بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لبنان.. الأزمة هي الجزء الطافي من جبل الجليد

الاحتجاجات الأخيرة في الضاحية الجنوبية لبيروت والتي نزل الجيش على أثرها الجيش مؤخرا إلى لبنان أكدت مجدداً أن الأزمة السياسة في هذا البلد تخفي تحت السطح أزمة اجتماعية أكثر عمقاً.

جاءت أحداث الأحد الدامي في الضاحية الجنوبية لبيروت استكمالاً لما تشهده هذه الضاحية من اضطرابات مستمرة. فهذه المنطقة الشيعية التي تعد معقلاً أساسياً من معاقل حزب الله تتميز بسمتين. فهي أولاً تتسم بالفقر الشديد والافتقار إلى معظم الخدمات الرئيسية مقارنة بأحياء وضواحي بيروت. ومن ناحية أخرى، فإن النفوذ الذي يحظى به حزب الله في تلك المنطقة جعلها هدفًا أساسياً للطيران الحربي الإسرائيلي خلال العدوان على لبنان في منتصف 2006، ما ألحق بها دماراً هائلاً لم تتم إزالة آثاره حتى الآن.

وللضاحية الجنوبية سوابق عدة في الصدام مع الحكومة اللبنانية. ففي مايو 2004 تطور اعتصام نظمه سائقو النقل العام في حي السلم إلى مواجهات مع الجيش الذي أطلق النار على المحتجين مما أودى بحياة خمسة أشخاص. وفي العام الماضي، شهدت نفس المنطقة تصادماً بين قوى الأمن الداخلي وعدد من سكان الضاحية بسبب خلاف حول إزالة مخلفات البناء، مما أدى إلى مقتل طفلين. وفي منتصف يناير الماضي، تم تنظيم تظاهرة من جانب أعداد من سكان الضاحية احتجاجاً على ارتفاع تكلفة المعيشة وانقطاع التيار الكهربائي.

وفي يوم الأحد 27 يناير جرى تنظيم سلسلة من الاحتجاجات في منطقة الشياح احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي بشكل مستمر ولساعات طويلة يومياً. وتطور الاحتجاج عندما أغلق الشباب الطرق وقاموا بحرق إطارات السيارات في المنطقة التي تسيطر عليها حركة أمل. وهنا تدخل الجيش بإطلاق الذخيرة الحية لقمع الاحتجاج مما أدى إلى مصرع ثمانية أشخاص وإصابة أكثر من عشرين آخرين.

وتشير أحداث لبنان الأخيرة إلى عدة أمور عادة ما يتم تجاهلها عند تناول الأزمة السياسية في لبنان. فطبيعة الأزمة هناك هي أعمق كثيراً من كونها مجرد صراع سياسي بين الحكومة بزعامة تيار المستقبل والمدعومة من الولايات المتحدة والغرب، والمعارضة بزعامة حزب الله الذي تدعمه كل من سوريا وإيران، حول مرشح الرئاسة والثلث الضامن في الحكومة. فالمسألة التي يتم تجاهلها على الدوام هي الخلفية الاجتماعية والطبقية لهذا الصراع، وللنزاع الطائفي في لبنان بشكل عام. فعلى خلاف الحالة المصرية، حيث لا توجد علاقة بين الانتماء الطائفي والطبقي لأن الأغنياء هم بنفس الدرجة مسلمون ومسيحيون، وكذلك الفقراء، نجد أنه في لبنان الوضع يختلف بشكل جوهري. فالشيعة هم أفقر الطبقات، والمناطق الشيعية في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع الشرقي هي أفقر المناطق في لبنان، وأكثرها معاناة من نقص الخدمات. ففي الضاحية الجنوبية على سبيل المثال، لا تتجاوز إمدادات الكهرباء والماء أربع ساعات يومياً. ومن الطبيعي في ظل كون الشيعة هم الطبقة الدنيا، أن يكون تأثرهم بارتفاع الأسعار المستمر مؤخراً، وخاصة ارتفاع أسعار الخبز، أكثر من غيرهم. من ناحية أخرى، يشير الكثيرون من المعلقين داخل لبنان، إلى ما يسمى تسييس أزمة الخدمات. بمعنى أن الحكومة تتعمد معاقبة المناطق الشيعية لأنها معقل تأييد حزب الله. ومن ثم فبدلاً من إعطاء هذه المناطق الأولوية في الخدمات خاصة بعد الدمار الذي لحق بها أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان، تجري معاقبتها على خياراتها السياسية وتأييدها نهج المقاومة.

المسالة الثانية هي أنه رغم كل ما يقال عن النموذج الديمقراطي في لبنان، فإن الجيش لا يتردد بالتدخل واستخدام الذخيرة الحية في عند حدوث احتجاجات على الأحوال المعيشية. وحدث ذلك مرات عديدة كان أهمها التعامل مع الاحتجاجات التي وقعت ضد ارتفاع أسعار الوقود قبل ثلاث سنوات. الملاحظة الثالثة هي حرص حزب الله على احتواء حركة الشارع، وهم ما بدا واضحاً حينما سارعت عناصر الحزب – وكذلك عناصر حركة أمل ـ بتهدئة المحتجين. ولا يمكن فهم ذلك دون الوضع في الاعتبار الطبيعة الإصلاحية لحزب الله المرتكز على تأييد الطبقة الوسطى، مما يجعله يقصر معركته على إسرائيل، بينما الدخول في معارك طبقية واسعة مع النظام يصبح أمراً يجب تلافيه. وقد انعكس هذا النهج على الطريقة التي يدير بها الحزب أزمته مع الحكومة، وهو ما بدا واضحاً في بداية العام الماضي حينما أوقف سارع الحزب بالتراجع عن الإضراب العام ، حينما ظهر أن الأمور يمكن أن تخرج عن السيطرة.