بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحركة العمالية في الأردن: دروس وتحديات

وفقا للتقرير الصادر عن مركز فينيق للدراسات الاقتصادية، فإن الاحتجاجات العمالية الأردنية سجلت في النصف الأول من العام الحالي رقما قياسيا جديدا، إذ بلغت 601 احتجاجا، مقارنة مع عددها في النصف الأول من عام 2012  والتي بلغت آنذاك 560 احتجاجا، أي بزيادة قدرها 7.5 %.

لعبت الخصخصة دورا واضحا في تكريس إهمال الدولة لحقوق العمال تحت مزاعم رفع كفاءة المشروعات وتحسين الخدمات الإنتاجية، بل واتخذت الدولة خطط فتح الأسواق للاستثمار الخارجي وتمكين رؤوس الأموال الأجنبية في سياسة عرفت باسم “الإصلاح الاقتصادي”.ومع استمرار بيع أسهم الشركات الحكومية، سواء بيعا كاملا أو بمشاركة رجال أعمال، فالخدمات العامة لم تنجو هي الأخرى من الخصخصة، وأصبحت رهنا لتجارة السوق، مما انعكس سلبا على العمال.   

خصخصة شركات الكهرباء مثلا ارتبط ب”سبوبة” لرئيس الوزراء ووزير العمل السابقين، فشركة دبي كابيتال التي استحوذت على إدارة أكبر 3 شركات لإنتاج الكهرباء ارتكبت أبشع مجازر التصفية الوظيفية بحق العمال، ومنهم مَن لم ينطبق عليه شروط التقاعد المبكر، لكن مَن رفض عوقب بالفصل التعسفي من العمل.

وطبقا للمادة 25 من قانون العمل الأردني رقم 8 لسنة 1996، فإن العامل المفصول تعسفيا يجوز أن يقيم دعوى ضد صاحب العمل وقد تصدر المحكمة حكما بإعادته إلى عمله أو تلقي تعويضات مادية، وهو المفهوم المطاطي التي حاولت السلطة فيه الحفاظ أولا على مصالح صاحب العمل دون التعرض تحديدا لماهية الفصل التعسفي أو توضيح واجبات صاحب العمل في الالتزام بحد أدنى للأجور وضمان التأمينات والحقوق الوظيفية للعاملين.

ونتيجة لذلك فإن التقرير يرصد 67 احتجاجا عماليا في النصف الأول من العام الحالي ضد قرارات الفصل التعسفي، في إطار تزايد حدة الاحتجاجات التي لم يرصدها التقرير خلال الفترة الماضية. فقد نفذ العاملون في الشركة العربية لصناعة الألومنيوم إضرابا مفتوحا عن العمل احتجاجا على قرار إنهاء خدمة رئيس اللجنة النقابية لمطالبته بصرف بدل العمل الإضافي للعاملين في الشركة. أما شركة الكابلات المتحدة فقد تم فصل أحد العاملين على خلفية تضامنه مع زملاء آخرين مفصولين، كذلك إنهاء خدمات 37 موظفا بدائرة الإحصاءات العامة يعملون في مسح احتياجات أصحاب العمل في المنشآت الاقتصادية بحجة انتهاء أعمال المسح التي يقومون بها.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد استدعى مدير الشركة الذهبية الأردنية للكابلات مؤخرا قوات الأمن العام، ليقوموا بإخراج العمال المعتصمين من مقر العملوفض اعتصامهم، وهو الأمر الذي تشابه مع عرض 14 صحفيا تم فصلهم بصحيفة “العرب اليوم” إلى محكمة قصر العدل للمثول أمام المدعي العام بتهمة “الاعتصام داخل مبنى الصحيفة” في ظل احتجاجاتهم المستمرة والتفاف صاحب العمل حول حقوقهم.

وفي إطار التطبيع السياسي والاقتصادي الأردني مع الكيان الإسرائيلي، تطورت المفاهيم الاقتصادية المتعلقة بالخصخصة وإطلاق يد الاستثمار الأجنبي لتشمل بضائع إسرائيلية أغرقت الأسواق الأردنية، وخاصة الغذائية منها، وبأسعار منخفضة في ظل تدمير ذاتي للصناعات الأردنية وفي ظل الأزمة الاقتصادية وتعثر المستثمرين وزيادة الديون.

 الشراكة الأردنية الإسرائيلية مثلا أصبحت إحدى البدائل المطروحة بقوة، كصيغة لتوفير فرص عمل وتنوع الاستثمار عند الأردن، ووفقا لوسائل الإعلام الإسرائيلية فإنه قد تم الإعلان عن مشاريع عابرة للحدود تجمع بين مستثمرين إسرائيلين وأردنيين في إطار تعاون اقتصادي زائف تجني أرباحه إسرائيل ويدفع ثمنه عمال الأردن. 

وهو ما انتهزه الكيان المحتل ببراعة ليس فقط في توفير فرصة انطلاق إلى داخل الأسواق العربية وخاصة إن حملت البضائع لقب “صُنع في الأردن”، لكن لتحقيق انتصار سياسي  وترويض دولة عربية اشتهرت ب”الاعتدال”، ولا شك فإن ما تسعى إليه إسرائيل في تقييد الحكومات الأردنية القادمة بمزيد من الاتفاقات الحالية قد يساهم زورا في تحجيم الاحتجاجات الشعبية ضد التطبيع.

وفي نفس الوقت الذي تسعي فيه الحكومة الأردنية الحالية إلى إصدار القوانين “المنظمة” للسوق وتحجيم العمالة الأجنبية الوافدة، وتسريح الآلاف منهم، فإن العمالة الوافدة “المشروعة” لا تحصل في المقابل على حقوقها بل وقد يستخدمها أصحاب العمل للتلويح بهم ضد الإضرابات والاعتصامات العمالية المتتالية. كما أن السياسات العامة المتبعة لا توحي بجدية على الجانب الآخر في توفير فرص عمل تلبية لاحتجاجات متتالية ضد البطالة كما حدث مؤخرا بمحافظة معان.

وفي القلب من السياسات الاقتصادية للأردن، ظهرت الحركة العمالية بقوة منطلقة من معطيات الواقع المزري تجاه العمال، إلى خلق معارك أوسع وتحديات مستقبلية تجلت بوادرها بوضوح في التأثير بقوة والدفع بمطالب أكثر شمولا للحركة العمالية ككل، مثل مطلب الحد الأدنى للأجور، بما خلق حالة تضامن أوسع بين الإضرابات العمالية وساعد على توسعها في العدد والتأثير.

إضراب العاملين بمديرية التنمية الاجتماعية والمعونة الوطنية مثلا هو ذلك الإضراب الذي شاركت فيه أكثر من 33 مديرية من مختلف مناطق المملكة بنسبة تجاوزت 80 % للمطالبة بمكافآت عادلة. ومن خلال تضامنهم وتوسيع رقعة مشاركتهم فقد استطاعوا انتزاع وعود من الوزيرة بعد تجاهل تام مع التهديد بتكرار الإضراب إن لم تتحقق مطالبهم. كما شهدت بعض الإضرابات العمالية تطورا نوعيا في تشكيل لجان عمالية لإدارة الإضراب حتى تحقيق نتائجه كما في إضراب موظفو الملكية الأردنية المطالبين بصرف الحد الأدنى للأجور.

أما إضراب الجمارك الذي استمر لعدة أسابيع فقد ضرب أقوى الأمثلة في تكبيد حكومة ملايين الدينارات وإخضاعها للاستجابة إلى مطالبهم،  بدءا من مشاركة واسعة وصلت نسبتها إلى 90% ، إلى تشكيل لجان عمالية من المضربين رغم مماطلة الحكومة وتحديها لهم باستدعاء المتقاعدين لتسيير الحركة التجارية للمعابر. وهو الإضراب الذي لا يقل إضراب عمال البريد عنه في التأثير.

الحركة العمالية الأردنية استطاعت اجتياز خطوات واسعة كانت من المحرمات قبل عدة أعوام، وبرغم تصاعد وتيرة تشكيل النقابات المستقلة وضعف تأثيرها، فإن قدرتها على تنظيم الاحتجاجات، كما في النقابات المستقلة للتمريض، ظهرت نسبيا. إلا أن التحدي الأكبر للطبقة العاملة في الأردن وكل البلدان سيظل في إمكانية تنظيم الطبقة العاملة، رأس حربة الثورة ضد الاستغلال، والتحدي المباشر للسلطة بطرح البديل.