بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

احتجاجات واسعة في كولومبيا ضد سياسات السوق الحر

احتجاجات واسعة في كولومبيا ضد سياسات السوق الحر

تشهد كولومبيا منذ ما يزيد عن أسبوعين مظاهرات حاشدة ضد سياسات التقشف، بدأت بالفلاحين ثم انضم إليها سائقو الشاحنات وعمال المناجم والطلاب والمدرسون ومنتجو الألبان وغيرهم في مجتمع وصلت نسبة ممن يعيشون تحت خط الفقر فيه إلى 64% من نسبة السكان طبقا للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عام 2005.

البداية كانت في احتجاج المزارعين، الذين يمثلون نحو 60% من السكان ويشكلون العمود الفقري للاقتصاد الكولومبي، ضد سياسات الليبرالية الجديدة التي تنتهجها الحكومة، المتمثلة في صفقات ومساعدات الولايات المتحدة التي لا يستفيد منها سوى كبار رجال الزراعة والمستثمرين. فاتفاقيات التبادل الحر مثلا التي تعقدها السلطة تفتح الباب لإغراق السوق المحلية بالمنتجات المستوردة التي لن يستطيع المنتج المحلي منافستها، وهو ما دفع المزارعين إلى المطالبة بضمانات للحصول على أراض وإقامة مشاريع زراعية صغرى بالإضافة إلى تحسين الخدمات العامة في الريف.

منتجو القهوة والأرز والبطاطا والحليب ومجموعة أخرى من السلع لم يعودوا قادرين على منافسة الواردات الرخيصة، حيث يعاني المزارعين من اتفاقية التجارة الحرة الأميركية التي أجبرتهم على شراء بذور غالية الثمن من موردين معتمدين كل عام، بينما يجري إعدام ملايين الأطنان من المحاصيل التي استخدمت بذوراً “غير معتمدة”. وفي هذا الإطار فتحت الولايات المتحدة سوقا جديدا لها في المجتمع الكولومبي من خلال صفقات مثل مبادرة الوكالة الأميركية للتنمية وشركة “ستاربكس” لمساعدة مزارعي البن في كولومبيا، وهو ما يعد في حقيقة الأمر تمهيدا لإستيلاء الولايات المتحدة على سوق البن الكولومبي بما يضمن لها تحقيق أعلى معدلات ربح على حساب صغار المزارعين.

الأزمة تكمن أيضا في تدعيم الحكومة لكبار المزارعين ومالكي عشرات ومئات الأفدنة، من خلال رصد ملايين الدولارات كمنح سنوية لهم في ظل تجاهل تام للفلاحين الفقراء، الذين سقطوا في مهب الريح بين استثمار خارجي يشترط عليهم شراء بذوره مرتفعة الثمن من ناحية، ومستثمرين محليين لا تقوى الإمكانات الضعيفة للفلاحين على منافستهم.

إلا أن تجاهل الحكومة لهذه الاحتجاجات وتصريحات الرئيس سانتوس أن ما يجري ليس بإضراب للمزارعين، إنما هي احتجاجات حرضت عليها جماعة “فارك” اليسارية المسلحة والمتمردة في كولومبيا أدى إلى تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد نظامه.

استمر إضراب المزارعين أربعة أيام متتالية في ظل تجاهل تام من السلطة إلى أن شهدت المدن الكبرى ما يزيد عن 50 تظاهرة انتهت بحدوث صدامات واشتباكات بين المحتجين وقوات مكافحة الشغب التي دفع بها الرئيس خوان سانتوس. أدت الاشتباكات إلى ارتفاع حدة الاحتجاجات فتم قطع ما يزيد عن 72 طريقا رئيسا على امتداد البلاد، وانضمام عمال المناجم وسائقو الشاحنات احتجاجا على ارتفاع أسعار الوقود وتضامنا مع انتفاضة المزارعين.

واجه سانتوس تفجر المظاهرات بقواته المسلحة التي اعتقلت مئات المحتجين في محاولة لإجبار الشعب على الخضوع لسياسات السوق التي تفرضها الولايات المتحدة في ظل ترحيب النظام الحاكم، ولكن مع انخراط الجيش في قمع المتظاهرين اتسعت الاحتجاجات لتشمل 9 ولايات كولومبية وبمشاركة ما يزيد عن 70 ألف مزارع على مستوى البلاد. ذلك تحت حكم نظام أعلن عن احتلاله المركز الثامن على صعيد اكتظاظ السجون في أمريكا اللاتينية وأنه بصدد تنفيذ خطة لزيادة قدرة السجون بنسبة 40% خلال الأربع سنوات المقبلة.

بعد ضغط الاحتجاجات الشعبية اعترف الرئيس صباح الخميس 29 أغسطس في كلمة ألقاها في التلفزيون الرسمي بمشروعية المظاهرات ووجود مشكلات في القطاع الزراعي، كما دعا إلى فتح باب الحوار لحل المشكلات رغبة منه في تهدئة الاحتجاجات التي تهدد بقاءه. لكن ما لبث أن انقلب على دعوته صباح اليوم التالي حين ارتفعت حدة الاشتباكات ومع تصريح وزير الدفاع، المنتشرة قواته في الشوارع، بأن المحتجين ينتمون إلى جماعات إرهابية مسلحة لتجريد الإحتجاجات الجماهيرية من مضمونها، ليتم نشر القوات العسكرية في العاصمة، وفي “أي مدينة أو منطقة أخرى حضور جنودنا فيها ضروري” حسب قوله، كما تم إعلان حظر التجول في بعض مناطق العاصمة الكولومبية.

ظلت الاحتجاجات المتزايدة والمتسارعة في الانتشار مهددة بزوال نظام سانتوس إلى أن تحايل بتعديل وزاري تضمن 5 وزارات، الزراعة والطاقة والداخلية والقضاء والبيئة، في محاولة منه لتهدئة الاحتجاجات الشعبية المتزايدة التي تهدد فرصته لربح الانتخابات الرئاسية القادمة.

احتجاجات اليوم تذكرنا بانتفاضة الطلاب عام 2011 حين خرج أكثر من 150 ألف طالب ومعلم ضد سياسات الليبرالية الجديدة في خصخصة التعليم. واليوم فإن التعديل الوزاري هو محاولة صريحة للجم الاحتجاجات الكولومبية التي اندلعت بالأساس ضد سياسات السوق الحر ومحاولة لاختزالها في الطابع السياسي وتفريغها من محتواها الاجتماعي. ذلك التعديل الوزاري الذي يهدف بالأساس إلى تسكين المحتجين في ظل انتهاج نفس السياسات الاقتصادية سيجعلنا بالضرورة نشهد موجة احتجاجية أخرى.