بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

بعد فوزه في الانتخابات التركية:

العدالة والتنمية والمعادلة التركية المعقدة

أردوغان

حصل حزب العدالة والتنمية، في الانتخابات البرلمانية التي جرت منذ أيام قليلة، على 49.8% من إجمالي أصوات الأتراك، أي بزيادة 3% عما حصل عليه من أصوات في انتخابات 2007، وزيادة 15% عن 2002. وهذا لا يدل سوى على النمو المتزايد في شعبية حزب العدالة والتنمية ذي الأصول الإسلامية في تركيا.

والأمر لا يمكن أن يمر مرور الكرام، فحزب العدالة والتنمية يمثل نموذجاً يُحتذى به في صفوف الإسلاميين “المعتدلين” في مصر والمنطقة العربية. وهذا بالذات ما يدفعنا للتعليق على فوز العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والإشارة خلال ذلك إلى التناقضات الأساسية في سياسات الحزب وتوجهاته.

نمو اقتصادي(!!)

استطاع حزب العدالة والتنمية تحقيق درجة عالية من الثبات في المستوى الاقتصادي على مدار الحكومتين السابقتين اللتين شكلهما. فمنذ أن صعد الحزب على رأس السلطة في انتخابات 2002 وحتى الآن، استطاع الاقتصاد التركي أن يحقق نسبة نمو تبلغ 7% في المتوسط، وفي بعض الأحيان كان الاقتصاد التركي يحتل المرتبة الثانية بعد الصين من حيث نسبة النمو. كما وصلت تركيا اليوم إلى المرتبة الـ 17 في قائمة الدول الأقوى اقتصادياً.

وبحسب معهد الإحصاء التركي، فإن عدد البطالةفي تركيا قد انخفض بنسبة 2.9% مقارنة بالعام الماضي، لتصل نسبة العاطلين عن العمل إلى 10.8% في شهر مارس من العام الحالي.

ولا شك أن إحدى النقاط الهامة التي يكتسب بها حزب العدالة والتنمية المزيد من الشعبية، هي قدرته، في الفترة بين 2002، أي منذ وصوله للسلطة وحتى الآن، على اجتياز الأزمة الاقتصادية التي كان قد ورثها عن حكومة اليسار الديمقراطي بقيادة “بولند أجاويد”. ففي عام 2002، كان الناتج المحلي في تركيا قد انخفض من 9% إلى 4%، ووصل الدين الخارجي إلى 120 مليار دولار، والتضخم إلى 60%، الأمر الذي دفع حكومة أجاويد إلى تعويم الليرة أمام الدولار الأمريكي مما أفقدها حوالي 50% من قيمتها.

و الانتقال من تلك العثرة الاقتصادية إلى الانتعاش النسبي الذي يشهده الاقتصاد التركي كان له دور كبير في توجيه أنظار الجماهير إلى حزب العدالة والتنمية وزيادة الأصوات المعطاه للحزب في 2011 عنها في 2002 أو في 2007.

إلا أن تركيا ليست استثناءاً من القاعدة الرأسمالية العالمية، وهذا الانتعاش النسبي في الاقتصاد التركي، الذي يتوازى مع أزمة اقتصادية عالمية، له ما يفسره بالطبع. فمن ناحية، ينفذ العدالة والتنمية كافة الشروط التي تؤهل الحكومة للحصول على منح ومساعدات هائلة من صندوق النقد الدولي. فلقد عملت حكومة العدالة والتنمية، منذ 2002، على تطبيق أعمى للخطة الاقتصادية التي أعدها صندوق النقد، والتي تتضمن التوسع في الخصخصة وإعادة هيكلة أنظمة الضمان الاجتماعي والصحة وتوفير أفضل الشروط للاستثمار الخاص ولاستقبال استثمارات أجنبية. وهكذا أيضاً حظيت الحكومة بدعم وتأييد الشركات الكبرى في تركيا.

ومن ناحية أخرى، فإن التوافق الأمريكي-التركي يسفر عن دعم أمريكي جبار يتوجه إلى حكومة العدالة والتنمية. فهناك تحالف بين تركيا والامبريالية الأمريكية حول “مكافحة الإرهاب”، خاصة عندما نضع في الحسبان أن حرب تركيا على حزب العمال الكردستاني كانت مدعومة من الولايات المتحدة. علاوة على الجهود التي تبذلها تركيا لدعم ومساندة الحكومة العراقية الموالية لأمريكا. ناهيك عن مشاركة تركيا في صفقات إعادة الإعمار في العراق، إلخ.

ولم تنتظر حكومة العدالة والتنمية كثيراً حتى تلتقط ثمار التحالف مع الامبريالية الأمريكية. وفي الوقت الذي كان الاقتصاد الأرجنتيني يهوى ويعلن إفلاسه، تمكنت تركيا من الحصول على قروض إضافية بقيمة 16.5 مليار دولار، بإشارة أمريكية مباشرة إلى صندوق النقد الدولي، وبعد عام واحد استطاع العدالة والتنمية إيقاف التطور السلبي للأزمة الاقتصادية.

لكن الأوضاع الاقتصادية في تركيا لا تخلو من تناقضات حادة؛ فالسياسات الاقتصادية لصندوق النقد الدولي التي ينفذها العدالة والتنمية على قدم وساق تؤدي إلى تفاوتات طبقية مخيفة وفوارق واسعة في توزيع الثروة الاجتماعية. مما يدفع العمال لرفع مطالب تتعلق بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل والمعيشة، كما حدث في عيد العمال هذا العام حين تظاهر عشرات الآلاف من العمال والنقابيين واليساريين في ميدان تقسيم وسط العاصمة اسطنبول، وفي العديد من المدن التركية الأخرى.

تحجيم الجنرالات
السبب الثاني في شعبية حزب العدالة والتنمية المتزايدة هو بالتأكيد قدرته على كبح جماح جنرالات الجيش الذين حكموا تركيا طوال عقود. فقادة الجيش قد انقلبوا من قبل على 4 حكومات منتخبة منذ عام 1960، كان آخرها عندما أخرج العسكريون نجم الدين أربكان (حزب الرفاه) من السلطة عام 1997. أما الجماهير التركية فقد ضاقت ذرعاً بتسلط “العسكر” على الحياة السياسية، وهذا ما يدفعهم للتصويت في صالح العدالة والتنمية وتأييده، في ظل تحالف حزب الشعب الجمهوري، أكبر فصائل المعارضة التركية، مع الجيش ضد حزب أردوجان نظراً لمرجعيته الإسلامية.

والجدير بالذكر أن حكومة العدالة والتنمية تعد بتغيير الدستور التركي، المليء بالبنود المعادية للديمقراطية، والذي كان القادة العسكريون قد وضعوه عام 1980. وكان لذلك فضل كبير في اتجاه الملايين من الأتراك نحو صناديق مرشحي العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة.

وبالنسبة لقادة الجيش وزعماء المعارضة العلمانية، فإن الوتر الأساسي الذي لا يكلون من العزف عليه هو خطر الأصولية الإسلامية التي يفترضون أن حزب العدالة والتنمية يمثلها، مشيرين إلى الخلفية الإسلامية التي وُلد الحزب فيها (فهو الوريث الشرعي لحزب الرفاه الإسلامي). وترى المعارضة العلمانية أن بقاء حزب ذي مرجعية دينية في السلطة قد يعود بتركيا إلى ظلمات الحكم الثيوقراطي من خلال العمل على تنفيذ برنامج إسلامي “غير معلن”.

هذا هو الفخ الذي وقع فيه أيضاً الكثير من فصائل اليسار في تركيا. فحزب أردوجان، حتى بالرغم من خلفيته الإسلامية بامتياز، إلا أنه منذ وصوله للسلطة في 2002، من الملاحظ أن الخطاب الذي يستثير حفيظة قادة الجيش والمعارضة العلمانية -الخطاب الإسلامي- قد اختفى تماماً، بينما حل محله خطاب “حديث” يقوم على احترام القيم والمبادئ المدنية والعلمانية.

وفي الحقيقة، لا يبدو الأمر غريباً على حزب ذي مرجعية إسلامية أن يحترم ويحافظ على “علمانية الدولة”، فالعدالة والتنمية يطمح بشكل أساسي لانضمام تركيا لاتحاد الأوروبي الذي يضع بدوره “علمانية تركيا” شرطاً ضرورياً لتزكية ضم تركيا لعضويته. ويمكننا القول أن أردوجان يقدم تنازلاً في خطابه مقابل الانضمام للاتحاد الأوروبي.

لذلك، فإن تركيز فصائل المعارضة العلمانية -واليسارية ضمنها- على الخلفية الإسلامية للعدالة والتنمية يعد أمراً مبالغاً فيه بقدر كبير. خاصة وأن ذلك يتزامن مع تجاهل الكثير من هذه الفصائل لمعارضة السياسات الاقتصادية التي يتبعها حزب العدالة والتنمية واتفاقياته مع صندوق النقد الدولي، إلخ.

نفاق الدور الإقليمي
القضية الفلسطينية هي، بلا شك، كلمة السر في الدور الإقليمي لتركيا. فالجسارة التي ينتقد بها أردوجان اعتداءات اسرائيل وموقفه من ضرب أسطول الحرية في نهاية مايو 2010، إلخ، كل ذلك زاد من رصيد أردوجان وحزبه لدى الأتراك وشعوب المنطقة على حد سواء.

لكن على الرغم من توتر العلاقات بين تركيا واسرائيل، إلا أن الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية بين البلدين لم يتم المساس بها إلى الآن. وقبل حرب اسرائيل على غزة في ديسمبر 2008 بعشرة أيام فقط، وقعت تركيا صفقة عسكرية مع الكيان الصهيوني تقدر بـ 123 مليون دولار. علاوة على اتفاقية خط أنابيب البترول الذي يوصل اسرائيل وتركيا، تلك الاتفاقية التي تبلغ تكلفتها ثلاثة بلايين دولار.

وفي ديسمبر 2010، عندما اشتعل حريق هائل في جبل الكرمل قرب وسط اسرائيل، أودى بحياة 42 شخص علاوة على عمليات إجلاء كبيرة لسكان القرى المجاورة، أرسلت الحكومة التركية الكثير من المساعدات الإغاثية لحكومة الكيان الصهيوني. بينما جاء الرد من جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن توجه بالشكر إلى تركيا “التي نحت جانباً مشاكلها الديبلوماسية مع اسرائيل وأرسلت مساعدات عاجلة إلى تل أبيب”.

هذا عن القضية الفلسطينية، لكن تناقضات الدور الإقليمي لتركيا لا تتوقف عند القضية الفلسطينية. فبعد انطلاق قطار الثورات العربية، وبالرغم من دعوة رجب طيب أردوجان للديكتاتور مبارك، فور اندلاع الثورة في مصر، “للاستجابة لمطالب شعبه والتنحي”، إلا أن السيد أردوجان، والذي نال من قبل جائزة “القذافي لحقوق الإنسان” والذي وصلت في عهده قيمة الاستثمارات التركية في ليبيا إلى 1.5 مليار دولار، ظل صامتاً عند ارتكاب العقيد الليبي المذابح ضد شعبه على نطاق واسع. واكتفى أردوجان بدعوة القذافي لتبني إصلاحات سياسية لإنهاء الأزمة في ليبيا (!!).

أما بالنسبة للثورة في سوريا، فبينما كان بشار الأسد يرسل دباباته وقواته العسكرية لسحق المظاهرات والاحتجاجات، اكتفى أردوجان بدعوة صديقه الأسد بإجراء إصلاحات سياسية فيما لم يطالبه حتى بالرحيل (!!).

ووفقاً لتقرير أوردته مجلة الفورين بوليسي، فإن عدة عوامل تحكم الموقف التركي من سوريا، أولها تخوف تركيا من الأكراد الموجودين في جنوبها وشمال شرق سوريا. ثانياً أن نتائج ما يجري في سوريا قد تكون له عواقب وخيمة على سياسة تركيا في الشرق الأوسط. ويخلص التقرير إلى أن الحزب الحاكم في تركيا مهدد بفقدان شعبيته في الشرق الأوسط نتيجة هذه المواقف.

خاتمة
لعل الكثيرين يقفون اليوم مشدوهين أمام إنجازات حزب أردوجان، سواء على المستوى الاقتصادي، أو على مستوى المناخ العلماني الديمقراطي الذي يدعمه الحزب، أو حتى على مستوى الدور الإقليمي لتركيا. ولعل هذه المستويات الثلاثة كان لها الفضل في انتعاش شعبية الحزب وما أسفرت عنه الانتخابات الأخيرة من فوز الحزب وتشكيله للحكومة للمرة الثالثة على التوالي.

أما الحقيقة أننا لا يمكننا الاستدلال بنموذج العدالة والتنمية على إمكان نجاح سياسات الليبرالية الجديدة والسوق الحر في انتشال الاقتصادات الضعيفة وتحقيق انتعاش قوي في الاقتصاد. فأحد الأرقام الرئيسية في هذه المعادلة هو الدعم الكبير الذي قدمته الامبريالية الأمريكية وقدمه أيضاً صندوق النقد الدولي، لإخراج الحكومة التركية من عثرتها الاقتصادية، نظراً لأهمية ودور تركيا الذي يتسق مع المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وأيضاً لموقع تركيا الاستراتيجي كجسر بين أوروبا وأمريكا من ناحية وبين بحور النفط الخليجي من ناحية أخرى.

وبالنسبة للمساحات الشاسعة من الديمقراطية التي يوفرها حزب العدالة والتنمية، فهي لم تأتي نتيجة اشتياق الحزب إلى الديمقراطية، لكن في سياق الانصياع لشروط صندوق النقد الدولي، الذي يرهن إعطاء القروض لتركيا بإجراء إصلاحات سياسية واسعة، وأيضاً لشروط الاتحاد الأوروبي الذي يشترط هذه الإصلاحات من أجل الانضمام لعضويته. ومن ناحية أخرى، لا يمكننا أن نفصل ديمقراطية أردوجان عن الأزمة التي كانت الرأسمالية التركية تعاني منها وقت مجيء العدالة والتنمية للسلطة لأول مرة في 2002. فتركيا المأزومة آنذاك، كانت تعاني من أزمة استقرار سياسي بعد أن أنهكتها 50 سنة من الانقلابات على يد القادة العسكريين، وبالطبع فإن الاستثمارات الأجنبية تنفر من الأوضاع غير المستقرة سياسياً. لذا كان ينبغي على الحزب تدعيم أسس العلمانية والديمقراطية لتحقيق أعلى درجة ممكنة من الاستقرار السياسي لاستقبال وجذب الاستثمارات الأجنبية.

وأخيراً بالنسبة للدور الإقليمي لتركيا، فلم يكن يوماً هو الآخر سوياً ومستقيماً بل يسير في خطوط متعرجة ومتناقضة. فنظام أردوجان وحزبه يتبنون خطاباً شعبوياً داعماً للفلسطينيين ومناهضاً ومستنكراً للاعتداءات الاسرائيلية المتكررة، لكن في نفس الوقت فإن يد أردوجان تمتد للتعاون مع الكيان الصهيوني في مجالات عدة كما أشرنا، ويتم ذلك بمباركة وتزكية ووساطة أمريكية لا يمكن التغافل عنها.

لكن بلا شك فإن هذا المزيج المتناقض للعدالة والتنمية لا يمكن أن يستمر طويلاً، والفترة القادمة قد ترينا مدى قدرة أردوجان وحزبه على الاستمرار والانسجام مع كل هذه المتناقضات التي قد صنعها بيده.