بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لا يوجد ما يعادل شعور الانتصار

مازال صدى حركة الشباب التي أجبرت الحكومة الفرنسية على التراجع عن قانون عقد العمل الأول مدويا، وانطلقت حركات مماثلة ضد المشاريع الليبرالية في اليونان وشيلي. دينا حشمت تحدثت إلى شابة من قيادات الحركة في مدينة تولوز جنوب فرنسا: سيليا، 17 عاما، ثانوية فنية.

هي التلميذة الوحيدة بين الوفد الفرنسي الذي حضر المنتدى الاجتماعي الأوروبي في أثينا، المكون أغلبه من العمال النقابيين والمناضلين في منظمات “من أجل عولمة بديلة”. تعلن سيليا فورا أنها مهتمة بحضور نوعين من المناقشات أثناء هذا المنتدى، أولا تلك التي تدور حول القضية الفلسطينية، وثانيا، طبعا، تلك التي تتناول حركة الطلاب في فرنسا ضد عقد العمل الأول وكل المناقشات الخاصة بالحركات الطلابية في أوروبا. تحكي وهي سعيدة أن هذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها من فرنسا بعد الحركة، وأنها لم تكن تتخيل أبدا “هذا الكم الهائل من التعاطف مع الحركة، معنا احنا الشباب في فرنسا. وده واضح جدا في عدد الأسئلة اللى بتتوجه لي”. هي مبهورة بتأثير الحركة الإيجابي على كل الحركات الاجتماعية في أوروبا. وعندما تسمع أن المناضلين في مصر كانوا أيضا يتابعون حركة الشباب في فرنسا ويتبادلون أخبارها، تتسع ابتسامتها، وتزداد حماسا، منطلقة في الحديث عما كان “أسعد أيام” حياتها: “الحركة دي غيرت كل حاجة بالنسبة لي”.

تجربة ناجحة

لم تكن الحركة الأخيرة هي الأولى التي شاركت فيها، فسيليا كانت من الوجوه المشهورة في التعبئة التي حاولت إسقاط مشروع فيليون الجديد للتعليم الذي صدر سنة 2005. “المشروع الإصلاحي ده كان هدفه تعميم نوع من الحد الأدنى من المواد الدراسية، يعني بعد ما الطالب يكون خلاص، اتعلم الكتابة والقراءة والحساب، وعرف يستخدم الكمبيوتر، خلاص مش عايزين منه حاجة. هو إقصاء لكل المواد اللى ممكن تربي عند الطالب ميل انتقادي في أي مجال كان”

ولكن قد يكون الفرق بين الحركة ضد مشروع فيليون وحركة هذا العام، هي أن الأخيرة كانت منتصرة، مما أعطى للحركة الاجتماعية كلها في فرنسا دفعة من الثقة والحماس. “لما بندخل معركة، ممكن نخسرها، بس كمان ممكن نكسبها. الفكرة دي،بتاعة ممكن نكسبها، كنا تقريبا نسيناها. حتى احنا، ساعات ما كناش مصدقين بجد إننا ممكن نكسب، أو يعني كنا مصدقين، بس كان فيه الجانب الواقعي، فكرة إنهم عندهم سلاح، إنهم ممكن يدمرونا لو قرروا يعملوا كدة، إن عمرهم ما هايتراجعوا. بس هو ده اللى حصل في الآخر. كان شعور غريب، دهشة، بس كمان خيبة أمل، لأننا ما كسبناش كفاية، وطبعا كنا مبسوطين، لأن كل الشغل اللى عملناه جاب نتيجة.”

الطلبة والعمال معا

ولكن هناك أبعاد أخرى أعطت لهذه التجربة بعدها “الاستثنائي”، كما تصفها سيليا. أحد هذه الأبعاد هو الارتباط المباشر بين حركة الشباب وحركة العاملين في القطاع العام، من الشباب إلى العمال وليس عبر أجهزة النقابات العمالية. فسيليا ذهبت بنفسها إلى مكتب البريد، كي تناقش العمال هناك، هي وعدد من زملائها، وتشرح لهم معنى حركتهم. كان زوج والدتها النقابي في البريد، هو الذي أعطى لها وسيلة اتصال بالنقابيين هناك. ولكن الفكرة لم تمر بسهولة، حتى في وسط الشباب. “في الأول كانوا بيتسائلوا عن فايدة الشغل ده، كانوا بيقولوا إن العمال دول عاملين زي قطيع الغنم وإننا هانبدد طاقتنا على الفاضي.”

ولكن في النهاية شارك الكل في الأنشطة المصاحبة للإضراب، مثلا إغلاق مركز توزيع البريد. “كنا بنصحى الساعة 4 الفجر علشان نروح نمنع خروج ودخول اللواري من المركز. كنا واقفين في البرد، واخدين لبس ثقيل جدا معنا.” لم يكن عمال مركز التوزيع مضربين عن العمل، ولكن بسبب التعاطف مع حركة الشباب كان الكل يتساهل في مواجهة عملية الإغلاق. “هما كانوا مبسوطين. ما كانوش بيضغطوا علشان اللواري تخرج. أول لوري حاول يخرج، لما السواق شاف إننا ناويين نمنعه قال لنا: أنتوا مش هاتخرجوني؟ خلاص هاروح أجيب قهوة. فراح جابلنا قهوة ووقفنا نشربها مع بعض”

قد يكون انخراط سيليا في منظمة سياسية وراء سعيها إلى الارتباط مع حركة العمال. فهي تناضل في صفوف “الشباب الشيوعيين الثوريين”. ولكنها لا تحب “دور الزعيمة” الذي وجدت نفسها فيه، ربما بسبب ظهورها المتكرر في الإعلام، باعتبارها من قيادات الحركة في مدينة تولوز جنوب فرنسا. “ساعات زملائي في المدرسة كانوا ييجوا يسألوني عن اللى مفروض يتعمل، أو ما يتعملش، في مواقف بعينها, الأسئلة دي كنت بحسها غريبة خالص، كنت بقولهم، أعملوا اللى تشوفوا، أنا مش أمكم”.

قيادة في الصفوف الأمامية

وبالرغم من أن قدرتها على المبادرة هي التي دفعت أحيانا الحركة إلى الأمام في مدرستها، وأن لسانها السليط في وجه إدارة المدرسة يميزها عن أغلب زملائها، فإنها ربما لم تعش أحداث الحركة اليومية بشكل مختلف عنهم كثيرا. فكانت يوميا تستيقظ فجرا، وتحضر اجتماعات الجمعية العمومية، ويصيبها الخوف في مواجهة العنف البوليسي. أثناء الحركة تم توقيف أكثر من 8000 شاب وشابة، بعضهم قضى عدة ساعات في مركز الشرطة وبعضهم واجه أحكاما قضائية تصل إلى 6 شهور سجن إلى جانب الغرامة. تتذكر سيليا بالذات اليوم الذي ذهبوا فيه كي يحتلوا محطة القطار الرئيسية في المدينة. “لما وصلنا على بعد 200، 300 متر من المحطة، قوات مكافحة الشغب عملت كوردون قدام المحطة، وكان فيه أمن مدني محاصرنا من وراء. خلاص ما كناش قادرين نتحرك خالص.” كان قد جرح في اليوم السابق شرطي من الفرق الخاصة، “فرق مكافحة الجريمة” الشهيرة بانتهاكاتها العديدة ضد شباب الضواحي. “بدأ البوليس يزقنا وبعدين الفرق الخاصة بدأت تضرب. كانوا بيضربوا زي المجانين، بينتقموا علشان زميلهم اللى اتجرح. أنا ما كنتش شايفة حاجة، بس كنت سامعة صراخ حولي، من كل ناحية، وكأنها كانت مذبحة. بعد كدة خرجونا من ممر صغير، مشينا جري، وبعدين وصلنا على كبري صغير للمشاة وشفناهم عاملين زي صفين، بيعدوا الشباب بينهم وبيضربوهم.”

لم تختلف أساليب القمع كثيرا بين تولوز والمدن الأخرى في فرنسا. فمن كل المدن أتت نفس الشهادات عن وحشية الضرب في المظاهرات، التي أدت إلى جرح المئات من المتظاهرين ودخول أحدهم في حالة غيبوبة دامت حوالي شهر، هذا فضلا عن حالات الإهانة والضرب وخلع الملابس في أقسام الشرطة بحجة التفتيش.

وبعد هذه “التجربة الاستثنائية” تستمرسيليا في النشاط السياسي. “ده بالنسبة لي مفيد جدا. دلوقتي مش بتخيل حياتي بدونه. بالنسبة لي هو ده الدليل على أننا أحياء، الدليل على أننا موجودين، أننا مش بس بنتفرج على المجتمع، وإن المجتمع ده، إذا كان شغال فهو شغال بوجودنا، حتى إذا ما كانش شغال زي ما احنا عايزين. احنا موجودين علشان نحاول نغير، علشان الحياة تكون أفضل. فإذا كانت هناك رسالة مفيدة ومهمة، فهي أننا مش دايما بنكسب، بس لما بنكسب، مفيش أي حاجة أبدا تعادل شعور الانتصار”.