بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

حصاد الرأسمالية

خصخصة القطاع الصحي بإسبانيا: العلاج لمن يدفع

بعد الإضراب العام الذي قام به مئات الأطباء والممرضون والعاملون بالمراكز الصحية في مدريد، خرج آلاف المتظاهرين مع مطلع العام الحالي بأقوى المسيرات منذ أن أعلنت الحكومة الإسبانية الاتجاه نحو خصخصة المستشفيات العامة والمراكز الصحية. المؤشرات تؤكد أنه تم بالفعل خصخصة 6 مستشفيات بمدريد و10% من المراكز الصحية البالغ عددها 270 مركزاً، كما تضمن القرار دفع يورو واحد لكل وصفة طبية ابتداء من الشهر الجاري.

المتظاهرون احتشدوا في أهم شوارع العاصمة مدريد حاملين لافتات كتب عليها:”الصحة العامة لا تباع، بل يجب الدفاع عنها”، كما انضم مئات الأطباء والممرضين والعاملين إلى صفوف المتظاهرين فيما قدم 322 عضواً إدارياً في 137 مركزاً صحياً عاماً استقالتهم احتجاجاً على قرار الخصخصة، معتبرين أن خصخصة 10% من المراكز الصحية يمثل الخطوة الأولى على طريق خصخصة جميع الخدمات الصحية في العاصمة الإسبانية بما يتعارض كليا مع حقوق المواطنين.

الحقيقة أن قرار خصخصة القطاع الصحي أتى متوازياً مع الإطار الاقتصادي الذي تنتهجه الحكومة الإسبانية في ظل أزمة اقتصادية طاحنة تعصف بالبلاد وتغرقها بالديون، حيث كشفت الحكومة مؤخراً عن موازنة تقشف شديدة الصرامة للعام الحالي لضبط العجز تهدف إلى خفض النفقات بحوالي 40 مليار يورو وسط احتجاجات شبه يومية لمئات الآلاف من المدرسين وعمال المناجم والطلبة وموظفي الصحة.

تأكيدات صندوق النقد الدولي جاءت حول ضرورة استمرار إسبانيا في خطط التقشف لاستعادة التوازن المالي بمدى قدرتها على إعادة رسملة مصارفها، وبناء عليه وجدت الحكومة المتعثرة أن الحل يكمن في إعادة قدرة البنوك على ضخ مزيد من الأموال باقتراض مبالغ ضخمة من صندوق النقد الدولي يشترط معه التسديد بقيمة فائدة محددة أو بالفرض المباشر لمزيد من الضرائب على الغالبية العظمى من المواطنين، وفي إطار خطة أعم تشمل توجهات تقشفية عميقة. الحقيقة أن الحل الأول في الاقتراض لا يتنافى أبداً مع التوجه الثاني في فرض التقشف وما يصاحبه من غلاء معيشة وبطالة متزايدة، وخاصة إذا علمنا أن قروض النقد الدولي تفرض حزمة صارمة من التوجهات السياسية والاقتصادية يقتضي على إثرها فرض خطط تقشفية معادية للحقوق الاجتماعية للمواطنين.

تأتي الأزمة الاقتصادية الإسبانية في سياق الأزمة الرأسمالية العالمية التي ضربت الأسواق منذ عام 2008 بسبب تهافت الرأسماليين على سوق العقار، ونتيجة للعشوائية والسوق الحر الذي يميز الرأسمالية كنظام اقتصادي ظهرت أزمة الكساد العقاري التي لم تشبع أطماع الرأسماليين في تحقيق المزيد من الأرباح وتسببت في تعثر البنوك، كما ألقت بظلالها أضعافاً مضاعفة فوق كاهل المواطنين. ففي الوقت الذي استنفذ فيه صندوق النقد الدولي إقراضه لدولة توشك على الإفلاس، كان المواطن على الجانب الآخر ضحية لديون خارجية تفرض على الدولة تقليل الإنفاق الخدمي وضحية أيضاً لتوابع الأزمة من بطالة وتشريد وغلاء معيشة وتدهور اقتصادي اجتماعي غير مسبوق.

الأزمة الرأسمالية العالمية التي سببتها الفوضى في السوق والعشوائية في الإنتاج من أجل الربح فقط دون النظر لاحتياجات البشر قلصت قدرة البنوك على الإقراض بما يعني انكماشاً في تمويل المشاريع الاستثمارية والبدء بإغلاق المصانع الصغيرة إلى تسريح أعداد ضخمة من العاملين في الشركات الكبيرة، وبناء عليه ازدياد دائم بمعدلات البطالة. والبطالة بدورها تؤدي إلى انخفاض في القدرة الشرائية وبالتالي تراجع في استهلاك السلع المنتجة، وهو ما قد يتسبب بدوره في إعلان إفلاس شركات أكثر وغلق أبوابها.

وفي كلتا الحالتين، قبل الأزمة حيث العشوائية في المنافسة وبعد الأزمة حيث تعثر البنوك، وقفت الدولة إلى جانب طبقة رجال الأعمال، المتسببن الحقيقيين بالأزمة، بالرغم من تسجيل معدلات فائقة لتحويل رجال الأعمال الأسبان أموالهم إلى بنوك أوروبية أخرى، بل وقدمت الدولة كافة أشكال الدعم لهم  بدءاً بصفقات الخصخصة الفاسدة التي تجري في القطاعات الخدمية الآن حيث يتحول فيها المواطن إلى سلعة، وصولاً إلى التصدي للحركة العمالية وسن القوانين المعادية لها، حيث قامت الحكومة بزيادة ضريبة فائض القيمة من 18 الى 21%، كما قلصت رواتب العاملين في القطاع العام بنسبة 7%، ورفعت سن التقاعد إلى 65 عاما مع حساب المعاشات على أساس مساهمات العاملين لآخر 16 عام فقط من سنوات العمل، كما سجلت إسبانيا أعلى معدل بطالة بأوروبا.