بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كوسوفو: ماذا بعد الحرب؟

توقفت الحرب مؤقتا في البلقان بعد 11 أسبوعا من القصف اليومي والغارات الجوية الوحشية على مدن صربيا وكوسوفو بواسطة طائرات الناتو. خلفت الحرب وراءها الكثير من الضحايا المدنيين الأبرياء من الصرب واللاجئين الألبان أنفسهم الذي ادعى الناتو أنه يتدخل لإنقاذهم. استخدمت قوات الناتو القنابل العنقودية وقنابل اليورانيوم في حملتها الجوية، أما الأهداف التي أصيبت فمعظمها أهداف مدنية من كباري وطرق ومصانع ومدارس وكنائس، فتم تدمير معظم البنية الأساسية التحتية ليوغسلافيا، وأدى قصف معامل تكرير البترول والمصانع الكيماوية إلى إطلاق كميات ضخمة من المواد والغازات السامة في الهواء وفي مجرى نهر الدانوب.

أما المثير للسخرية الشديدة فهو التسوية السلمية التي أنهت الحرب… إن السبب الرئيسي لحملة الناتو على يوغسلافيا، كما ادعى قادته، هو إجبار الحكومة اليوغسلافية على قبول اتفاقية رامبويه التي حاولت أمريكا فرضها على الأطراف المتنازعة في البلقان. كانت الحكومة اليوغسلافية قد وافقت على جميع بنود الاتفاقية قبل الحرب ما عدا بعض البنود التي أصرت عليها أمريكا وهي تتضمن إعطاء الحصانة لجنود الناتو من جميع القوانين المدنية والجنائية في يوغسلافيا عند دخولهم لإقليم كوسوفو، وإعطائهم الحق في استخدام جميع المطارات والطرق والموانئ مجانا في يوغسلافيا كلها (وليس في إقليم كوسوفو فقط!) وإعطائهم الحق في استخدام المياه الإقليمية والمجال الجوي اليوغسلافي، والحق في المرور ودخول أي منشأة يوغسلافية، أي بمعنى آخر تنص تلك البنود على أن يحتل جنود الناتو جمهورية يوغسلافيا كلها وليس إقليم كوسوفو فقط! وبالطبع لم تقبل الحكومة اليوغسلافية ذلك فكانت الحرب.

أما الشيء المثير للضحك، أو بمعنى أصح البكاء، هو التسوية السلمية التي وافقت عليها يوغسلافيا والناتو، وبالتالي انتهت الحرب، فالاتفاقية الجديدة لا تتضمن أيا من البنود السابقة والتي كان رفض يوغسلافيا لها سببا لإشعال الحرب!! معنى ذلك إذن أنه كان من الممكن تجنب المجازر التي حدثت منذ يوم 24 مارس — يوم بدء الحملة البربرية — ولكن الإمبريالية الأمريكية كانت تبغي الحرب منذ البداية لاستعراض قوتها ولتثبت للعالم كله أنها الشرطي في النظام العالمي الجديد ولترسل رسائل إرهاب لمنافسيها التجاريين من الصين واليابان، ولتوسع في بسط نفوذها العسكري شرقا في ناحية جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الغنية بالبترول الذي سيتم تصديره عبر أنابيب بترول جديدة تمر بالبلقان.

ما فعله التدخل الإمبريالي في كوسوفو هو دفع الأوضاع لمزيد من التدهور. فأعداد اللاجئين زادت من 4 آلاف لاجئ يوم 27 مارس (بعد ثلاثة أيام من بدء القصف) إلى 815 ألف لاجئ بحلول 4 يونيو طبقا لإحصائيات الأمم المتحدة. وغير متوقع أن يشهد الإقليم استقرارا بعد القصف، فمنذ دخول قوات الناتو بدأت حملة عنف عرقي بين الألبان والأقلية الصربية بالإقليم، ومن المتوقع أن تزداد أعمال العنف في المستقبل القريب.

إن الطريق الحقيقي لحصول الألبان على حريتهم وحقهم في تقرير مصيرهم هو ربط نضالهم بنضال المنظمات العمالية والديمقراطية بصربيا نفسها، فهي القوة الوحيدة القادرة على إسقاط نظام هذا الجزار ميلوسوفيتش، وليست قوات حلف الإمبريالية التي سرعان ما سيتكشف للألبان أنها لا تعدو أن تكون قوة محتلة جديدة أكثر همجية ووحشية من ميلوسوفيتش نفسه.

هل تصبح كوسوفو “بوسنة” جديدة؟
يتحدث قادة الناتو بحماس عن طريقتهم في إدارة جمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء الحرب في 1995، على أنها النموذج الأمثل للتطبيق في كوسوفو، ولكن هذا الكلام لا أساس له من الصحة، فقد جاء التدخل الإمبريالي في البوسنة بكارثة حقيقية.

بالرغم من الدعاوى الإمبريالية الرامية إلى تصوير البوسنة “كمحمية” تتمتع برعاية الدول الغربية فإنها في حقيقتها تدار “كمستعمرة” ذات هامش ديمقراطي ضيق. لقد أجبرت دول الناتو – وبالذات أمريكا – حكومات البلقان على قبول اتفاقية دايتون التي أنهت الحرب عام 1995، وقد قسمت تلك الاتفاقية البوسنة إلى جمهورية صربية وفيدرالية مسلمة – كرواتية، وكان من المفترض أن يتم التصالح بينهما مع التقدم الاقتصادي الذي كان سيعم المنطقة، ولكن النتيجة جاءت عكسية تماما.

· من بين 2.1 مليون لاجئ ومهجر عاد ربعهم فقط إلى ديارهم!
· تم تدمير وإصابة نصف المساكن أثناء الحرب، ولم يتم إصلاح أو إعادة بناء سوى 10% منها فقط!
· 75% من اللاجئين الذين عادوا عاطلين عن العمل!
· مازال الإنتاج الاقتصادي في الفيدرالية المسلمة – الكرواتية في مطلع عام 1998 أقل من نصف ما كان عليه عام 1990، وتنفق الفيدرالية 40% من ميزانيتها على الدفاع!

وسياسيا لا يتحكم البوسنيون في حياتهم، فالسلطات التشريعية والتنفيذية تتركز في يد الممثل الأعلى للأمم المتحدة، الذي يمتلك السلطة المباشرة في فرض القوانين، وحق “الفيتو” ضد المرشحين، وحق فصل الأعضاء المنتخبين “الغير متعاونين” في المؤسسات البوسنية. ولا يحق لبوسني أن يشغل منصب محافظ البنك المركزي البوسني. وفي الوقت الحالي تدار البوسنة بواسطة دبلوماسي أسباني، ويتحكم مسئول نيوزيلندى في شئونها المالية، ويرأس شرطتها ضابط أمريكي سابق (بشرطة لوس أنجلوس ذات السمعة السيئة في العنف والعنصرية ضد السود).

ما سيحدث في كوسوفو سوف يختلف طبعا في بعض التفاصيل، ولكن لن يختلف من الناحية العامة. والاختلاف الرئيسي في حالة كوسوفو هو أن القوى الإمبريالية أوضحت أنها ستكون أكثر قسوة وعدوانية في تنفيذ خططها. فقد صرح المتحدث باسم (كارلوس وستندورب) مراقب تنفيذ اتفاقية دايتون قبل دخول قوات الناتو: “فلتذهب مشاعر ما بعد الاستعمار إلى الجحيم، أنت لا تستطيع تثبيت اتفاقية إلا إذا امتلكت قوة مطلقة.” وأضاف أنه يجب أن يقال للصرب والألبان في كوسوفو: “إنها ليست ملكا لأي منكما، إنها ملكنا نحن، إنها إمبراطوريتنا الجديدة، إنه الاستعمار الجديد باسم المجتمع الدولي.”

مصير جيش تحرير كوسوفو؟
ماذا سيكون جيش تحرير كوسوفو؟ يتردد هذا السؤال الآن بقوة مع انتهاء ضربات حلف الأطلنطي ودخول قواته للإقليم بعد طرد القوات الصربية. فطبقا لاتفاقية السلام التي سيتم تطبيقها ستقوم قوات حفظ السلام الدولية (كفور) بالسيطرة على الإقليم ونزع سلاح جميع الميليشيات المتواجدة سواء صربية أو ألبانية متضمنة جيش تحرير كوسوفو نفسه.

لقد تغير موقف الحكومة الأمريكية من جيش تحرير كوسوفو أكثر من مرة على مدار العام الماضي، فبعد أن وصفتهم مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية بأنهم “إرهابيون” تحولوا إلى حلفاء أقوياء للإمبريالية الأمريكية بالبلقان. وهذه كارثة تقع فيها معظم حركات التحرر الوطني الضعيفة التي تلجأ للارتماء في أحضان “القوى العظمى” عند فشلها في مواجهة خصم أقوى منها، وينطبق هذا أيضا على حالة الأكراد والمجاهدين في أفغانستان.

لقد لعب جيش تحرير كوسوفو دورا مهما في الحرب الأخيرة، إذ ساهم في إمداد حلف الأطلنطي بالعديد من المعلومات المهمة وتقارير أرضية عن نتائج القصف الجوي، بل وقاتل أعضاؤه أيضا بجانب قوات الحلف في معركة فتح معبر بريزرن-بيش التي تضمنت ذبح الآلاف من مجندي الجيش اليوغسلافي عن طريق محاصرتهم أرضا في حين تقوم طائرات الحلف بقصفهم جوا.

إن الهدف الأساسي الذي قام جيش تحرير كوسوفو من أجله هو استقلال كوسوفو بعيد عن يوغسلافيا، ولكن اتفاقية السلام الجديدة، بل واتفاقية رامبويه السابقة لا تتضمن ذلك، بل وتؤكد أن كوسوفو جزءا من يوغسلافيا يجب أن يتمتع فقط بحكم ذاتي. وبدخول قوات الحلف للإقليم وتقسيمه إلى خمس مناطق نفوذ بين أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطالية (وبمشاركة روسية جانبية) وبمطالبة الحلف لجيش التحرير بنزع سلاحه فإنه من المتوقع في المستقبل القريب أن تبدأ مواجهات بين مقاتلي جيش التحرير والحلف. وقد نقلت جريدة (صنداي تليجراف) الإنجليزية عن إحدى “المصادر الدبلوماسية” أن “شهر العسل بين جيش تحرير كوسوفو وحلف الأطلنطي لن يستمر طويلا”.

لقد بدأت مؤخرا علامات التوتر تظهر في صفوف الجيش بين الذين يقبلون سيطرة الحلف وأولئك المعارضين له والذين يريدون تكملة النضال من أجل الاستقلال التام. وليس من المستبعد أن يظهر هذا التوتر إلى السطح قريبا جدا بتوقيع قادة الجيش اتفاق لنزع السلاح مع قائد (كفور). وقد يأخذ هذا التوتر شكل انقسامات لوحدات مسلحة من الجيش ترفض تسليم أسلحتها، وقد تبدأ في مواجهة الحلف الذي يسيطر الآن على الإقليم. يقول شكري بوجا قائد إحدى المناطق المتواجد بها جيش تحرير كوسوفو “الاستقلال هو هدفنا النهائي، كيف يمكن أن يوافق شعب تعرض لكل هذه المعاناة على أقل من ذلك؟” وتعلق مراسلة جريدة (النيوزويك) قائلة بأن معظم المقاتلين واثقين تماما بأنهم سيصبحون قوات جيش كوسوفو المستقلة وهو الأمر الذي يعارضه حلف الأطلنطي.

يدعي بيل كلينتون وباقي قادة الناتو أن تدخلهم العسكري في البلقان مهمة “إنسانية” لإنقاذ حياة الملايين من الأبرياء، وهذا ادعاء نسمعه كلما تدخلت أمريكا أو دولة إمبريالية أخرى في نزاع يحدث، ونحب أن نستعرض سريعا بعض الأمثلة “المضيئة” في صفحات المهام “الإنسانية” السابقة للجيش الأمريكي.

فييتنام وكمبوديا:
أدى التدخل الأمريكي في تلك المنطقة إلى ذبح مليون مواطن فيتنامي ومليون آخر كمبودي، أثناء الحرب استخدمت القوات الأمريكية كافة الأساليب البربرية التي يدين كلينتون ميلوسوفيتش باستخدامها ضد الألبان: مثل حرق القرى، وإجبار أعداد ضخمة من الأبرياء على الفرار وترك منازلهم، ومذابح جماعية، والإبادة بالكيماويات. فعلى سبيل المثال قام الجنود الأمريكيون بذبح 500 فلاح في قرية (ماي لاي) عام 1967، كان الجنود يقومون بطعن العجائز بالسناكي، وتم إلقاء أحدهم في بئر وعقبه قنبلة يدوية، وقام الجنود أيضا بإطلاق النار من الخلف على بعض السيدات والأطفال الذين كانوا يصلون أمام أحد المعابد المحلية، وعادة ما كان أحد الجنود يقوم بجذب فتاة فيتنامية – في الغالب طفلة – ليغتصبها في أحد الخنادق، وقام أحدهم بإلقاء قنبلة يدوية في كوخ حيث ترقد طفلة عمرها 5 أو 6 سنوات لتمزقها إربا.

الصومال:
قامت الحكومة الأمريكية بإرسال قواتها إلى الصومال عام 1992 بدعوى إنهاء المجاعة والحرب الأهلية المشتعلة هناك، استقبلت الجماهير الصومالية القوات الأمريكية وقوات الأمم المتحدة بالترحاب في البداية، ولكن سرعان ما انقلبت مشاعر الترحاب إلى كراهية وغضب. فلم يؤد تواجد القوات الغربية إلى حدوث فارق حقيقي في توزيع إمدادات التموين، بل أدت القسوة والوحشية التي عامل بها الجنود الجماهير الصومالية لدفعهم إلى أحضان “أمراء الحروب” التي أتت القوات في الأصل لنزع سلاحهم. ولعدة ليال متوالية قامت طائرات الهليكوبتر الأمريكية بمهاجمة العاصمة مقديشو، وتم إبادة 10 آلاف مدني صومالي بعد عملية “إعادة الأمل” كما أطلقت عليها الحكومة الأمريكية!

هاييتي:
تحت مسمى عملية “الحفاظ على الديمقراطية” تم إرسال 20 ألف جندي أمريكي إلى جزيرة هاييتي وهي إحدى أفقر البلدان في العالم في سبتمبر 1994. كانت الجماهير في هاييتي قد انتخبت عام 1990 قسا راديكاليا يدعى (بير أريستيد) استخدم الإنجيل لمهاجمة الرأسماليين ورجال البنوك وأغنياء الجزيرة. فأطاح به الجيش في انقلاب عسكري في عام 1991 وتم فرض نظام قمعي دموي. وتحت ضغط قوارب اللاجئين التي بدأت تتدفق على شواطئ فلوريدا الأمريكية بدأت أمريكا في التحرك “لإنقاذ الديمقراطية” في هاييتي. وبعد تدخلها سمحت القوات الأمريكية لقادة الانقلاب بالفرار بثرواتهم، واستخدمت ميليشياتهم في قمع المنظمات الديمقراطية والعمالية، وربطت الحكومة الأمريكية المعونات بقبول أريستيد لبرامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المتضمنة تسريح آلاف العمال، وتخفيض الخدمات الاجتماعية، وخصخصة ممتلكات الدولة. وعندما أدان أريستيد إصلاحات “المنقذين” أجبرته أمريكا على الاستقالة عام 1995، أي بعد عام واحد من إعادته للحكم!

أرقام وإحصائيات: من خسائر الحرب في صربيا:
· تدمير 54 طريق وكوبري للسكك الحديدية.
· تدمير 20 مستشفى.
· تدمير 5 مطارات مدنية.
· 500 ألف عامل فقدوا وظائفهم بسبب القصف.
· ارتفاع نسبة البطالة في صربيا إلى 50 بالمائة.
· يقدر الاقتصاديون الخسائر الإجمالية لصربيا بين 168 إلى 336 مليار جنيه مصري.
· تحطيم جميع محطات تكرير البترول بصربيا.

أرباح تجار الموت:
· ارتفعت أسعار أسهم شركة بوينج (التي تنتج صواريخ كروز) بنسبة 20 بالمائة.
· ارتفعت أسعار أسهم شركة بريتيش إيروسبيس (التي تنتج الطائرات المقاتلة) بنسبة 12 بالمائة.
· ارتفعت أسعار أسهم شركة راينيون (التي تنتج قنابل الليزر) بنسبة 25 بالمائة.