بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كارثة التسونامي: غضب الطبيعة أم جرائم الإمبريالية؟

عندما تحدث كارثة طبيعية بحجم الزلزال المرعب الذي ضرب المحيط الهندي، يلجأ الكثير من الناس إلى تفسيرات دينية أو قدرية ويكون رد فعل الغالبية العظمى من البشر هو التعاطف مع الضحايا والرغبة في التضامن والمساعدة. وبالطبع لا يمكن لأحد أن يمنع حدوث زلزال أو بركان أو يختار المكان الذي تحدث فيه مثل هذه الكوارث الطبيعية.

لنبدأ أولاً بطبيعة الكارثة. زلزال هائل بقوة 9 على مقياس ريختر في قاع المحيط الهندي وعلى بعد 160 كيلومتراً من الشواطئ الشمالية لجزيرة سوماترا الإندونيسية.

والسبب كما هو الحال في جميع الزلازل ليس غضب الآلهة بل تصادم أجزاء من القشرة التكتونية للأرض. وقد فجر الزلزال موجة هائلة تحركت بسرعة نحو الشواطئ المطلة على المحيط.

والأمواج الضخمة التي تسببها التسونامي ليست ظاهرة جديدة بل يعرفها ويدرسها العلماء جيداً. ومنذ الستينات من القرن الماضي وضعت الحكومة الأمريكية أجهزة للإنذار المبكر في المحيط الهادئ بحيث تعرف حدوث الزلزال ساعات قبل وصول الأمواج المدمرة إلى شواطئها وهذا يعطي الحكومة الوقت الكافي لإنذار سكان المدن الساحلية وإخلاء كافة المناطق المهددة.

وفي تسعينات القرن الماضي حذرت لجنة من الأمم المتحدة معنية بظاهرة التسونامي من إمكانية حدوث هذه الظاهرة في المحيط الهندي. ولكن المحيط الهندي (ذو الشواطئ الآسيوية الفقيرة) ظل خالياً من أجهزة الإنذار المبكر التي ينعم بها المحيط الهادئ (ذو الشواطئ الأمريكية واليابانية الغنية).

وما هو أفظع من ذلك كله هو أن مركز الإنذار في المحيط الهادئ سجل زلزال المحيط الهندي وخلال 45 دقيقة أرسلت التحذيرات إلى القوات البحرية الأمريكية والقاعدة الأمريكية في جزيرة دييجو جارسيا والى الحكومة الأسترالية. ولم تبلغ حكومات الهند وسيريلانكا وإندونيسيا.

أما حكومة تايلاند والتي وصلها خبر الزلزال ساعات قبل أن يبتلع المحيط شواطئها, فيبدوا أنها اتبعت منهج الحكومة المصرية فقررت عدم نشر الخبر حتى لا تؤثر سلباً على السياحة!

ولكن لنتمعن قليلاً في من قتلتهم الأمواج, فالغالبية العظمى من الضحايا هم صيادون وفلاحون فقراء يعيشون في أكواخ ضعيفة على شواطئ أتشا الإندونيسية وسريلانكا والهند. وهؤلاء لم ينذرهم أحداً بالطبع. والفقراء هم دائماً من تفتكه مثل هذه الكوارث. لنتذكر المساكن العشوائية التي انهارت على ساكنيها في زلزال 1992 بالقاهرة أو المساكن العمالية التي ذابت كالرمال في زلزال تركيا!!

وإذا انتقلنا إلى رد الفعل العالمي للكارثة فقد رأينا زعماء البلدان الغنية, واحد تلو الآخر, يعلنون تضامنهم وحزنهم واستعدادهم للمساعدة بمئات الملايين من الدولارات وبكل امكانياتهم الجبارة لنصرة المنكوبين ومساعدتهم على إعادة البناء والأعمار. وهذا تماماً ما يحدث كلما تمردت الطبيعة بشكل كارثي.

هل يتذكر أحد الزلزال المدمر الذي ضرب مدينة بام الإيرانية في نهاية عام 2003؟ تعهدت الدول الغنية في ذلك الحين بدفع مساعدات بقيمة 1.1 مليار دولار. لم يصل من هذه الأموال إلا 17.5 مليون دولار حتى اليوم. وعندما اجتاحت الفياضانات موزامبيق في عام 2000 ووعدت الدول الغنية بمئات الملايين من الدولارات بإسم الإنسانية لم يصل منها بعد خمس سنوات إلا نسبة ضئيلة. وفي عام 1998 عندما اكتسحت عاصفة ميتش الهوندوراس ونيكاراجوا, وعدت الدول الغنية وعلى رأسها الولايات المتحدة بمشروع كامل لإعادة البناء ومساعدات بقيمة 8.7 مليار دولار وكالعادة ما وصل حتى الآن من هذه المساعدات لم يتجاوز ربع ما وعد به.

من المهم أن ندرك ونحن نشاهد زعماء الدول الغنية وهم يتحدثون عن الإنسانية وعن ضرورة مساعدة المنكوبين أن إجمالي ما تنفقه الدول الرأسمالية الكبرى من مساعدات للدول الفقيرة بما يشمل ذلك من مواجهة الكوارث الطبيعية والأمراض والمجاعات والتنمية لا يصل الى 1% من إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول (ألمانيا: 0.28%. بريطانيا: 0.34%. فرنسا: 0.41%. الولايات المتحدة: 0.15%.)

وحتى لو افترضنا أن واشنطن ولندن سيدفعان ما وعدا الدول المتضررة به (أقل من مليار دولار), فهذا سيكون أقل من تكلفة طائرة حربية واحدة من طراز “ستيلث” التي تدمر ليلاً نهاراً مدن وقرى العراق وأفغانستان، وسيكون أقل أيضاَ من تكلفة أسبوع واحد من حربهما القذرة في العراق.

ونفس الحكومة البريطانية التي يبكي رئيس وزرائها حزناً على ضحايا التسونامي ويعد بإعادة بناء إقليم أتشيه الأندونيسي، نفس هذا الرجل هو الذي أعطى قرضاً بمليار دولار للحكومة الإندونيسية في شهر نوفمبر الماضي لشراء أسلحة وطائرات ودبابات وذخيرة (بريطانية طبعاً) لإستخدامها في قمع الحركة الإنفصالية في نفس ذلك الإقليم المنكوب. وقد قتل الجيش الإندونيسي أكثر من 20 ألف شخص في الإقليم قبل أن يأتي التسونامي ويقتل 100ألف آخرين.

وقد تحول سريعاً مجال المساعدات لمنكوبي التسونامي الى سيرك للمنافسة الإمبريالية. ففي البداية كانت واشنطن تريد استبعاد أوروبا والأمم المتحدة وتشكيل لجنة رباعية (الولايات المتحدة, اليابان, الهند, أوستراليا) لإدارة عملية المساعدات وإعادة البناء, ولكن الأوروبيون سرعان ما تذمروا ضد محاولات واشنطن لإحتكار هذا العمل الإنساني الكبير, فهم أيضاً يريدون نصيبهم من المهرجانات الإعلامية والدموع.

وبالطبع لم تخفي الإدارة الأمريكية كعادتها أن توجه كلمة لمسلمين العالم “لعلهم يتقون” فقد صرح كولن باول وزير الخارجية الأمريكي أن العالم الإسلامي أمامه فرصة ليرى الكرم الأمريكي والقيم الأمريكية في الممارسة.

وقد قتل نفس هذا الكرم الأمريكي أكثر من مئة ألف عراقي حتى الآن وأوصل نسبة وفيات الأطفال إلى نفس تلك الموجودة في أوغاندا وبوروندي, ودمر بسخائه أكثر من 700 مدرسة خلال عام واحد. أما أموال إعادة البناء في العراق والتي وعد منها المليارات فلم يظهر منها إلا 29 مليون دولار ذهبوا لتجنيد المرتزقة.

وقد وصل النفاق الى مداه في الإعلام البرجوازي الغربي. الكل يتذكر جيداً كيف كانت قنوات الأخبار الغربية تمتنع عن نقل مشاهد الجثث في العراق خوفاً على مشاعر المشاهدين, وكيف هاجموا بعنف القنوات العربية البربرية التي تنقل مثل هذه المشهد البشعة. وجاء التسونامي وعلى ما يبدوا أزاح مع ما أزاح هذه المشاعر الرقيقة وإمتلأت شاشات القنوات الغربية بالجثث الملقاة على الشواطئ ممزقة, منتفخة, مشوهة, أطفال ونساء ورجال.

إن كارثة التسونامي ليست أولى الكوارث الطبيعية ولن تكون آخرها, وطوال القرن الماضي ونحن نرى كيف يستخدم حكام هذا العالم هذه الكوارث لمصلحتهم بالكذب والتضليل والنفاق. وكيف يصنعون بأيديهم ما هو أفظع بمراحل من ما تفعله الطبيعة حين تغضب.

ولعله من الملائم أن ننهي هذا المقال بما كتبته المناضلة روزا لوكسمبورج حين انفجر بركان جزيرة مارتنيك وقتل أكثر من 40 ألف شخص: “لقد حولوا الآن أنظارهم إلى مارتنيك, بقلب واحد وعقل واحد, فهم يساعدون وينقذون ويمسحون الدموع ويلعنون البركان المدمر. أيها الجبل العملاق, يمكنك أن تضحك, يمكنك أن تنظر إلى أسفل باحتقار إلى هؤلاء القتلة الطيبون, هؤلاء الوحوش الباكية. ولكن سيأتي يوم حينما يرفع بركاناً آخراً صوته الرعدي, بركان يغلي غضباً, سواء أردت ذلك أم لم ترده. وسيمسح هذا البركان هذه الحضارة الملطخة بالدماء من على وجه الأرض. وفقط على أنقاضها ستوحد الشعوب في إنسانية حقيقية.”