بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الدستور العراقي.. خطوة نحو مزيد من الانقسام

كانت معركة الدستور العراقي هي الأكثر سخونة في الشهور الماضية. تعرض دينا جميل لأهم الخلافات التي اكتنفت عملية صياغة الدستور مشيرة إلى أنها ستؤدي إلى تعزيز التوتر العرقي والطائفي في العراق.

على مدار أسابيع طويلة كان الدستور هو حديث الساعة في العراق. فقد كانت عملية صياغة الدستور مليئة بالألغام التي جعلت من الوصول إلى صيغة مقبولة من جميع الأطراف العراقية أمرًا شبه مستحيل. ولا عجب في هذا. فدستور يصاغ في ظل الاحتلال الأمريكي لا يمكن أن يكون معبرًا عن الإرادة الحرة للشعب العراقي، وعن مصالحه الحقيقية. خاصة وأن الولايات المتحدة كانت طرفًا أساسيًا في عملية الصياغة، تدعمها، وتدفع في اتجاه التوصل لصياغة نهائية، وعن مصالحه الحقيقية. خاصة وأن الولايات المتحدة كانت طرفًا أساسيًا في عملية الصياغة، تدعمها، وتدفع في اتجاه التوصل لصياغة نهائية، ويلعب سفيرها خليل زاده دورًا هامًا في المشاورات والمفاوضات التي امتدت طويلاً. فكيف خرج الدستور في النهاية؟

في البداية لا بد أن نتوقف قليلاً أمام مشاورات صياغة الدستور نفسها، والتي قامت بها “لجنة صياغة الدستور” التي كان يفترض فيها أن تكون ممثلة لكل القوى العراقية. لكن ومنذ البداية، بدا أن هناك نية مبيتة لاستبعاد العرب السنة من اللجنة، حيث كان بها عضوين فقط من ضمن خمسة وخمسين عضوًا يمثلون العدد الكلي للأعضاء في اللجنة. ولكن تحت ضغوط السنة والدول العربية المجاورة، تم رفع هذا العدد ليصل إلى خمسة عشر عضوًا. إلا أن هذا لم يعني أن الأمر قد استتب. فقد تعرض هؤلاء الأعضاء من العرب السنة لتهديدات ومحاولات اغتيال أسفرت بالفعل عن مقتل اثنين منهم. وكان لهذه الاغتيالات أثرها بالطبع على عمل اللجنة، حيث علق السنة مشاركتهم في اللجنة حتى يتم التحقيق في حوادث الاغتيال، وأيضًا ضمان توفير الحماية الكافية للأعضاء السنة المشاركين في اللجنة. ولكن يعد مشاورات ومداولات وضغوط استأنف السنة مشاركتهم في اللجنة.

إلا أن هذا لم يكن نهاية المطاف. فقد استمرت محاولات استبعاد السنة من مفاوضات الصياغة، لتتصاعد كل يوم شكاواهم من أنهم مهمشون وغير مشاركين بجدية في عملية الصياغة. وحتى بعد التوصل إلى صيغة نهائية لمسودة الدستور، ظل السنة يؤكدون أنهم كانوا مستبعدين من العملية وأنهم غير راضين عن النتيجة التي تم التوصل إليها.

هذا ما ينقلنا للنقطة التالية الخاصة بالبنود الأساسية الخلافية في الدستور. لعلنا نستطيع أن نقول أن جوهر الأمر في قصة الدستور والذي أثار الخلافات والاعتراضات من السنة هو مسألة الفيدرالية واللامركزية. فالدستور الجديد يسمح بوجود مناطق حكم ذاتي، وهو ما يعني عمليًا أن الأكراد يستطيعون الاحتفاظ بوضع الحكم الذاتي في الشمال، وأن الشيعة بدورهم يستطيعون تكوين منطقة حكم ذاتي في الجنوب بعد القيام باستفتاء محلي يؤكد رغبتهم في هذا. وجود مناطق حكم ذاتي في الشمال والجنوب تعني كذلك أن كل منطقة ستكون لها السيطرة على حقول النفط الموجودة فيها. وإذا علمنا أن الشمال والجنوب هي المناطق الأغنى بالنفط، فالنتيجة المنطقية لهذا هي أن السنة المركزية في وسط العراق، وهي المنطقة الأقل غنى بالنفط، سوف يحرمون من الاستفادة بعائدات البترول من الحقول التي سيتم تطويرها في المستقبل، طبقًا لما ينص عليه الدستور.

النقطة الأخرى التي تثير الخلاف هي مسألة الهوية العربية للعراق. فالدستور ينص على أن العراق “جزء من العالم الإسلامي والشعب العربي في العراق جزء من الأمة العربية”. هذه الصياغة من وجهة نظر السنة وبعض الشيعة تعد تنازلاً للأقليات غير العربية وأهمهم بالطبع الأكراد، حيث كانوا يرغبون في أن يذكر النص أن العراق كله جزءًا من العالم العربي. وللوصول إلى حل وسط تمت إضافة بند يشير إلى أن العراق عضو مؤسس في جامعة الدول العربية.

نقطة الخلاف الثالثة هي تلك الخاصة بحظر حزب البعث، ورموزه. هذا البند يثير حفيظة السنة الذين كان معظمهم أعضاء في هذا الحزب خلال فترة حكم الديكتاتورية صدام حسين، وحيث لم يكن لديهم اختيار في هذا قلق السنة نابع من أن هذا البند سيعني استبعادهم من الحياة السياسية في العراق.

هذه هي أهم النقاط الخلافية في الدستور العراقي. وكما قد يبدو منها ومن الإجراءات التي سبقت عملية الصياغة أن هناك نية مبيتة ضد السنة. وفي الحقيقة لا يمكن إنكار أن هناك استبعادًا للسنة وتعسفًا ضدهم، وأن هذا الدستور إذا تم إقراره (وهو الأمر الذي لم يتضح حتى كتابة هذه السطور، حيث لم تظهر بعد نتيجة الاستفتاء الذي أجري على الدستور) سوف يجعلهم في وضع أسوأ. قد يعني هذا أن إقرار الدستور سيشعل مقاومة السنة ويجعل من الصعب استقرار الأوضاع في العراق. لماذا إذن دفعت الولايات المتحدة في اتجاه صياغة مسودة الدستور بهذا الشكل؟

الإجابة بسيطة. فنظرية فرق تسد التي تعتمد الولايات المتحدة مضمونة النتائج. بهذه الطريقة سيكون من الصعب بشدة الوصول لحالة من التوافق بين القوى العراقية المختلفة، وبالتالي ستضعف المقاومة ضد الاحتلال بدرجة كبيرة. في نفس الوقت تضمن الولايات المتحدة، من خلال ما قدمته للشيعة والأكراد المسيطرين على مناطق النفط الرئيسية في العراق، ولاءهم لها، وهو ما يهمها في المقام الأول، فالنفط في النهاية هو جوهر الأمر. الولايات المتحدة بهذا ضربت عصفورين بحجر، فتت المقاومة وضمنت ولاء الأكراد والشيعة المسيطرون على النفط.

إلا أنه من الخطأ هنا اتخاذ موقف معادي أو مضاد لحق الحكم الذاتي في العراق. فالأكراد على سبيل المثال قد عانوا على مدار عقود طويلة من القمع والاضطهاد ومحو الهوية، بل للمذابح الجماعية على يد نظام صدام. من حق هؤلاء أن يختاروا ويقرروا مصيرهم بأنفسهم. نفس الأمر ينطبق بدرجة أقل على الشيعة الذين عانوا أيضًا من الاضطهاد في عهد صدام.

النقطة الفارقة هنا هي أن يكون القرار حقًا هو قرار جماهير الأكراد والشيعة، وأيضًا أن يكون عائد النفط في هذه المناطق مكرسًا لمصالح الجماهير، لا أن يذهب لجيوب الشركات الأمريكية، والطبقة الحاكمة العراقية. وأن يتم اتخاذ القرار بعيدًا عن الضغوط الأمريكية، ليكون معبرًا بحق عن إرادة ورغبة الشعب العراقي. وهنا يجب الإشارة على أنه لم تظهر في ما سبق أية حركة للتحرر الذاتي في مناطق الشيعة، وهو ما يجعل من التفكير في فيدرالية شيعية أمرًا لا يمكن فهمه بعيدًا عن المصالح الأمريكية.

من ناحية أخرى، لم تتضمن صيغة الدستور أية إشارة إلى كيفية إنهاء الاحتلال، أو أي ذكر لجدول زمني لخروج القوات الأمريكية وهو ما يجعل التساؤل المنطقي هو عن مصلحة من يعبر هذا الدستور؟

ربما يوافق العراقيون على الدستور، وربما يرفضونه.. هذا أمر غير محسوم. ولكن مما لا شك فيه أن الدستور في حالة إقراره لن يكون سوى خطوة في طريق المزيد من الاستعمال في العراق.