بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حركة مناهضة الرأسمالية والمنتديات الاجتماعية وعودة النضال

بعد ست سنوات من انطلاقها في سياتل، حققت الحركة العالمية ضد العولمة والرأسمالية تقدمًا ضخمًا، وأصبح نقدها لسياسات الليبرالية الجديدة للشركات العالمية هو السائد، كما لم تعد هناك سوى أقلية ما تزال ترى أن الخصخصة ستقدم خدمات أفضل، وأن المؤسسات العالمية مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي موجودة لخدمة الناس في الدول النامية، أو أن احتلال العراق له أي علاقة بالتحرر. لكن الحركة تواجه في الوقت ذاته أكبر تحدياتها كما يرى المناضل الاشتراكي والقيادي في حركة “عولموا المقاومة” في بريطانيا، كريس ثاينام في مقالته التي ترجمتها ولخصتها سلمى فريد.

ما زالت التعبئة والتحركات ضد الليبرالية الجديدة مستمرة، فلقد تحرك نحو 100 ألف شخص ضد اجتماع مجموعة الثمانية في جينيف وأنيماس في عام 2003، ونحو 300 ألف شخص تجمعوا للاحتجاج في قمة الدول الثمانية في أسكتلندا في عام 2005، وغيرها الكثير. في نفس الوقت رأينا النجاح الانتخابي لليسار الراديكالي في دول أمريكا اللاتينية بشكل لم يحدث منذ أجيال، كما أنه في العديد من الدول الأوروبية بدأت الأحزاب اليسارية وتحالفات اليسار في كسب تأييد كبير في الانتخابات، وهذا يوضح كيف أن التطلع لعالم أفضل مختلف بدأ يسود.

على الجانب الآخر، بدأت قضايا سياسية في البروز لتطرح تحديات لبعض الفرضيات الأساسية للحركة، فبعض وسائلها المميزة صارت غير مؤثرة. ففي بريطانيا، كما في العديد من المناطق الأخرى، اختفت المجموعات العفوية والفوضوية التي ألهمت حركة الشارع في البداية تقريبًا، ورغم أن التحرك ضد مؤتمرات القمة الاقتصادية ما زال ملهمًا ومحركًا إلا أنه بدأ يعتريه التغير. فقد كانت الاحتجاجات المبكرة، كتلك التي حدثت في نيس وجنوة وكانكون، عالمية اجتمع فيها النشطاء من بلاد عديدة. إلا أن الاحتجاجات الأخيرة أصبحت أقرب لتحركات محلية.

كما أن هناك اختلاف آخر له علاقة بالسياسة. ففي أسكتلندا، وللمرة الأولى، يحاول حزب سياسي تقليدي لعب دور لاستيعاب حركة الاحتجاج العالمية من خلال تأثيره على المنظمات غير الحكومية، وقد ساعد حزب العمال في صورته اليمينية الجديدة، في تحديد أجندة الاحتجاج، بل وتعامل على أن أهداف هذا التحرك تخصه. وجعل هذا الاحتجاج مليئًا بالخلافات. فبالتماشي مع خطة الحكومة جاهدت المنظمات غير الحكومية الكبيرة بشدة للمحافظة على أن تكون احتجاجات أسكتلندا حول موضوع واحد. وبالتالي استبعدت منظمة “تحالف أوقفوا الحرب” البريطاني من ترتيباتها، وعملت على استبعاد اليسار بشكل عام. مثل هذا التوجه تخلي محبط عن مبدأ الوحدة في التباين التي قامت عليها الحركة في سياتل وجنود وغيرها.

لكن محاولات تحجيم الاحتجاج فشل لأنه كان يتناقض مع المزاج السائد بين المحتجين، فالغالبية من هؤلاء كانوا يعتقدون أن الحرب والفقر قضايا غير منفصلة وبالتالي فمن المنطقي أن يتظاهروا على القضيتين معًا.

بدايات الحركة:

جاءت سياتل كنتيجة لعشرين عامًا من الصراع ضد الليبرالية الجديدة. فخلال الثمانينات ناضل العمال والفقراء في الشمال والجنوب ضد برامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لكن معظم هذه النضالات هزمت في جولتها الأولى. وكانت نتيجة هذه الهزيمة زيادة الشعور بالإحباط والتراجع إلى مربع قضايا الهوية (السود، المرأة وغيرها). وخلال التسعينيات بدت جليًا الآثار السلبية لبرامج وسياسات الليبرالية الجديدة لأعداد أكثر من البشر. وأدى هذا إلى انفجار النضال من جديد في العديد من المناطق من كوريا الجنوبية حتى بوليفيا مظهرًا روحًا قتالية جديدة. كانت هذه التحركات كلها حول قضية واحدة، وبقيت تحركات معزولة. بالطبع كانت هناك استثناءات. الأولى كانت في إضراب القطاع العام الفرنسي في عام 1995 والذي حصل على تضامن شعبي كبير وتحول إلى تحدي واسع لسلطة الحكومة. أما الثاني فكان في 1 يناير 1994 يوم تطبيق واحدة من أشرس اتفاقيات التجارة الحركة لأمريكا الشمالية (NAFTA). فقد سار جيش غامض من الفلاحين الفقراء من غابات تشيباس في جنوب شرق المكسيك، وعرفوا بحركة زاباتيستا، حملوا السلاح وطالبوا بالحكم الذاتي ورددوا شعارات ضد القوى المالية العالمية. ورفعت صور هؤلاء المحتجين التي نشرت حول العالم الروح المعنوية للملايين الذين يعانون من سياسات العولمة.

وفي أواخر التسعينيات، اكتشفت الملايين أن الأخبار الجيدة للشركات والمؤسسات الكبرى تمثل في المقابل كوارث للعمال والفقراء، وأن انتصار اقتصاد السوق الحر قد رفع طموحات وتوقعات الملايين التي لم تتحقق أبدًا. بينما صار معروفًا لهم كم الأرباح الخيالية التي تحصل عليها الشركات الكبيرة، وحتى الناس الذين لم يشاركوا في النضال كانوا يبحثون عن سبل للتعبير عن سخطهم.

سياتل ولقاءات القمة:

كان لتعاظم شهرة لقاءات القمة المالية وخاصة منظمة التجارة العالمية، دور في تجميع الحركة العالمية وتركيزها. فقد كانت احتجاجات سياتل 1999 ضد منظمة التجارة العالمية WTO هي نقطة التحول، وتركت تأثيرًا وصدى كبير، وذلك لأنها حدثت في عرين الأسد، موطن مايكروسوفت، ولأنها استطاعت أن تحتشد وتخلق تحالفات جديدة بين النقابيين والنشطاء من الشباب. ولقد تلا ذلك العديد من الاحتجاجات التي جمعت عشرات الآلاف من النشطاء في ك لقاءات القمة مثل براغ، وستوكهولم، وبروكسل، وبانكوك، وواشنطن وجنوه وغيرها. هذه الاحتجاجات ربطت بين تدمير البيئة، وظروف العمال الفقراء في الدول النامية، وخصخصة القطاع العام وطمع الشركات الكبرى، وبذلك فتحت فرصة جديدة للتحالف بين الشمال والجنوب، ووضعت نقد الرأسمالية على الخريطة من جديد.

وكان للحركة وطابعها العالمي أثر متعاظم على النشطاء وقضاياهم. ففي جنوه مثلاً أعادت الحياة لليسار الإيطالي. وساعد نمو الحركة النشطاء على التركيز أكثر وأكثر على أجنداتهم المحلية. كما أصبح واضحًا للجميع أن المظاهرات وحدها ضد لقاءات القمة الاقتصادية العالمية لن توقف السياسات الليبرالية، بل إن قادة المنظمات مثل “منظمة التجارة العالمية” (WTO) واجتماع الدول الثمانية (GA) قد تعلموا بعد سياتل كيف يتعاملون مع هذه الحركة ولم يعطل ذلك اجتماعاتهم.

لكن هذا لا يعني أن الحركة قد انتهت. فهذه الحركة العالمية وجدت لتبقى، ولا نحتاج للتذكير بأثر الحركة ضد الحرب على العراق وكيف دعمت التنسيق العالمي بين النشطاء من مختلف البلاد. إن هذه الحركة خلاقة لأنها قادرة على خلق أشكال جديدة للتضامن العالمي وخلق الصلات. لكن في واقع الأمر فإن السياسات الليبرالية الجديدة إنما تطبق على مستوى الدولة الواحدة، وبالتالي فإن هزيمتها تحتاج إلى مواجهة هذه الحقيقة والتحرك ومناهضتها على المستوى القومي.

المنتديات الاجتماعية العالمية:

كان لا بد لهذه الحركة العالمية من إيجاد تجمعات خاصة بها تنبع من نفس منطق الاحتجاجات حول لقاءات القمة الاقتصادية. وبالتالي كان الهدف من “المنتدى الاجتماعي العالمي”، كما جاء على لسان برنارد كاسن أحد مؤسسي هذا المنتدى هو: “إظهار النضالات العالمية وتعريف النشطاء ببعضهم البعض، وتوضيح ما يجمعهم، والعمل على وضع خطط مستقبلية للتحرك، وبالتالي فإن التنقل عبر الدول والقارات كان ضروريًا للتنسيق، وفرصة للتغلب على العزلة التي قد تحسها الحركة في واقعها المحلي”. وقد خلق “المنتدى الاجتماعي العالمي” منتديات إقليمية مثلت الحركة ولعبت دورًا في النضال في مناطق كثيرة من العالم، مثل المنتدى الأوروبي في فلورنسا، والمنتدى الاجتماعي الآسيوي في حيدر أباد. وليس هذا فحسب، بل إن هذا المنتدى العالمي كان ملهمًا ومحركًا للتجمعات عشرات الآلاف من النشطاء حول العالم.

لكن هناك ميل مقلق داخل الحركة يدعو للامركزية. وهو توجه قد يؤدي لدرجة عالية من التقسيم والتشرذم وهو ما قد يكون مدمرًا. صحيح أنه من المبكر تقييم أثر ما حدث العام الحالي من انعقاد المنتدى العالمي في أكثر من موقع، لكن هذا التوجه قد بدأ في بورتو أليجري في 2005 حيث تم التقسيم المساحات حسب الفعاليات وتخصيص مواقع واسعة لقضية واحدة مما ساهم في إضعاف المنتدى وإفراغه من محتواه السياسي.

لقد لبى المنتدى الاجتماعي العالمي احتياجًا ملحًا للحركة، ولكنه كان ينظم دائمًا من أعلى بواسطة مجموعة صغيرة من النشطاء من البرازيل وفرنسا، هذه اللجنة المنظمة لم تكن منتخبة وقد بقيت كذلك حتى اللحظة، وهذا بدوره يعني غياب الديمقراطية عن الحركة.

ومن جانبها، فالأحزاب السياسية ممنوعة من المشاركة في المنتدى رغم أن أعدادًا هائلة من النشطاء اليساريين المنخرطين هم أعضاء في أحزاب يسارية، وهذا ليس صدفة، فالتبرير الذي يقدم هو أن ذلك يضمن انضمام المنظمات المعتدلة للمنتدى بوعد بأنه لن يكون هناك أي قرارات ملزمة لهم، والحقيقة أن ذلك أعطى سيطرة للقوى المعتدلة والإصلاحية.

لقد تنبأ البعض بأن المنتديات الاجتماعية سوف تصبح حجر الأساس في حركة مناهضة الرأسمالية في كل بلد بل وفي كل مدينة، لكن هذا لم يحدث. على الرغم من أن المنتديات المحلية لها قدرة أعلى للتقابل والتنسيق والمشاركة والعمل على حملات وقضايا بعينها، لكن في أوقات أخرى قد تواجه هذه المنتديات خطر التحول إلى منابر للحديث والخطب أي مكلمة.

المنظمات غير الحكومية:

المنظمات غير الحكومية هي الأكثر تأثيرًا في الحركة العالمية لأنها الأكبر والأكثر تمويلاً. وقد أعطت هذه المنظمات الانطلاقة الأولى للحركة. وجاء ظهور هذه المنظمات كنتيجة لخصخصة المعونات الدولية حيث كانت تتحرك من الدول المتقدمة إلى الدول النامية عبر هذه المنظمات. ومن ناحية أدت السياسات الليبرالية الجديدة إلى تجذير المنظمات غير الحكومية، فقد كانت اجتماعات الشركات العالمية هدفًا مشروعًا بالنسبة لهم كجماعات ضغط، خاصة وأنهم يملكون الموارد والبنية التحتية اللازمة للتنسيق على مستوى الدولي. في نفس الوقت كان هناك نشاط متزايد من البرامج من الحكومات الليبرالية والمؤسسات العالمية بهدف تشكيل المنظمات غير الحكومية لتخدم أغراضهم وأهدافهم. ولأن توجهات الليبرالية الجديدة تهدر الديمقراطية وتخلق مقاومة شعبية، فإن حراس النظام العالمي الجديد توجهوا نحو المنظمات غير الحكومية لتلعب دور “الوكيل في التنمية المحلية”، والمشاركة السياسية المحكومة لتنفيس السخط والحيلولة دون ظهور حركات جماهيرية حقيقية. وقد وضعت الجهات المانحة جهودًا وطاقة كبيرة في إقناع المنظمات غير الحكومية بقبول أجندة محددة وذات توجه غير سياسي عند العمل مع الفقراء، وتحديد المشاركة على مستوى المشاريع المحلية الصغيرة، والتي لا تناقش أو تتعرض للقضايا والأولويات الاجتماعية الكبيرة.

في أسوأ الحالات تكون المنظمات تحت تأثير أو سيطرة الحكومات وتستخدمها لتفتح القطاع العام لرأس المال الخاص. وهناك العديد من الأمثلة في الكثير من الدول على رأسها سنغافورة. وعلى الرغم من أن العاملين والنشطاء في هذه المنظمات يسعون إلى العدالة العالمية إلا أنهم يرهبون التحركات الشعبية. غير أنه لا يمكن تعميم هذا الموقف على كل المنظمات غير الحكومية فهناك منظمات تقاوم. وحتى تلك التي تتبع السياسة السائدة تعبر أحيانًا عن إحباطها وسخطها من السياسيين. لكن هذه المنظمات غير قادرة على التعامل مع المشاكل العميقة في رأسمالية الليبرالية الجديدة، فحتى المنظمات الأكثر راديكالية والتي ترفض الدولة تتبنى سياسة “التسيير الذاتي” autonomism وتتجاهل الدولة والسلطة بدلاً من مواجهتها وتغيرها. لهذه الأسباب فإن هذه المنظمات تدفع بالحركة للالتفاف حول القضية الواحدة، وتحاول إبعاد الأحزاب السياسية والانفتاح على الديمقراطية في الحركة.

ساد هذا التوجه “العفوي” بسبب أن الحركة تطورت ونمت في وقت كان اليسار مشتتًا ومرتبكًا. فعلى جانب، كان الاشتراكيون الديمقراطيون في كل مكان يشجعون سياسات السوق. وعلى الناحية الأخرى، كان اليسار الاشتراكي محبطًا ومرتبكًا بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي. في نفس الوقت كانت الطبقة العالمة تتحرك ببطء في محاولة لاستعادة الثقة بنفسها للنضال. وقد كانت الأفكار التي انتشرت وسادت في البداية مقاومة ورافضة للسياسات الليبرالية الجديدة، لكنها أيضًا عكست رفضًا لإستراتيجيات اليسار التقليدي في المواجهة لأنها كانت تراها قد فشلت. وهذا بدوره أفسح المجال لانتشار “الماركسية العفوية”، والتي تقوم على استبدال اليسار المنظم والمواجهة بالتركيز على أن الرأسمالية تخلق ظروف تحللها من خلال التحركات التلقائية للأفراد والشبكات. ويتعامل أصحاب هذا التوجه بتشكك حول القضايا السياسية التي تتعلق بالدولة، ذلك لأنهم يرون أن السلطة غير مركزة في شخص أو مؤسسة بل في العلاقات الاجتماعية وبذلك فالدولة ليست مكان لتجمع السلطة وإن بدا غير ذلك.

عودة النضال:

رغم أن هذه الأفكار العفوية كان لها أثر أوسع من دائرة أتباعها، إلا أن هذا الأثر بدأ يضعف، وذلك بسبب العنف الذي أظهرته الدولة في قمع المتظاهرين في جنوة وغيرها، وبينت فترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر بما لا يدع مجالاً للشك دور الدولة في تشكيل سياسة العالم. ومن جانب آخر فإن جدية انتخاب اليسار كبديل يمثل تحديًا لفكرة أن السياسة يمكن أن تهمل. إن المشكلة الأساسية في الانتفاضات التلقائية والعفوية، والتي هي أصلاً نقطة قوة، أنها تصبح ضعفًا إستراتيجيًا، حيث لا تظهر قيادة قادرة على توحيد الجموع المختلفة داخل الحركة خلف برنامج متماسك يهدف إلى الاستيلاء على سلطة الدولة، وتكون النتيجة تشتتها وانقسامها إلى حركات أصغر لكل منها قيادتها، أو إلى أحزب صغيرة. وعندما تمر مرحلة الذعر وينتهي الارتباك، تتمكن الطبقة الحاكمة من إعادة الأمور إلى نصابها من خلال تقسيم الحركة وعزلها واستيعابها.

ورغم كل ذلك فما زالت روح العداء للأحزاب اليسارية مستمرة في بعض الدوائر. ويمكن تفسير ذلك ولو جزئيًا بأن تجذير المجتمع له علاقة بتفجر الصراع الطبقي في معظم أجزاء العالم، وأيضًا يمكن تفسيره بانخراط وتواجد المنظمات غير الحكومية في الحركة، حيث إن منظري هذه المنظمات يفضلون الحركات الاجتماعية الجديدة التي لا تتصل بالطبقة وقضايا الهوية، وبالتالي تغيب الدولة عن ناظرهم في خطابهم المنمق لما يسمى “بالمجتمع المدني”. ويمكننا أن نرى هناك اتصالاً ممتدًا بين لغة “الماركسية العفوية” والخطاب التنموي الرسمي من “مشاركة” و”تمكين” وغير ذلك من المصطلحات المستخدمة. لكن رفض العفويين وتحيزهم ضد سياسة الأحزاب والمنظمات المركزية موجود داخل بعض ممارسات الحركة لأنه يخدم مصلحة القوى المعتدلة والإصلاحية المشاركة في الحركة.

إن غياب الأحزاب السياسية عن المنتديات وتقسيمها يجعلها آمنة من وجهة نظر الاشتراكيين الديمقراطيين والليبراليين، وكما جاء على لسان أحد مؤسسي المنتدى الاجتماعي العالمي، البرازيلي تشيكو، يشبه المنتدى الساحة العامة التي ليس لها مالك، وهي بالتالي مفتوحة للجميع لكنها غير محايدة بل تقوم من أجل أهداف محددة فتسمح للمنظمات والأفراد المعارضين لليبرالية الجديدة أن يجتمعوا معًا ويتناقشوا ويتبادلوا الخبرات ويخططوا للعمل معًا. لكن مثل هذه المقولة غير صحيحة. ففي ظل الرأسمالية، حتى ما يسمى “بالفضاء العام” له سلطات إدارية تحكمه ويحتاج المنظمون للمفاوضة مع هذه السلطات المحلية عند استخدام هذه الساحة. أما القول بأن المنتديات الاجتماعية يمكنها أن تعمل بمعزل عن سياسة الحزب فليس سوى خرافة، أصبح من الصعب التمسك بها والمحافظة على استمراريتها. كيف يمكن فصل ذلك عما يدور داخل الدول من أحداث سياسية؟

ويعني نموذج “الفضاء المفتوح” بشكل أو بآخر غياب أي نقاش أو تحرك جماعي للتعامل مع الليبرالية الجديدة. وغياب مثل هذه التحديدات لا تناسب سوى الإصلاحيين، والعفويين الذين يحملون رؤية مشابهة للمنتديات، وتجعل فرصة التفكير الجماعي الإستراتيجي حول القضايا المطروحة أمرًا مستحيلاً. إن مشكلة هذه المنتديات هي أنها تؤجج طاقة الحركة بدون أي توجهات عملية واضحة، وتجمع عشرات الآلاف من النشطاء لمناقشة قضايا بدون الخروج بنتائج. ورغم أن المنتديات هي تجمعات لحركة تطالب بالسلطة للناس لكنها نفسها تفتقر إلى الديمقراطية وهذا ما يجعلها عرضة للتلاعب والاستيعاب من قبل القوى السياسية السائدة. إن المنتدى الاجتماعي العالمي ما زال تجمعًا مهمًا للنشطاء لأنه يوفر لهم فرصة التقاء للنقاش وتبادل الأفكار، لكن نقاط ضعف هذه المنتديات يجب أن تؤخذ بالاعتبار.

نحو بناء المستقبل:

لا يمكن للحركة أن تتقدم بدون جذب الملايين للمشاركة في النضال، وهذا لن يكون بدون التعامل مع القضايا السياسية. فالوعظ ونقد الرأسمالية والليبرالية الجديدة بالكلام لا يكفيان. والمنتديات، بتحديدها لمن يمكن أن ينضم لها، تمنع الكثير من النشطاء من الانضمام. ففي الواقع يبدأ البشر عادة بالتحرك وينخرط في السياسة حول قضايا بعينها وبعدها يطورون توجههم السياسي.

إن الاتحاد والتحالف حول قضية بعينها، أو خلق الجبهة الموحدة حول القضية الأكثر إلحاحًا في تلك اللحظة، ضرورة ملحة لتكثيف المشاركة والانخراط. وليس أدل على فعالية ذلك من التعبئة للجماهير ضد الحرب على العراق والتي انتقلت بالحركة إلى مستوى جديد في بدايات 2003، وما زالت حتى اليوم تزعزع نظام بوش وبلير، لقد جذبت هذه الحملات الملايين من أشخاص يشاركون بالنضال للمرة الأولى وجمعت بينهم وبين النشطاء المخضرمين.

في هذا السياق فإن وضع الأولويات حاجة أساسية، فالمعارضة الجادة لمشروع الليبرالية الجديدة تعني تحديد الأولويات للحملات التي يمكنها تعبئة أكبر عدد ممكن من البشر وإلحاق أكبر ضرر بالمشروع النيوليبرالي. لكن مثل هذه التقديرات تحتاج إلى تحليل سياسي. من الصعب أن نرى كيف يمكن بناء الحركة الأوسع والأكثر تأثيرًا وقوة إذا أسقطنا المناقشات الإستراتيجية حول العلاقة بين الحروب والليبرالية الجديدة وبدون التحليلات السياسية التي تستتبعها. كما أنه من غير الممكن استيعاب كيف يمكن لحركة في القرن الواحد والعشرين أن تكون ناجحة إذا هي أغفلت النضال ضد الإمبريالية، وكذلك الأمر بالنسبة للتحيز ضد العمل بالسياسة في هذه الحركة لأنه نذير خطر. إن النضال لم يكن أبدًا تلقائيًا أو عفويًا فقط، فالأفكار التي يحملها الناس في عقولهم دائمًا تؤثر في الكيفية التي يختارونها لحل مشاكلهم. وفي النهاية فإنه يتحتم علينا أن نواصل طرح قضيتنا في كل منتدى، إلا أنه حان الوقت لكي نرمي خلف ظهورنا التشكك في السياسة، والتشكك في وضع الإستراتيجيات.