بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حقائق حول حرب غزة

العدوان الإسرائيلي على غزة، الذي أطلق عليه البعض الحرب العربية الإسرائيلية السابعة، هو بلا شك واحد من أكثر المحطات بربرية في تاريخ الصراع مع الصهيونية. فخلال ثلاثة أسابيع من القصف المتواصل ألقت إسرائيل 1000 طن متفجرات على القطاع. وكانت نتيجة القصف الوحشى استشهاد نحو 1500 شخص وإصابة أكثر من 5500 آخرين. واستخدمت إسرائيل أسلحة محرمة دوليا، على رأسها قنابل الفوسفور، وأسلحة أمريكية تمت تجربتها للمرة الأولى.

لكن ما ميز هذه المذبحة ليس فقط حجم الدمار الهائل، ولكن حالة الالتباس التي خلقتها، خاصة في مصر، بشأن المسئولية عما حدث، والموقف من المقاومة، وما الذي يجب عمله لمساندة الشعب الفلسطيني.

وفي حقيقة الأمر، تذكرنا هذه الحالة بما حدث في يوليو 2006، حينما ألقى الكثيرون بالمسئولية على حزب الله بسبب قيامه بأسر جنديين إسرائيليين. غير أن حالة غزة لا شك أكثر حساسية، ليس فحسب لأن حجم القتل هذه المرة يفوق ما حدث في لبنان، ولكن أيضا لأن هذه الحرب مست مصر بشكل مباشر، لأنها وقعت على حدودها الشرقية، ولأن مصر كانت طرفا أساسيا في عمليات الوساطة السابقة على العدوان.

حقائق غائبة

قد يكون مفيدا الإشارة إلى عدد من الحقائق التي كان بعضها في الماضي من البديهيات، لكنها غابت – أو غُيبت – في الأعوام الأخيرة. أول هذه الحقائق أن فلسطين أرض عربية. قبل وعد بالفور عام 1917 كان عدد السكان اليهود بها لا يزيد عن 10% ولا يملكون سوى 5% من الأرض. وعندما اكتشفت القوى الإمبريالية أهمية الشرق الأوسط باعتباره صاحب أكبر احتياطي للنفط، أصبح ضروريا خلق دولة تلعب وظيفة كلب الحراسة الذي يجهض أي مشروع معادٍ للامبريالية في المنطقة. ومثلت المحرقة النازية ضد اليهود في ألمانيا وشرق أوروبا الذريعة لإقامة وطن قومي لليهود على جثة الشعب الفلسطيني. وخلال عقود، وبفضل الدعم البريطاني، توسعت الهجرة اليهودية وشُكلت العصابات الصهيونية لقتل وترويع الفلسطنيين. وأدت هزيمة الجيوش العربية في 1948 إلى ضياع 79% من مساحة فلسطين، بينما نتج عن هزيمة 1967 ضياع ما تبقى من أرض فلسطين.

الحقيقة الثانية إن حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في المقاومة هو حق مشروع، ليس فقط من الناحية الإنسانية والأخلاقية، ولكن أيضا وفقا للمواثيق والمعايير الدولية، التي نعلم أنها صُممت من أجل تحقيق مصالح الدول الأقوى. ولا يسقط هذا الحق نتيجة التوجه الأيديولوجي الذي تتبناه المقاومة، يساريا كان أم قوميا أم إسلاميا.

ثالثا، إن قوة المقاومة لم تكن يوما مساوية لقوة الاستعمار، لا في فيتنام ولا الجزائر ولا جنوب أفريقيا ولا غيرها. دائما كان توازن القوى في صالح الاستعمار، لكن فلسفة المقاومة ترتكز على محاولة إحداث أكبر قدر ممكن في الخسائر في صفوف الاحتلال، حتى تصبح تكلفة الاستعمار أعلى من القدرة على تحملها. وفي هذا السياق، كان إستهداف المدنيين لترويعهم وتأليبهم على المقاومة هو سياسة استعمارية ثابتة.

رابعا كان تبني المقاومة ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأسها حركة فتح، خيار “السلام” هو الأساس الذي برزت بسببه حركة حماس كبديل مقاوم للاستسلام الفتحاوي. فقد قبل المجلس الوطني الفلسطيني في 1988 حل الدولتين الذي يعني الاكتفاء بـ 21% من أرض فلسطين. ثم توقفت الانتفاضة الأولى – التي دشنت دخول الحركة الإسلامية ممثلة في حماس في الصراع – وخاض ياسر عرفات عملية مفاوضات أسفرت عن اتفاق أوسلو في 1993. وكانت حصيلة عشر سنوات من توقف المقاومة أن قامت إسرائيل بتوسع غير مسبوق في عملية الاستيطان في الضفة الغربية، وأن تولت حكومة من أكثر الحكومات فسادا في العالم – نعني السلطة الفلسطينية – أمور الفلسطينيين الداخلية تحت رعاية صهيونية. في ظل هذا الوضع اندلعت الانتفاضة الثانية عام 2000، التي اختلفت في كثير النواحي عن الانتفاضة الأولى، من بينها انتقال مركز الثقل في المقاومة إلى الحركة الإسلامية، ليس فقط بسبب إفلاس المقاومة العلمانية ممثلة في فتح، ولكن بفعل تطورات أوسع شملت المنطقة بأكملها جعلت الحركة الإسلامية بفصائلها المختلفة القوة السياسية الأكثر تأثيراً.

المسئولية عن العدوان

نص اتفاق التهدئة الذي وقعته حماس وإسرائيل في يونيو 2008، على أن توقف حماس إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية في مقابل فتح المعابر بين القطاع وإسرائيل للسماح بتدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. وخلال فترة التهدئة التزمت حماس بوقف إطلاق الصواريخ فيما رفضت إسرائيل الالتزام ببند فتح المعابر، ورهنت ذلك بإطلاق سراح جلعاد شاليط. ومن ثم ظلت المعابر مغلقة معظم فترة التهدئة، ومنعت الهيئات التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) من إعادة تعبئة مخارنها التي يعتمد عليها 750 ألف شخص هم نصف عدد سكان القطاع. كما نفذت القوات الإسرائيلية عددا من الخروقات كان أهمها الغارة التي قامت بها في نوفمبر 2008 وأسفرت عن استشهاد ستة فلسطينيين. وقبل إنهاء الاتفاق تقدمت حماس بعرض للعودة إلى اتفاق التهدئة ببنوده الأصلية، لكن الحكومة الإسرائيلية لم تقدم ردا.

وفقا للصحف الإسرائيلية، بدأت الحكومة الإسرائيلية الإعداد للعدوان منذ يونيو 2008، أي وقت التوصل إلى اتفاق التهدئة. فقد تمكنت الحكومة الإسرائيلية بالتعاون مع السلطة الفلسطينية من القضاء على كافة أشكال المقاومة في الضفة الغربية، عبر المطاردة والاعتقال والتعذيب والقتل، حتى أن أكثر أشكال المقاومة سلمية، وهي المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، لم تسلم من تنكيل الشرطة الفلسطينية. ومن ثم أضحت الضفة الغربية كيانا مقطع الأوصال بفعل الاستيطان الذي لا يتوقف وجدار الفصل العنصري والحواجز ونقاط التفتيش، وشُلت قدرتها على المقاومة بفضل التعاون الأمني بين سلطات الاحتلال والسلطة الفلسطينية.

وفي المقابل ظل قطاع غزة – الذي تبلغ مساحته 360 كم أو 1.5% من أرض فلسطين – يستعصي على سيطرة الإسرائيليين، ويمثل البؤرة الوحيدة الحاضنة للمقاومة، والتي تمثل العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى تسوية وفقا للشروط الإسرائيلية. هنا تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن اختزال المقاومة في حركة حماس، رغم أنها أكبر وأقوى الفصائل، ذلك إنه خلال العدوان الأخير، كان يقاتل إلى جانب كتائب عز الدين القسام التابعة لحماس، وتقدر بـ 15 ألف مقاتل، 10 آلاف مقاتل ينتمون لـ 13 فصيلا. ومن ثم كان لابد من القضاء على بؤرة المقاومة تلك. وإذا كان ليس متاحا إبادة المليون ونصف المليون القاطنين في القطاع، فإنه في الإمكان القيام بعمليات قتل وتدمير واسعة النطاق تؤدي إلى الترويع والهزيمة المعنوية للسكان، مما يجبرهم على نبذ المقاومة والاستسلام للإرادة الإسرائيلية. والدليل على ذلك هو حجم الدمار الهائل والاستهداف المتعمد للمدنيين. فقد اختارت إسرائيل توقيت بدء العدوان في موعد خروج تلاميذ المدارس. وطال القصف عددا هائلاً من المنشآت المدنية، حيث جرت تسوية 4000 منزل بالإرض ودُمر جزئيا 17 ألف آخرين، وقُصفت المدارس والمستشفيات والمساجد والمقابر والجامعة وشبكات الصرف الصحي إضافة إلى 53 هيئة تابعة للأمم المتحدة. والهدف من ذلك كان القضاء على كل إمكانيات الحياة في القطاع وتدمير الأساس الاجتماعي لحماس حتى تصبح قدرتها مشلولة في تخفيف معاناة السكان.

وإضافة إلى الهدف المحوري المتعلق بالقضاء على المقاومة، كانت الحكومة الإسرائيلية في حاجة إلى شن حرب تستعيد بها قدرتها على الردع التي فقدتها في الحرب على لبنان، وتكسبها نقاطا في الانتخابات البرلمانية القادمة. ولم يكن توقيت العملية في نهاية ديسمبر مصادفة، لأن هذه العملية كان يجب أن تنتهي قبل انتهاء ولاية جورج بوش، حتى لا يتم إحراج الرئيس الأمريكي الجديد، الذي رغم اتفاقه مع بوش في الدعم اللامحدود لإسرائيل، إلا أنه لم يكن ليقبل أن يجري حفل تنصيبه في ظل استمرار هذا المشهد الدموي.

وفي ضوء ذلك، يصبح تحميل المقاومة المسئولية عما حدث للشعب الفلسطيني جراء آلة الحرب الإجرامية الإسرائيلية هو بمثابة تجاهل لكل التطورات السابقة والمصاحبة للحرب، ناهيك عن أنه يصب في مصلحة دعاية إسرائيل وأمريكا وحلفائها في المنطقة.

وقد يرى البعض أن قادة حماس قد أخطأوا حينما أعلنوا رفض تجديد الهدنة إذا لم تتضمن فتح المعابر، أو حينما أطلقوا عدداًا من الصواريخ على جنوب إسرائيل عقب انتهاء التهدئة، وأنه كان عليهم الانتظار حتى تبدأ إسرائيل الحرب. لكن الحديث عن هذا الخطأ السياسي أو ذاك شئ، وتحميل المقاومة المسئولية عن العدوان شي آخر.

الموقف المصري

حكم موقف النظام المصري من العدوان عدد من الاعتبارات، وهي الاعتبارات ذاتها التي حكمت موقف دول الاعتدال. فالخوف من نفوذ المعارضة الإسلامية في الداخل، والقلق إزاء النفوذ الإيراني المتنامي، والحرص على عدم إغضاب أمريكا وإسرائيل كانت هي العوامل التي وجهت سياسة دول الاعتدال ومنها مصر. لكن حساسية الموقف المصري كانت إضافية، لأن مصر تتحكم في الرئة الوحيدة الباقية لقطاع غزة (توجد سبعة معابر للقطاع، ستة مع إسرائيل ومعبر واحد مع مصر).

وخلال العدوان، ارتكز الموقف الرسمي المصري على عدد من الأسس. فأولا كان الرفض الحاسم لفتح معبر رفح أمام تدفق المساعدات الغذائية والإنسانية للقطاع. وخلال فترة الحرب، لم يتم السماح سوى بعبور كميات محدودة من الأدوية، فيما لم يُسمح بعبور الأغذية والمساعدات الإنسانية الأخرى. وهذا ليس جديدا، لأن مصر تصر على إغلاق المعبر منذ نحو عام ونصف العام، حينما سيطرت حماس على قطاع غزة، رغم أن اتفاق المعابر – الذي انتهت صلاحيته – ليس ملزما للنظام المصري لأنه لم يكن طرفا فيه، ومن ثم لا يوجد عليه أي التزام دولي يجبره على المشاركة في تجويع الفلسطينيين. ولكنه الخوف من “الإمارة الإسلامية” على حدود مصر الشرقية.

وثانيا، بذل النظام المصري جهودا مستميتة للحيلولة دون عقد قمة عربية قد تتخذها سوريا وقطر وسيلة للمزايدة على موقفه من الأزمة. وقد أتت هذه الجهود بثمارها عندما فشل النصاب القانوني لقمة الدوحة في الاكتمال. وفي المقابل، كان السعي لإحالة الأمر – عبر اجتماع وزراء الخارجية العرب – إلى مجلس الأمن الذي تسيطر عليه أمريكا.

وثالثا، طرحت مصر مبادرة تقوم على وقف إطلاق النار، وهدنة مدتها 15 عاما، أي توقف المقاومة إلى أجل غير مسمى. ومن ثم لم يكن مستغربا أن يصرح الإسرائيليون بأن هذه المبادرة تأتي في صالح إسرائيل. غير أنه من سوء طالع النظام المصري أنه خرج من هذه الحرب وهو أكبر الخاسرين. لا يعود ذلك فحسب إلى تدهور صورته لدى الرأي العام العربي وقطاعات واسعة من الرأي العام المصري، ولكن أيضا لأن أمريكا وإسرائيل قررتا تجاهله، حينما وقعت رايس وليفني مذكرة تفاهم تعتبر مواجهة التهريب عبر الأنفاق جزءا من “الحرب على الإرهاب” وتضمنت تعاونا استخباراتيا حول تهريب الأسلحة ومراقبة دولية لطرق التهريب المؤدية إلى غزة، مما يعني وجود قوات دولية على الأراضي المصرية.

وإذا كان الموقف الرسمي منطقيا ومتسقا، فإن الموقف الشعبي كان أكثر تعقيدا. فبالرغم من حالة التعاطف الشعبي الواسعة تجاه الشعب الفلسطيني، كانت هناك حالة من فقدان الرؤية – خاصة في الفترة الأولى للعدوان – حول الموقف الصحيح والموقف الخاطئ، ومدى مشروعية المقاومة. كما أن حركة التضامن الشعبية مع الشعب الفلسطيني كانت ضعيفة مقارنة بما حدث مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 ومذبحة جنين في 2002. فبالرغم من كثرة المظاهرات التي حدثت في المحافظات، فإن معظمها كان مكونا من كوادر الإخوان، على خلاف الطابع الجماهيري العفوي الذي ساد في الأحداث السابقة. ولم تتشكل حركة جماهيرية تنظم أشكالا للدعم كما حدث في حملات المقاطعة في السابق.

ويمكن فهم ذلك في ضوء عدة عوامل. فلا يمكن إنكار تأثير الدعاية الحكومية المكثفة بهدف تأليب الشعب المصري ضد الفلسطينيين عامة والمقاومة بشكل خاص، وتصوير الهجوم على النظام المصري كما لو كان هجوما على مصر، وترويج الأكذوبة المدروسة بعناية حول رغبة الفلسطينيين في ترك القطاع واستيطان سيناء. وفي ظل أزمة اقتصادية تزداد عمقا يوما بعد يوم، وتدهور حاد في مستويات المعيشة، يجد هذا النوع من الدعاية أرضا خصبة، خاصة لو لم يكن يقابله دعاية في الاتجاه المضاد. فالإخوان المسلمون الذين كانوا القوة الأهم المؤيدة للمقاومة، لم يعنيهم الالتحام بالجماهير من أجل خلق حركة شعبية واسعة، وإنما ركزوا على دفع كوادرهم في مظاهرات محسوبة. أما القوى الأخرى، فهي غير قادرة على التأثير، كما أن الكثير من الرموز السياسية والفكرية كان عدائها للمقاومة يفوق عدائها لإسرائيل.

من ناحية أخرى، يمكن القول إن ضعف الموقف الشعبي هذه المرة يعود في جزء منه إلى عدم الثقة في جدوى الفعل. فقد سارت مظاهرات بالآلاف في 2000 و2002 و2003، لكنها لم تستطع حماية الفلسطينيين من العدوان، ولا حماية العراق من الاحتلال. وفي ظل هذه الحالة من التردد، لم تبرز أي أطروحات تساعد على الخروج من نفق الإحباط المظلم.

لكن بالرغم من ذلك، فقد تبلورت مع الوقت حركة للتضامن ضمت أشكالا متعددة للفعل والمؤازرة. هذه الحركة لها فرص – خاصة مع تطور الحركة المؤيدة للحق الفلسطيني على المستوى العالمي – أن تنمو وتتجذر وتكسر الحصار الأمني والسياسي المضروب على مؤيدي المقاومة في مصر.

المنتصر والمهزوم

عند بدء العدوان، أعلنت إسرائيل ثلاثة أهداف، هي خلق واقع جديد في غزة، والقضاء تماما على إطلاق الصواريخ، وتدمير جميع أنفاق تهريب السلاح. وبعد ثلاثة أسابيع من القصف المتواصل، بدا أن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. فحول خلق واقع جديد، لا تدل أية مؤشرات حتى الآن على أن الأمور في غزة تسير في اتجاه التمرد على حماس أو فقدان الإيمان بالمقاومة. بل يرى الكثيرون أن البربرية التي مارستها إسرائيل في القطاع سوف تزيد من إصرار الأجيال الجديدة على خيار المقاومة. أما أهداف القضاء على إطلاق الصواريخ، وتدمير الأنفاق فلم تتحقق أيضا.

لكن الأهم من ذلك هو النظر إلى الأمر من الناحية الاستراتيجية. فعند مقارنة وضع إسرائيل في هذه الحقبة بوضعها في فترات سابقة، يتضح مدة عمق الأزمة الذي تواجهها. فقد كانت الدولة الصهيونية في قمة هيمنتها العسكرية منذ نهاية السبعينيات وحتى اندلاع الانتفاضة الأولى في نهاية عام 1987. فقد استطاعت في هذه الفترة غزو لبنان في 1978 و1982، حيث أخرجت المقاومة الفلسطينية من لبنان ثم احتلال الجنوب عام 1984. وكانت الانتفاضة الأولى هي التحدي الأول الذي تواجهه بعد سنوات من الاستقرار والهيمنة. غير أن اتفاق أوسلو احتوى الانتفاضة وأتاح للدولة الصهيونية فترة من التوسع.

لكن إذا نظرنا إلى وضعية إسرائيل منذ بداية الألفية، نجد أنها في حالة أزمة مستمرة. ففي مايو 2000 اضطرت بفعل ضربات المقاومة اللبنانية للانسحاب من لبنان من جانب واحد ودون توقيع أية معاهدات، وذلك في سابقة هي الأولى من نوعها. وفي سبتمبر من نفس العام وجدت إسرائيل نفسها في مواجهة مع الشعب الفلسطيني حينما اندلعت الانتفاضة الثانية. وفي 2002 خاضت إسرائيل حربا بربرية ضد المقاومين في مخيم جنين بالضفة الغربية، لكنها لم تستطع القضاء على الانتفاضة. وفي 2006 شنت هجوما وحشيا ضد لبنان لتركيع حزب الله، وهو ما فشلت فيه أيضا. وأخيرااً كانت الحرب على غزة، التي لم تستطع إسرائيل حسمها. وإنه لأمر ذو دلالة أن يحدث ذلك في ظل غياب أي نوع من التوازن الدولي الداعم “جزئيا” لحركات المقاومة، مقارنة بما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة.

من ناحية أخرى، لم تكن الوحشية الإسرائيلية بلا ثمن. فقد تدنت صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، وسقطت عنها كافة الادعاءات الأخلاقية ومزاعم التحضر والديمقراطية. وفي ظل هذا الوضع، اتضح أن خيار السلام القائم على الدولتين هو مجرد وهم، بعدما تبين أن الدولة الصهيونية ترى في وجود دولة فلسطينية على حدودها خطرا يهدد وجودها ذاته، وأنها على استعداد لممارسة التطهير العرقي لمنع قيام هذه الدولة. وفي المقابل، يتضح أن خيار الدولة الواحدة العلمانية الديمقراطية هو الحل الوحيد الممكن للقضية الفلسطينية، رغم أنه الخيار الأصعب الذي يتطلب إلى جانب استمرار النضال، توازنا دوليا وإقليميا مختلفا.

لكن ذلك لا يعني أن الطرف الآخر خرج من الحرب منتصرا بشكل كامل. فبالرغم من الصمود البطولي للمقاومة، فإن حجم الدمار والقتل الذي طال سكان القطاع لا يترك مكانا للحديث عن انتصار حاسم. والأهم من ذلك أن الفترة القادمة ستكون حاسمة في تحديد وضعية المقاومة. فإسرائيل وأمريكا وحلفائها سوف يستميتون من أجل استغلال عملية إعادة الإعمار في تهميش حماس وتقليص نفوذها، وهو ما يلقي بقدر كبير من المسئولية على الأخيرة من أجل تعزيز الممارسة الديمقراطية داخل القطاع واستيعاب القوى المعارضة. كما أن الترتيبات التي تجري لمحاصرة القطاع بحريا، والحديث عن دور أوروبي في مواجهة التهريب، هي أمور مازال من الصعب التنبؤ بنتائجها. وربما لا يقل الوضع في الضفة الغربية أهمية. وهنا يصبح التساؤل إلى أي مدى يمكن للسلطة الفلسطينية الاستمرار في قمع فلسطينيي الضفة، وإلى أي مدى ستظل فتح منضوية تحت لواء الفريق الذي يقوده محمود عباس.

والأهم من ذلك، فإن تطورات الصراع الطبقي في المنطقة وفي مصر بشكل خاص، تمثل عنصرا أساسيا في تحديد مستقبل المقاومة. فحركة التحرير الفلسطينية توجد في وضع هو الأسوأ مقارنة بالحركات الأخرى. فإضافة إلى أن إسرائيل تلقى دعما غير مشروط من الدولة الإمبريالية الأقوى، فإن الحركة تجد نفسها محاصرة بين إسرائيل من ناحية، وبين دول معادية تجد في هذه الحركة خطرا أكبر من الخطر الذي تمثله إسرائيل. ومن ثم فإن كسر هذا الحصار، الذي لا يمكن إلا أن تقوم به الشعوب، يصبح أمرا حاسما إذا كان لهذه الحركة أن تحقق أهدافها.

الموقف من المقاومة

منذ اللحظة التي أصبحت فيها الحركة الإسلامية عنصرا قياديا في حركات التحرر الوطني، أصبح الموقف من المقاومة يطرح نفسه في كل محطة من محطات الصراع مع الإمبريالية. وخلال العدوان الأخير، ركز خطاب التيار الغالب من “النخبة الفكرية” على إدانة المقاومة وتحميلها المسئولية عن العدوان. وفي أفضل الأحوال، كان هذا الخطاب يدين المقاومة وإسرائيل على قدم المساواة. وأزمة هذا الموقف أنه يقلل من حجم التهديد الذي تمثله القوى الإمبريالية بما لديها من قدرات تدميرية هائلة، بالنسبة للشعوب الواقعة تحت الاستعمار والبشرية بشكل عام. كما أن هذا الطرح يساوي بين الطرف المعتدي والطرف المعتدي عليه، وهو ما يعد في الواقع وقوفا إلى جانب المعتدي. ويتطلب هذا الوضع استدعاء الموقف الذي طوره القادة الاشتراكيون في بداية القرن العشرين من حركات التحرر الوطني. ويقوم هذا الموقف على التأييد النقدي غير المشروط لهذه الحركات. ويعني ذلك عدم وقف التأييد على شرط معين (مثل أن تتخلى الحركة عن توجهها الإسلامي، أو تتبنى موقفا تقدميا من المرأة) لكن في نفس الوقت مع عدم التردد في نقد أخطاء الحركة.

ومن ثم فإن إعلان تأييد حماس في مواجهة الصهيونية والإمبريالية لا يتناقض مع انتقاد الأساس البرجوازي الصغير للحركة وعدم امتلاكها مشروع اجتماعي، والأخطاء السياسية التي ارتكبها قادتها، لأن هذه الأخطاء لا تنفي أن المقاومة بإصرارها على خيار المواجهة والتضحيات التي تقدمها، تمثل العائق الذي يمنع تحقيق المخططات الصهيونية والأمريكية.