بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

تركيا

لا للحكم العسكري.. دافعوا عن الحكومة المنتخبة

تكشف الأحداث الأخيرة في تركيا عن إصرار الجيش بالتعاون مع المعارضة العلمانية على تقويض نفوذ حزب العدالة والتنمية الحاكم، حتى لو كان الثمن القضاء على النظام الديمقراطي برمته. لذلك يظل ضرورياً مواجهة ديكتاتورية العسكر وفي نفس الوقت التصدي لسياسة الخصخصة والإفقار التي يتبناها حزب العدالة والتنمية الحاكم بناء على توجيهات صندوق النقد الدولي.

مرتين خلال شهر أبريل خرج مئات الآلاف من الأتراك إلى شوارع إسطنبول وأنقرة للدفاع عن «الجمهورية». وردد المتظاهرون الذين حملوا الأعلام التركية وصور مؤسس الجمهورية، كمال أتاتورك، هتافات تقول: «سعيد من يقول أنا تركي»، «لسنا أرمن، نحن أتراك»، «لا للأصولية الإسلامية». وحمل بعض المتظاهرين لافتات تطالب الجيش بأن «يقوم بدوره» وهو ما يعني عمليا أن تتدخل القوات المسلحة ضد الحكومة.

ما هي «الجمهورية»، ولماذا تجب حمايتها؟

حزب العدالة والتنمية، الحزب الحاكم في تركيا، جاء من خلفية إسلامية بوصفه الوريث الشرعي لحزب الرفاة الإسلامي. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية فعل شيئين أساسيين. أولهما أنه طبق بطاعة عمياء برنامج التحرير الاقتصادي تحت إرشاد صندوق النقد الدولي، وهو المرتكز على الخصخصة، و «إصلاح» أنظمة الضمان الاجتماعي والصحة، أسوة بما يحدث في بريطانيا وكافة مناطق أوروبا. وإزاء اتباعه هذه السياسة، حظي حزب العدالة والتنمية بدعم الشركات الكبيرة في البلاد.

وفي الوقت نفسه، ظلت الحكومة تتمتع بالدعم الشعبي الذي حصلت عليه في انتخابات 2002. بل إن حزب العدالة والتنمية يتمتع الآن بشعبية أكبر من شعبيته بعد الانتخابات. ويرجع ذلك إلى أن الحكومة الحالية، في كافة الأمور غير الاقتصادية، تعد الأكثر ديمقراطية بين الحكومات التي عرفتها تركيا. فقد اتخذت خطوات، ربما كانت مترددة ولكنها في الوقت نفسه غير مسبوقة، لحل المشكلة الكردية المزمنة والمشكلة القبرصية، التي تقف ضمن عقبات أخرى في طريق انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. كما اتجهت الحكومة للتخلص من بعض القوانين القمعية (ربما عاد ذلك جزئيا إلى ضغوط الاتحاد الأوروبي ولكن ليس كلية). وبينما لم تتخذ حكومة حزب العدالة والتنمية خطوة واحدة يمكن أن تعبر عن خلفيتها الإسلامية، إلا أن الحقيقة الأكيدة، هي أن الحزب ولد من رحم تجربة إسلامية، وهو ما يعني أن المتدينين لم يشعروا في ظل حكمه أنهم تحت ضغط.

البقرات المقدسة للأتاتوركية

كل هذه الأشياء تحد من نفوذ التوجه الفكري الرسمي في تركيا، والذي يرتكز على الأسس التي وضعها كمال أتاتورك. وتنظر قطاعات واسعة لهذا الفكر باعتباره معبراً عما يسمى «الدولة العميقة»، والتي في حقيقتها تخضع للجيش واليبروقراطية وفرق القتل شبه الرسمية. ومن ثم فأن صعود حكومة حزب العدالة والتنمية، ينظر إليه بكثير من القلق، من قبل القوى المؤئرة في النظام السياسي. وهو في الأساس قلق على البقرات المقدسة للأتاتوركية، مثل وحدة الدولة، وهو ما يعني رفض انفصال الأكراد أو قبرص، والعلمانية، التي تعني القضاء على كل المظاهر الدينية.

وكان هناك متحدثان باسم الأتاتوركية. الأول هو الجيش، وهذا أمر طبيعي جدا. أما الثاني، وربما هنا تكمن المفاجأة من وجهة النظر الغربية، هو حزب الشعب الديمقراطي، أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان. فقد صرخ الاثنان ضد محاولات الحكومة لإصلاح جهاز الدولة القمعي، ودائما ما عزفا على نغمة «خطر الأصولية الإسلامية» والتي يفترضون أن حزب الحكومة يمثلها. هذا الخطر لا وجود له في الواقع في تركيا، حيث الحكومة لا تمثل الأصولية الإسلامية. والحقيقة أن تركيز حزب الشعب الديمقراطي الدائم على الخطر الوهمي المتعلق بالأصولية الإسلامية، هو ما سمح للحكومة بالنجاح في طريق برامج تحرير الاقتصاد دون أدنى معارضة.

الانتخابات الرئاسية

في تركيا ينتخب البرلمان رئيسا للبلاد مرة كل سبع سنوات. ودائما ما قالت المؤسسة العسكرية وما قال حزب الشعب الديمقراطي، إنهما لن يسمحا لرجل زوجته ترتدي الحجاب، وهو رئيس الوزراء رجب طيب أردوجان، بأن يصبح رئيساً للبلاد، علما بأن الحكومة تستطيع أن تستخدم أغلبيتها في البرلمان لتضع من شاءت على مقعد الرئيس. ومن هنا تعني عبارة «لن يسمحا»، أن الجيش وحزب المعارضة «لن يسمحا للحكومة التي أتت إلى موقعها بالانتخاب الديمقراطي، بأن تعمل وفقا لقواعد الديمقراطية».

وتعبر المظاهرتان اللتان خرجتا إلى الشوارع الشهر الماضي عن رغبة الجيش في أن يخلق ما يشبه القاعدة الشعبية لمعركته ضد الحكومة. ولم يسبق أن حظيت مظاهرة في تركيا بهذا الدعم الإعلامي، وهذا القدر من التعاون من جانب السلطات. ولم أر في حياتي مظاهرة يأتيها المتظاهرون في سيارات الدفع الرباعي، وبقصات الشعر المكلفة بهذا الشكل. الطبقة المتوسطة التي نظمها الجيش وحزب الشعب الديمقراطي خرجت إلى الشارع لتطالب الجيش بالدفاع عن أسلوب حياتها. وبينما أغرقت الأعلام التركية الحمراء شوارع الأحياء الغنية في إسطنبول في يوم المظاهرة، لم تكن في أي مكان آخر أي أعلام أو أشخاص متجهين إلى المظاهرة.

ورغبة منها في تفادي الصدام المباشر مع الجيش، تراجعت الحكومة عن ترشيح رئيسها، رجب طيب إردوجان، ورشحت وزير خارجيته، عبد الله جول لمنصب الرئيس، وذلك على اعتبار أن إردوجان له تاريخ إسلامي قوي ومعروف، بخلاف جول الذي يحظى بسمعة الرجل المعتدل واسع الاحترام.

وإزاء ترشيح جول لمنصب الرئاسة، أصدر الجيش بياناً يهدد فيه بالانقلاب العسكري في مواجهة ما يسميه الميول الإسلامية لجول. بينما حمل حزب الشعب الديمقراطي المسألة إلى المحكمة الدستورية العليا، بسبب ما يراها مخالفات تقنية للقواعد البرلمانية في عملية الانتخاب. وألغت المحكمة الجولة الأولى من الانتخابات، وأصبح من المقرر أن تجرى انتخابات برلمانية مبكرة للخروج من هذا المأزق. وفي بداية الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، أعلن جول سحب ترشيحة بسبب عدم اكتمال النصاب المطلوب لعقد الجلسة البرلمانية الضرورية لانتخاب الرئيس. وجاء هذا التطور بعد أن رفضت المعارضة حضور جلسة البرلمان في ذلك اليوم، احتجاجا على ترشيح جول، حيث حضر الجلسة 351 عضواً من أعضاء البرلمان المؤلف من 550 عضواً بما يقل بواقع 16 عضواً عن العدد المطلوب والذي يمثل ثلثي أعضاء البرلمان وذلك حسبما يقضي الدستور. والآن يسعى حزب العدالة والتنمية قبل إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة، إلى تعديل الدستور بالشكل الذي يسمح بانتخاب رئيس الجمهورية في اقتراع عام.

وليس هناك شك في أن الحكومة ستفوز بسهولة في الانتخابات البرلمانية المرتقبة. وفي الوقت الحالي، يجب علينا أن ندافع عن الديمقراطية ضد الحكم العسكري وذلك في الوقت الذي نواصل فيها النضال ضد برنامج الحكومة لتحرير الاقتصاد، والنضال من أجل بناء الجبهة المعارضة للحرب والاحتلال في العراق، والنضال ضد ما يسمى بالإصلاحات الصحية وضد التغير المناخي.