة

حملة 26 أكتوبر التي دشنتها مجموعة من النساء السعوديات للمطالبة برفع الحظر الذي تفرضه الدولة على قيادة المرأة للسيارة هي ليست الحراك النسوي الأول في هذا الصدد، بل سبقتها العديد من الحملات والتحركات التي تطالب بنفس الحق، وكان أولها الحراك النسوي في التسعينيات والذي تزعمته حوالي 50 امرأة من نساء المجتمع البرجوازي وكان وقتها حراكا عشوائيا وليس عبر حملة شعبية منظمة ثم تلته محاولات فردية لكسر هذا الحظر، ومثال على ذلك ماقامت به بعض الناشطات الحقوقيات أمثال وجيهة الحويدر وفوزية العيوني عندما قدن سياراتهن في يوم المرأة العالمي في محاولة لتحريك الملف الحاضر الغائب، تبع ذلك حملة قامت بها الناشطة منال الشريف ومجموعة أخرى للمطالبة بالقيادة تحت شعار “Drive your life”.

وشخصيا اعتبر هذا الشعار من أكثر الشعارات جذرية والتي رفعت بهذا الشأن، حيث حوى الشعار دلالة عميقة لأهمية تحرر المرأة وإدارتها لحياتها بالمجمل وليس فقط قيادة السيارة، بخلاف الحملة الحالية والتي شعاراتها هي أقرب للمطالبة اليائسة.

حق قيادة السيارة ومنظومة اضطهاد المرأة السعودية
في الحقيقة عند الحديث عن حق قيادة السيارة هو في جوهره حديث مباشر عن منظومة الاضطهاد الذي يُمارس ضد المرأة، وهنا يكمن صلب التحليل العلمي الذي نستند إليه بعكس الموشحات الطويلة التي يسردها جناحي السلطة الإسلامي والليبرالي، فاستلاب حق المرأة في حرية الحركة والتنقل هو بالتأكيد ليس تطبيقا لنص شرعي آلهي، كما إنه ليس درءا لإشكاليات اجتماعية كما يتبجح بعض المحافظين، بل هو من صميم المشروع الاستبدادي الذي يقوم عليه نظام الحكم في السعودية.

حرمان المرأة من حرية الحركة هو ذاته حرمانها من إنسانيتها واستقلاليتها وبالتالي اندماجها في المجتمع وقمع حريتها المكبلة أساسا بنظام الوصاية من قبل الرجل والذي تفرضه الدولة. إذن هو استكمال لمنهج الإذلال والإقصاء المتعمد، وتتذرع الدولة في ذلك بأنها تطبق الشريعة الإسلامية، بل وتتوج منظومة الاضطهاد تلك عبر أجهزتها الدينية. تجسدت السلطة الدينية في الزيارة التي قام بها بعض المشايخ إلى الملك قبل أيام لمطالبته بعدم السماح للنساء بقيادة السيارة!

إن الثورات العربية صنعت وعي ثوري جديد في تاريخنا الراهن وامتدت آثاره إلى أعنف الدول رجعية واستبداد وهي السعودية، فقام حراك ثوري شعبي في القطيف وحراك حقوقي في كافة أرجاء المملكة متزامنا مع حراك نسوي يطالب بمختلف الحقوق منها قيادة السيارة. هذا الحق البديهي الذي أصبح القضية الأساسية للنقاش على شبكات التواصل الاجتماعي والصحف ليتسائل البعض: لماذا نطالب بقيادة السيارة بينما هناك حقوق أخرى أكثر أهمية لم نحصل عليها بعد؟!

إن بعض المطالب الحقوقية الثانوية تُشكّل أهمية كبيرة، ولا يُمكن تحجيمها على اعتبار إنها مطالب هامشية، بل لها دلالات في غاية الأهمية. بعض الحقوقيين يعتقدون بأن المطالب تؤخذ عبر الأولويات وتُعطي واحداً تلو الآخر، بينما لو عدنا إلى تاريخ الحركة الاحتجاجية، سنجد بأن المطالب تؤُخذ عبر الصراع والنضال في الشارع وتحصل الشعوب من خلالها على حقوق متفاوتة في الأهمية.

وكما أن حرمان المرأة من حقها في قيادة السيارة هو صورة من صور اضطهادها في المجتمع الرأسمالي المحلي الذي يراد لها فيه أن تكون كائنا مفككا عديم الفائدة وأيضا يتم استغلاله، بمعنى أن تعيش ربّة منزل بالمجان وفي نفس الوقت لا تُهمل سوق العمل، لأن للسوق الرأسمالي احتياجات ومنها بالطبع اليد العاملة. ويجب عليها أن تكون قدم في المنزل وقدم في العمل، قلب في المنزل، وعقل في العمل، والأيادي بين الجهتين. لابد أن تكون المرأة ذلك الكائن المفكك المضطهد كي ينجح مشروع العائلة المثالية والحلم البيزنطي في المنظومة الرأسمالية وحلم المرأة الجوهرة “التابعة” في المنظومة الدينية، وفي الجهة المقابلة إن المطالبة بحقها في قيادة السيارة هو من صلب المنهج الإصلاحي البرجوازي، فحين نرى عشرات المقالات والتنظيرات في أهمية حقوق المرأة وأهمية قيادتها للسيارة وانعكاساتها الاقتصادية العظيمة على الاقتصاد السعودي عبر التخلص من آلاف السائقين الأجانب “في تكريس مبطن لحملات الدولة ضد الأجانب واستهدافهم وتشريدهم”، لا نرى في المقابل أي استنكار من قبل ذلك التيار الإصلاحي لممارسات الدولة القمعية بحق النساء في الاعتصامات التي حدثت في بريدة للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، ولا في اعتصامات القصيم عندما تعرضت النساء للضرب والاعتقال، ولا عندما تعرضت سجينات سجن ذهبان في جدة للاغتصاب على يد حماة الأمن، ولم نرى أي حراك اجتماعي من جانب دعاة الإصلاح للوقوف بمعاناة النساء الكادحات ومايتعرضن له من إذلال ممنهج!

فلو نظرنا في تاريخ الحركات الإصلاحية المطالبة بحقوق المرأة وقيادتها للسيارة لا يمكننا حقيقة تلمس أي أفق ثوري للتغيير الجذري الحقيقي في منظومة الاستبداد التي نعيشها، حيث رأينا كيف أن مجموعة كبيرة من عضوات مجلس الشورى الهزلي يرفضن توصيات قُدمت من عضوات أخريات بطلب السماح للمرأة بقيادة السيارة وتم الرفض بدعاوى عدم الاختصاص، ورأينا كيف تم التعاطي مؤخرا في مؤتمر مجلس حقوق الإنسان في جنيف بخصوص وضع المرأة في السعودية والمبررات المسرحية التي سردها وفد المملكة برئاسة رئيس مجلس حقوق الإنسان في السعودية بندر العيبان والذي استهل خطابه بمبادرات المملكة في دعم الاقتصاد والازدهار المالي العالميين في إشارة واضحة لدور السعودية في تكريس المنظومة العالمية الرأسمالية والذي كان كفيلا بتقدير الدول الأعضاء واكتفائهم بتوصيات هزلية ودليلا صارخا على أن حقوق الإنسان والمرأة هي مجرد أداة سياسية تُستخدم في مراحل تضارب المصالح وبما يخدم سلطة رأس المال.

وعودة لبيان حملة 26 أكتوبر، نجد أن البيان يطالب الدولة بإتاحة الفرصة للنساء اللواتي يستطعن القيادة ويملكن تراخيص من دول أخرى بأن يقدن سيارتهن! لكن ماذا عن النساء اللواتي لم تسعفهن المعيشة وظروف الحياة بأن يسافروا ويتعلموا في دولة أخرى؟ كيف يمكن للحق كحق أن يكون انتقائيا؟. في المقابل لا يمكننا أيضا اختزال حق قيادة المرأة للسيارة على اعتبار إنه يُمثّل مساعي الحركة البرجوازية ولا يمت بصلة للشرائح الاجتماعية المختلفة، تلك نعتبرها اختزالية رديئة لا تتفهّم التحولات التاريخية في الصراع، فعندما بدأت المطالبة بحق القيادة من منظور برجوازي بحت، كما ذكرنا في المقدمة، عبر خروج مجموعة من النساء البرجوازيات وقيادتهن للسيارة في أوائل التسعينات أثناء حرب الخليج كن جميعهن من عائلات معروفة في منطقة الرياض، و لم يكن تعويلهن على مواجهة السلطة و النضال من أجل هذا الحق، بل كان تعويلهن على الإعلام الغربي وتواجد الجيش الأمريكي في المنطقة وضعف السلطة المحلية بتلك الحقبة، لكن بالرغم من ذلك تم إيقافهن بحزم من قبل السلطات وانتهت بذلك الحركة الاحتجاجية وانتهت بها مطالبهن بتلك المرحلة. أما اليوم، وبرغم المشاركة العنيفة للإصلاحيين البرجوازيين في هذا الصدد، لكننا نرى أيضا تواجدا حقيقيا لشرائح اجتماعية مختلفة في المطالبة بحق المرأة بقيادة السيارة، وخرجت نساء من عدة مدن مختلفة وشهدنا تصعيدا ملحوظا في الحراك النسوي.

ان الوعي البرجوازي ليس وعيا واحدا، بل يوجد مشايخ برجوازيون ونساء برجوازيات يُحرمون قيادة المرأة للسيارة ويقفون بوضوح مع الطبقة الحاكمة لتكريس الاستبداد والاستغلال الطبقي كما صرحت بذلك بعض النسويات المطالبات بالقيادة بأن حملة 26 أكتوبر هي حملة موالية لنظام الحكم الاستبدادي وليست ضده! ولقد رأينا يوم أمس رد الداخلية على هذه الحملة وعلى تلك الولاءات الشوفينية، حيث “صرحت وزارة الداخلية إنها ستتعامل بحزم  وبقوة بكل ما يخل بالسلم الاجتماعي ويفتح باب الفتنة ويستجيب لأوهام ذوي الأحلام المريضة من المغرضين والدخلاء والمتربصين”.

وهناك أيضا برجوازيون لا يملكون أي استعداد للدخول في النضال، بالرغم من إنهم يحلمون بدولة مدنية، إلا أنهم ليسوا على استعداد بأن يخسروا امتيازاتهم الحالية، بل هم مستفيدين من النظام الحاكم ويحاولون تأييده. وهناك برجوازيون من شرائح الشباب يريدون التغيير الجزئي و اختزال الحركة النسوية في المطالب الهامشية كما لو إنها هي الحقوق الوحيدة ولأن التحرر الحقيقي من أغلال الاستبداد المادي والاجتماعي لا يُمثّل مصالحهم الطبقية.

إذن، المسألة أكثر تعقيداً من ذلك، و ليس صحيحاً بأن حق المرأة في قيادة السيارة يُمثّل الطبقة البرجوازية، فعندما تخرج مجموعة من المعلّمات في باص صغير للذهاب إلى مدرسة في قرية أو مدينة نائية، ويتعرضن للاستغلال المادي، حينها سيكون فعلا من مصلحتهن قيادة السيارة. فهي هنا تكون وسيلة للوصول إلى مراكز العمل، عدم توفر الوسائل يُعيق المرأة على صعيد الحركة، وحصول هذا الحق يُعتبر مكسبا ضروريا لاستقلال المرأة وخوض مختلف المعارك الحقوقية الأساسية.

إن أهمية هذا الحق تكمن في أهمية الصراع ضد النظام الطبقي الجائر في السعودية بمختلف أشكال النضال، حيث نعيش مرحلة حساسة جدا تسعى فيه الطبقات الحاكمة محليا وإقليميا لتمييع الصراع الطبقي واختزاله في صراعات إسلامية علمانية، خاصة بعد سقوط حكومة الإخوان في مصر وإحياء الفاشية العسكرية، ومايحدث من عبث إسلامي علماني وليبرالي على الساحة المحلية ومحاولات كل طرف إثبات أن الآخر هو عدو التغيير، حينها تظهر الطبقة الحاكمة بالضرورة على إنها الأب العاقل الذي يستند إلى سياسات توفيقية بين أبنائه!.

التناقضات التي سيخلقها الحراك الشعبي في قضية قيادة المرأة للسيارة هي بالتأكيد مهمة ويمكن من خلالها تأجيج الصراع الطبقي وخلق أرضية أكثر جذرية للمطالبة بكافة الحقوق.  

إن وصول المرأة السعودية  إلى هذه المرحلة من الوعي الحقوقي، لم يأتي من فراغ، بل بعد معارك ضارية ونضالات مهمة أكسبت المرأة موقعا استراتيجيا في الصراع. فبعد نضال المعلمات ضد وزارة التعليم، والحركة الطلابية، والاحتجاجات ضد الداخلية والمشاركة الفعلية في الحراك الثوري في القطيف، أصبحت المرأة اليوم قادرة على فرض إرادتها. ومن الضروري تعميم تلك التجارب الثورية، وإدراك آفاق النضال ومستقبل الحراك الذي يتجاوز حق قيادة السيارة إلى مختلف الحقوق الأخرى.