بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كريس هارمان.. ستبقى ذكراك ملهمة

كريس هارمان في نقابة الصحفيين، إبان مؤتمر «أيام اشتراكية». عدسة: حسام الحملاوي، 6 نوفمبر 2009

لعلها لم تكن مصادفة أن يختتم حياته في القاهرة، أثناء مشاركته في “مؤتمر أيام اشتراكية”، لأنه في كل الأحوال لم يكن رفيقنا يكل أو يمل من دعم أو مساندة المناضلين من أجل الحرية والاشتراكية، في أي مكان على وجه الأرض، إن لم تكن النهاية في القاهرة فإنها ستكون في جنوب إفريقيا أو اليونان، أو اليابان، أو باكستان، وغيرها من الدول، التي ظل يجوبها من شرقها إلى غربها ومن شمالها لجنوبها، حاملا أفكاره التي ظل مخلصًا لها حتى أخر لحظات عمره، ظل مؤمنا بتحقيقها.

هو المؤرخ والمفكر الاقتصادي الماركسي البريطاني كريس هارمان، الذي فارق الحياة في فجر السابع من نوفمبر في القاهرة، عن عمر يناهز 67 عاما، قبل يوم ميلاده بيومين، الذي لم يسعفه القدر الاحتفال به نتيجة الأزمة القلبية التي داهمته.

ولد هارمان في نوفمبر 1942 لأسرة عمالية في مدينة Watford البريطانية، كما التحق بالمدرسة في نفس المدينة. وثم التحق بجامعة Leeds في الفترة من 1962 إلى 1965، وخلالها ارتبط بمجموعة اشتراكية، وفي العام 1965 قرر هارمان الالتحاق بـ London School of Economics، لنيل رسالة الدكتورة في الاقتصاد، وظل يدرس فيها حتى عام 1968، وكانت تلك الجامعة مركز الحركة الطلابية في النصف الثاني من الستينات، ولعب دورًا قياديًا في الحركة جعله يغير مجرى حياته، فترك الدكتوراه والدراسة الأكاديمية وتفرغ للسياسة منذ بداية السبعينيات.

رغم تخلي هارمان عن دراسته الاكاديمية، فإنه لم يرجعه خطوة واحدة للخلف، بل ظل المثقف الثوري، الذي يوظف ثقافته، ومطالعاته المتعددة من أجل خدمة قضية انتصار الطبقة العاملة، والاشتراكية.

هكذا انضم هارمان لتيار الاشتراكيين الأمميين، الذي تأسس في أوائل الخمسينيات استنادا إلى تحليل المفكر الماركسي طوني كليف، لتجربة الاتحاد السوفيتي، وغيرها من الدول التي كانت تسمى اشتراكية باعتبارها “رأسمالية دولة بيروقراطية”. هذا التيار صاحب الفضل في استمرار الماركسية كتراث ثوري حي قادر على إلهام المضطهدين.

تولى كريس هارمان رئاسة تحرير جريدة “Socialist worker” الأسبوعية في عام 1975 حتى عام 2004.

في سلسلة من الكتابات التي ألفها هارمان كان أبرزها كتاب “الصراع الطبقي في أوربا الشرقية”، في عام 1974 ، وخلاله قدم تحليل عميق للطبيعة الطبقية للبيروقراطيات الحاكمة والتناقضات الداخلية لرأسمالية الدولة في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية.

كتب هارمان في الثمانينات عدد من الكتابات التاريخية أهمها كتاب” الثورة المفقودة”، وهو كتاب عن الثورة الألمانية في سنوات 1918-1923، أما كتابه “1968 The Fire Last Time” الذي أصدره في عام 1988 كان أيضا من أهم الكتب التي قدمت تحليلا لثورة مايو عام 1968، فاستطاع هارمان من خلاله الإلمام بأحداث الحركة في فرنسا وبقدر أوسع عن أوربا من منظور أممي، وإذا كان هذان الكتابان اصبحا من كلاسكيات التأريخ الماركسي لأحداث بعينها

في عام 1999 قدم هارمان كتاب بالغ الطموح يحلل فيه تاريخ العالم ككل من منظور ماركسي هو “التاريخ الشعبي للعالم”، ويعتبر كتاب ضخم يحوي كم هائل من المعلومات التاريخية، لكن والأهم وهو التحليل الماركسي الذي قدمه هارمان لمراحل التاريخ البشري، من فترة ما قبل الزراعة وحتى القرن العشرين مستندا إلى أهم الكتب والمصادر التاريخية الحديثة. وتم إعادة نشر الكتاب في عام 2006، ويعد هذا الكتاب من أكثر كتبه شهرة.

كان هارمان منذ عام 2004 حتى وفاته رئيسا لتحرير مجلة نظرية تصدر كل 3 أشهر عن حزب العمال الاشتراكي في بريطانيا، هي “International Socialism”، ومن أهم المقالات التي قام بنشرها في هذه المجلة “قبل العاصفة” و “هبوب العاصفة”، وتناول خلالهما انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية.

رغم كل المهارات والإمكانيات التي تمتع بها هارمان من ثقافة وخبرة في جميع المجالات، إلا أنه ظل يتقاضى متوسط أجر العامل كمحترف في حزب العمال الاشتراكي، ونتيجة لذلك كان مسكنه شديد التواضع في حي عمالي في لندن هو حي هاكني.

كرس هارمان حياته بالكامل للاحتراف السياسي دون النظر للشهرة، أو توظيف كتاباته لتغيير وضعه الاجتماعي، على الرغم من أن أي من كتاباته العديدة في التاريخ أو الاقتصاد تصلح لنيل درجة الدكتورة أو لنيل منصب أكاديمي مرموق، بمرتب مغري، لكن هذا الإنسان المتواضع البسيط ظل مخلصاً لقضيته، عاش من أجلها، وحتى الرمق الأخير.

لم يقتصر هارمان على الكتابات التاريخية فحسب، بل أن كتابته الاقتصادية ذات أهمية بالغة. وحرصاً منه على توظيف المعرفة في خدمة قضية الثورة الاشتراكية، حرص على الكتابة بلغة بسيطة، في متناول القارئ العادي، والعامل.

فساهم هارمان في تبسيط الاقتصاد الماركسي بكتابات بسيطة ولكن بتحليل عميق، بداية من شرح فائض القيمة، وصولًا إلى تحليل الأزمات الدورية للرأسمالية.

من أهم كتاباته في هذا المجال كتاب “تفسير الأزمة” الذي صدر في منتصف الثمانينات متناولا فيه تحليل للأزمة الرأسمالية، التي شهدها العالم في بداية السبعينيات. وتلا هذا الكتاب سلسلة متنوعة من المقالات التي نشرتها مجلة “الاشتراكية الأممية”.

عاد هارمان في منتصف التسعينيات بكتاب “الاقتصاد المجنون”، ورفض من خلاله الاتجاهات الاقتصادية، التي فرضها النظام الرأسمالي مثل الليبرالية الجديدة، وكذلك “الكنزية”، والتي تتيح تدخلا أكبر للدولة في الاقتصاد. واستطاع ربط السياسات الجديدة بالأزمة الرأسمالية التي حدثت في منتصف التسعينات.

لم يكن هارمان مجرد مثقف يؤلف المجلدات ويحضر المؤتمرات، بل كان يزداد إيمانه بأفكاره يوم بعد يوم بمشاركته في الأحداث التي تجري حوله حتى ولو كانت في آخر بلاد العالم.

ودليل على ذلك أنه كان من أبرز القياديين في حركة “ضد الحرب” في إنجلترا، التي خرجت في مظاهرات كبيرة تضامنية مع العراق ضد الاستعمار الأمريكي في مارس 2003.

كما ظهرت مواقف هارمان من القضية الفلسطينية أو الصراع العربي الصهيوني، وأبرزها في عدد من المقالات منها مقالة “ماهية الصهيونية والمسألة اليهودية”.

كتب هارمان كتابه “انتصار المقاومة” بعد حرب حزب الله وإسرائيل في عام 2006، وكان له موقف واضح معاد للصهيونية ومؤيد لكافة أشكال المقاومة ضد الوجود الصهيوني مقدما تحليلا للعدوان الصهيوني، وقدرة المقاومة على صده وتحليل للجيش الإسرائيلي، في الوقت الذي أدانت فيه جميع الأنظمة الحكومية حزب الله، وجميع أشكال المقاومة.

أهتم كريس هارمان بتحليل الحركات الإسلامية من خلال كتابه “النبي والبروليتاريا” الذي صدر في عام 1994، وتحدث فيه عن الثورة الإيرانية، وكان بمثابة دراسة للإسلام السياسي من وجهة نظر ماركسية.

اختتم كريس هارمان حياته بكتاب ” Zombie Capitalism” الذي صدر هذا العام، استطاع هارمان من خلاله وضع الأزمة الرأسمالية الحالية في سياق تاريخ النظام الرأسمالي ككل وربطها بأزماته المتعددة.

ودع كريس هارمان رفاقه وزملائه في مصر، ممن صادف التعرف عليهم، وكانوا ينتظرونه من السنة إلى سنة، لكن هذه المرة دون تلويح، دون وعود بالعودة من جديد، تاركا أفكاراً آمن بها طوال حياته في كتبه ومقالاته لتراها أجيال تطوق لرفع راية الاشتراكية الثورية، مستكملة طريق هارمان وغيره من المناضلين من أجل الثورة الاشتراكية.