بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لأجل أن ينتصر الدم على السيف

تعلمنا الحرب على لبنان التي اعتبرها الإسرائيليون حرب حياة أو موت الكثير من الدروس. يرى الكاتب والمناضل الاشتراكي اللبناني كميل داغر أن العدوان فضح فداحة التواطؤ العربي الذي وصل إلى حد الخيانة وكشف مأزق إسرائيل كدولة تتغذى من الحرب وأعاد الاعتبار للحرب الشعبية.

شيمون بيريز، السياسي الإسرائيلي الثمانيني، الذي كان أعلن قبل أيام، من موقعه كقيادي أساسي في حكومة أولمرت الحالية، أن “الحرب على لبنان هي حرب حياة أو موت”، سبق أن أورد في كتابه المشهور، “الشرق الأوسط الجديد”، الصادر في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، ما يلي: “ولولا مغامرة إسرائيل المأسوية وغير الضرورية في لبنان لكانت حرب يوم الغفران آخر الحروب حقاً”.

وإذا كان هذا هو تقويم الرجل لاجتياح عام 1982، وذلك بعد انقضاء عشر سنوات على الاجتياح المذكور، ألا تكون الحرب الأخيرة، التي خاضها التحالف الراهن بين حزبي كاديما والعمل، وسط تأييد شامل لا يشارك فيه الليكود وحسب، بل معظم الكتل السياسية الإسرائيلية أيضاً، ألا تكون هي الأخرى “مغامرة مأسوية”؟ وما عساه يكون، بعد أعوام عدة، تقويم بيريز لهذه الحرب، التي شارك هو شخصياً في اتخاذ القرار بشنها، والتي يعتبر الآن أن على نتائجها يتوقف مصير إسرائيل؟ وما هي الدروس والاستنتاجات الأساسية التي يمكن الخروج بها من واقع ما يجري الآن، سواء في ساحة القتال، أو على صعيد المعطيات السياسية التي تتلازم مع هذا الواقع، والتطورات المتسارعة في حركة القوى المحلية والإقليمية والدولية ومواقفها؟

من المغامر؟ إسرائيل أم المقاومة؟

في الأيام الأولى لهذه الحرب، اعتبر النظام السعودي –الذي يلعب حالياً دور العراب للأنظمة العربية الموالية لواشنطن، والمستبسلة في العمل لأجل تصفية الصراع العربي-الإسرائيلي، ولو كان ذلك وفقاً للشروط الأمريكية والإسرائيلية– اعتبر، على لسان مصدر مسؤول، أن المقاومة الإسلامية انخرطت في “مغامرات غير محسوبة”، مضيفاً أنه “يقع عليها وحدها عبء إنهاء الأزمة التي أوجدتها”، الأمر الذي عاد فكرره، بطريقة أو بأخرى، البيان المشترك عن لقاء كل من الرئيس المصري، حسني مبارك، والملك الأردني، عبدالله الثاني، الذي تم، بصورة مباشرة، قبل انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب في القاهرة للتباحث في موقف عربي موحد من الحرب. وهو المؤتمر الذي فشل فشلاً ذريعاً في اتخاذ الموقف المذكور، وبدا فريق أساسي فيه، تقف في واجهته حكومات الأنظمة المذكورة أعلاه، كما لو كان يعمل، في الواقع، على تشكيل غطاء للهجمة الجديدة الأمريكية-الإسرائيلية على لبنان والمقاومة الإسلامية فيه.

أكثر من ذلك، لقد كان من المؤسف جداً أن يجد زعيم الأكثرية النيابية اللبنانية الحالي، السيد سعد الحريري، موقعه، في زحمة تلك المواقف، وفي مرحلة أولى، إلى جانب الموقف السعودي بالكامل، بقوله آنذاك: “إن أولئك المغامرين وضعونا في موقف محرج بسبب مغامراتهم غير المسؤولة.. ونحن نطالب بمحاسبة أولئك المغامرين، الذين زجوا به (أي بلبنان) في أزمة هو في غنى عنها”.

هذا وقد كشفت الأيام اللاحقة، وحتى تصريحات مسئولين إسرائيليين، وغربيين، حقيقة أن الحرب الحالية كان مخططاً لها منذ أشهر طوال، في الدوائر الإسرائيلية والأمريكية، وحتى البريطانية، وذلك تعبيراً عن نفاذ صبر تلك الدوائر من عجز الحكومة اللبنانية عن استكمال تنفيذ القرار 1559 القاضي بنزع سلاح حزب الله. وهو نفاذ الصبر الذي كانت وزيرة الخارجية الأميركية عبرت عنه منذ الشتاء الماضي، في أحد تصريحاتها الموجهة مباشرة إلى الحكومة المشار إليها. وبالتالي فإن أسر حزب الله للجنديين الإسرائيليين لم يكن أكثر من حجة كاذبة لبدء تلك الحرب. ولم تكن لتنقص الإسرائيليين إمكانية اختلاق أية حجة أخرى، في تاريخ لاحق، لأجل الدخول في مواجهة مع لبنان على شكل المواجهة الراهنة. وفي اندفاعهم، المدعوم، لا بل المحرض عليه، أمريكياً، كان الشيء الوحيد، على ما يبدو، الذي لم يكونوا يعطونه الأهمية الكافية، إنما هو قدرة المقاومة الإسلامية على التصدي البطولي لهجمتهم تلك وإنزال خسائر فادحة في صفوفهم، وعلى صعيد أداتهم العسكرية كما على صعيد مواطنيهم، ووضعهم الاقتصادي، مع ما يتلازم مع ذلك من تداعيات خطيرة، عربية بوجه خاص، وعالمية إلى هذا الحد أو ذاك. وهي تداعيات ستزداد خطورة، في ارتباطها بنتائج الهجمة الوحشية، التي أدت إلى سقوط مئات القتلى اللبنانيين وأكثر من ألفي جريح، عدا تهجير أكثر من سبعمائة ألف مواطن، وتدمير جزء أساسي من البنى التحتية، وإحداث تخريب كبير في البيئة اللبنانية، قد يتوسع لاحقاً ليشمل شواطئ بلدان عديدة مجاورة، من بينها شواطئ إسرائيل. أنها كانت “مغامرةغير محسوبة” حقاً، لا بل “مغامرة مأسوية”، وربما أكثر بكثير من اجتياح عام 1982 الذي كان قد استحق من شيمون بيريز هذا الوصف!

دروس واستنتاجات

في كل حال، حتى وإن عادت المعارك للاندلاع، يمكن أن نستشف جملة من الدروس والاستنتاجات من الحرب الأخيرة، نختصرها كالتالي:

أولاً: انكشاف شتى اللاعبين في الصراع:

وهذا أحد أهم ما أدت إليه تطورات الأسابيع الأخيرة. وقد بات واضحاً أن المشكلة الكبرى في واقع الحكومات والأنظمة العربية، ولا سيما تلك الأكثر التحاقاً بالمعسكر الأمريكي، ليست فقط في عجزها إزاء الغطرسة الإسرائيلية، بل أيضاً في تواطؤها معها في وجه حركات التحرر في المنطقة، سواء في فلسطين المتروكة للآلة العسكرية الصهيونية المستمرة في القتل والتدمير والتجريف، أم في لبنان. ولم يظهر ذلك في المواقف المتخاذلة إلى حدود الخيانة، في مؤتمر القاهرة لوزراء الخارجية وحسب، بل أيضاً في تصريحات مسئولي دول عديدة في المنطقة، في مقدمتهم الرئيس المصري حسني مبارك، الذي شدد على أن مصر لن تشارك في أي حرب “دفاعاً عن لبنان وحزب الله”!، والملك السعودي ووزير خارجيته اللذين هاجما المقاومة الإسلامية بعنف، واعتبر الأخير بينهما أن تصرفاتها “تجر المنطقة إلى حرب كبيرة، وتعيد المنطقة سنوات إلى الوراء”. أكثر من ذلك، فلقد حاولت حكومات عديدة، خلال المؤتمر المشار إليه أعلاه، وهي حكومات السعودية ومصر والأردن والبحرين والمغرب والكويت، تضمين القرارات الصادرة عنه هجوماً فاقعاً على حزب الله، وتحميله المسئولية عن تفجر الأوضاع على الساحة اللبنانية، مع ما يعنيه ذلك من تبرئة لإسرائيل من حربها على لبنان، وتسهيل لمواصلتها عدوانها عليه حتى تحقيق الغايات المتوخاة منه. فضلاً عن الفشل في التوصل إلى أية قرارات جدية من شأنها الضغط على الولايات المتحدة الأميركية، من جهة، لوقف دعمها غير المشروط لتلك الحرب، وعلى إسرائيل، من جهة أخرى، لإجبارها على وقفها الفوري، ولا سيما بقطع العلاقات معها وسحب الاعتراف بها، أو على الأقل التهديد بذلك، وتنفيذ تهديدها في حال ضربت إسرائيل عرض الحائط بقرارات من هذا النوع.

ثانياً: الصلف الأميركي والعداء المكشوف:

ونكتفي للتدليل على ذلك بقرائن ثلاث، هي إقدام واشنطن، في عز المجازر الإسرائيلية، من الجو والبر والبحر، على تزويد إسرائيل بما يسمونه “القنابل الذكية” لإستكمال أعمال الإبادة والتهجير والتدمير؛ وحيلولتها، سواء في مجلس الأمن، أو في مؤتمر روما (في 26 يوليو الماضي)، دون استصدار قرارات بالوقف الفوري للنار؛ واعتبار وزيرة خارجيتها، كوندوليزا رايس، أن هذه الحرب، المدعومة أمريكياً، سوف تؤدي إلى ولادة ما أسمته “الشرق الأوسط الجديد”! وهذه هي الصيغة الأخيرة لما تتصوره الإدارة الأمريكية من إعادة هيكلة المنطقة العربية والبلدان المجاورة لها، بحيث يتم بذلك استكمال إخضاعها للسيطرة الأميركية-الإسرائيلية.

ثالثاً: اليمين المحلي الموالي لواشنطن:

ولقد كان هذا الفريق، الممسك إلى الآن بالجزء الأساسي من مقاليد السلطة في البلد، واضحاً منذ البدء في التعبير عن عدائه الفعلي للمقاومة، التي اعتبر العديد من رموزه أن أسرها للجنديين الإسرائيليين كان بإيعاز من سوريا وإيران وتحقيقاً لمصلحتهما على حساب لبنان. ذلك أن هؤلاء لا يجدون أنفسهم معنيين إطلاقاً بضرورة استكمال تحرير الأرض، واستعادة الأسرى وجثامين الشهداء، ووقف الاستباحة اليومية للأجواء اللبنانية، وأعمال القتل المتواصلة من جانب الشبكات المتعاملة مع إسرائيل، وما إلى ذلك، مع أنهم طالما أفرطوا في التعبير عن حرصهم على السيادة اللبنانية، ولكن فقط في وجه، دمشق. وفي هذا السياق بالذات، عبرت بيانات الحكومة وخطب رئيسها منذ اليوم الأول للعدوان عن تنصلها من أي تضامن مع المقاومة وأعمالها، على الرغم من وضوح البيان الوزاري الذي أخذت الثقة على أساسه، وكان يؤكد على دعم هذه الظاهرة المرتبطة عميق الارتباط بالكرامة والمصلحة الوطنيتين. وهو الأمر الذي يهدد بإضعاف الجبهة في وقت يتطلب تضافر جهود الجميع لأجل أقصى درجات الوحدة إزاء العدو وأهدافه، ومن بينها تفتيت البلد وإشعال الصراعات الأهلية فيه وتكبيله باتفاقات مهينة ترهن إرادته، وتضرب استقلاله وتقضي على الباقي من مقومات وحدته.

رابعاً: مأزق إسرائيل كدولة تتغذى من الحرب:

على الرغم من ادعاء حكام إسرئيل دوماً أنهم ينشدون السلام، فإن هذه الدولة التي ولدت بنتيجة حرب همجية، استخدمت خلالها أبشع الجرائم الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، ووطدت وجودها، وحققت المزيد من الاغتصاب للأرض، والتوسع على حساب جيرانها، بنتيجة حروب إضافية، بات واضحاً أنه لا يمكنها البقاء من دون حروب جديدة، معتمدة في ذلك على الدعم الغربي غير المحدود، والأمريكي منه بوجه أخص، وفي شتى المجالات، بما فيه على صعيد أسلحة الدمار الشامل، ومن ضمنها السلاح النووي. ولكن هذا الهوس الحربي يهدد بالتأكيد بأن يشكل، في النهاية، مقتلاً لها. ذلك أنها تضع المنطقة والعالم، هكذا، على شفير الهاوية. وقد اختصر وزير الخارجية الفرنسي، فيليب دوست بلازي، هذه الحقيقة، في السابع والعشرين من يوليو حين تجاوز حالة الدعم الأوروبي غير المشروط تقريباً للدولة العبرية، بقوله: “إذا لم نضع حداً للأمور الآن فسندخل دوامة عاتية”. وأضاف أن المواجهة “لن تقتصر على إسرائيل وحزب الله بل ستمتد أيضاً لتصير بين إسرائيل والدول العربية، ثم ستمتد لتصير بين الغرب والعالم الإسلامي”. وهذه حقيقة قاسية وواضحة تماماً، وهي تكشف أيضاً أن المأزق الحربي الإسرائيلي لا يعرض المنطقة وحدها، وإسرائيل ذاتها، للخطر، بل يمكن أن يمتد ليشمل بمفاعيله العالم بأسره.

خامساً: إعادة الاعتبار مجدداً للحرب الشعبية:

هذا ولقد كشفت معارك الحرب الأخيرة، التي دارت بين أحد أقوى وأحدث الجيوش في العالم الراهن، من جهة، وكتلة صغيرة نسبياً من مقاتلي حرب العصابات، من جهة أخرى، قدرة هذه الأخيرة على إنزال خسائر فادحة في صفوفه، وحرمانه من السيطرة على الأرض التي يتمكن من احتلالها، لا بل إجباره على الانكفاء منها، بما يشبه الهزيمة. فضلاً عن إرباكه إرباكاً شديداً بالسلاح الصاروخي، الذي أدى استخدامها له إلى إجبار مئات الآلاف من سكان البلد المعادي على النزول باستمرار إلى الملاجئ، أو مغادرة مدنهم وقراهم إلى أخرى لم تتعرض بعد للقصف، ناهيكم بالإضرار بحياتهم الاقتصادية إلى أبعد الحدود وتكبيد بلدهم خسائر جسيمة في هذا المجال.

وهو واقع جديد بالنسبة إلى العدو الصهيوني، وأيضاً بالنسبة للجماهير العربية، التي ترى أنظمتها وقد انهزمت أمامه، على الرغم من الجيوش الكبرى التي تملكها والامكانات الضخمة نسبياً التي تتوفر لها بمواجهته، في حين أن حركة محدودة الإمكانات، ولكنها حاظية بدعم شعبي حقيقي، تتمكن من توجيه صفعات عسكرية حقيقية لهذا العدو، وذلك في غياب القمع الديكتاتوري الذي تتعرض له، على العكس، جماهير تلك الأنظمة. إن هذه الظاهرة التي أكدت فعاليتها القصوى أحداث النصف الثاني يوليو 2006 يمكن أن يتعزز دورها لاحقاً، وأن تفرض معادلات جديدة في الصراع مع إسرائيل في المرحلة القادمة، وذلك بقدر ما تتمكن من رفض تقديم تنازلات أمام الضغوط العالمية والإقليمية والمحلية، وعلى العكس العمل على تعزيز وضعها وإمكاناتها، ولا سيما عبر السعي لتجاوز طابعها المذهبي الراهن وإعادة الاعتبار للطابع الوطني الشامل الذي ميز مقاومة الاحتلال بعد اجتياح العام 1982. وبالطبع فإن ذلك يفترض أن تكون القوى التي شكلت العمود الفقري لتلك المقاومة مستعدة للانخراط مجدداً في العمل المقاوم، مع الاستفادة من تجارب الشعوب في العمل الجبهوي على هذا الصعيد، ولا سيما تجربة الشعب الفيتنامي.

سادساً: شروط ضرورية لإحراز النصر:

من الواضح الآن رغم قرارات وقف إطلاق النار أن الحرب لم تنته، وأن إسرائيل تعد العدة لحرب جديدة. وهو الأمر الذي يتطلب تطوير المواجهة، على شتى المستويات، ومن ذلك بوجه أخص:

1) تصليب الجبهة الداخلية:

وذلك عبر السعي الدءوب للحيلولة دون الانجرار إلى أي صراع فئوي، أياً يكن طابعه، ولأجل تمتين الوحدة الداخلية، المتسمة إلى الآن بالهشاشة، في ظل التناقضات السياسية الكثيرة، التي تفاقمت في السنتين الأخيرتين. على أن يتم الحرص، في الوقت نفسه، على إبداء أقصى الاهتمام بالأوضاع السكنية والمعيشية للمهجرين الذين اضطروا لمغادرة مدنهم وقراهم، ومطالبة الدول التي وعدت بأقصى الدعم المادي، بما في ذلك إعادة إعمار المساكن والمنشآت المهدمة، بترجمة ذلك إلى أفعال منذ الآن، ولا سيما في ما يتعلق بتلبية الحاجات الأكثر بساطة لجموع النازحين.

2) مطالبة شعوب المنطقة بتضامن فاعل:

على عكس ما حصل، خلال اجتياح 1982، تنزل أعداد متزايدة من الناس في البلدان العربية وباقي أنحاء العالم إلى الشوارع لإبداء سخطها على العدوان الصهيوني وتضامنها مع الشعب اللبناني ومقاومته الباسلة. وبالطبع، فإن هذا التضامن سوف يتنامى، مع تعاظم الصمود في مواجهة إسرائيل ووسائل فتكها، وتزايد الخسائر التي تمنى هذه الأخيرة بها. ولا شك في أن هذا الواقع لعب دوراً إلى الآن في إجبار أنظمة البلدان العربية على تعديل مواقفها والضغط لأجل إجبار إسرائيل على وقف عدوانها. ولكن الأهم هو دعوة جماهير تلك البلدان إلى الارتقاء في اتجاه الضغط لإجبار حكوماتها على قطع علاقاتها بالكامل مع الدولة الصهيونية، والتهديد الجدي بقطع علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية، وبوجه خاص الوقف الفعلي لتزويدها بالنفط.

وفي السياق نفسه، تتعاظم الحاجة للحصول على تضامن أكثر فاعلية وحسماً من جانب شتى القوى المعادية للعولمة الرأسمالية والحرب، عبر العالم، في حركة مماثلة لتلك التي سبق أن عرفناها خلال الحرب الفيتنامية، وفي ما بعد قبل وخلال الحرب الأميركية الأخيرة على العراق.

هذا وإذا كانت إيران، التي هددت إسرائيل بـ”خسائر لا يمكن تقديرها إذا هاجمت سوريا”، عاجزة عن أن تشمل لبنان بتضامن مشابه، عبر المشاركة الفاعلة في الدفاع عنه، فهي قادرة، على الأقل، أن تحدث إرباكاً عميقاً في الدعم الأمريكي الحاسم لحرب إسرائيل عليه، عبر وضع حد لموقفها الملتبس من الاحتلال الأمريكي للعراق، وحض حلفائها وأنصارها هناك، على التحول الجدي والنهائي من التعامل مع الاحتلال إلى قتاله.

3) دعوة دمشق لتحريك جبهة الجولان:

لقد هدد النظام السوري بالدخول في المعركة إذا احتلت إسرائيل لبنان واقتربت من الحدود السورية. لكن إسرائيل تجاوزت الحدود السورية منذ 40 عاماً تقريباً، وهي مستقرة في هضبة الجولان منذ العام 1967! إن أبسط متطلبات التضامن مع لبنان، الذي يتعرض الآن لهجمة طاحنة عليه من جانب إسرائيل يقتضي، إذا لم يكن الانخراط المباشر في صد هذه الهجمة، من داخل الأراضي اللبنانية، فعلى الأقل إعادة الاعتبار لمطلب مقاومة الاحتلال الجاثم على الأرض السورية، وذلك على تلك الأرض بالذات. وهو تحد كبير، ليس فقط في وجه النظام القائم في دمشق، بل أيضاً وبوجه أخص في وجه الشعب السوري، الذي يفترض ألا يعدم وسيلة لإيجاد الأشكال المناسبة للانضمام إلى معركة التحرير الشاملة. وبقدر ما سوف يتمكن من ذلك، سوف يكون يقدم هكذا دعماً حقيقياً للشعب اللبناني في مواجهة الحرب الإسرائيلية-الأميركية، وفي الوقت نفسه للشعب الفلسطيني البطل، الذي يقاتل لوحده، وسط حصار شامل، آلة الحرب الإسرائيلية الحاقدة وتواطؤ الغرب الكامل وجزء أساسي من الحكومات العربية ضده.

خاتمة:

في الوقت الذي تبشر فيه كوندوليزا رايس بقيام شرق أوسط جديد من بين أنقاض لبنان الذي ينوء تحت وطأة إحدى أبشع الحروب المعاصرة، وفي حين يهدد قادة إسرائيل بأن هذه الحرب سوف تؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة في الصراع مع لبنان وحزب الله، لا بد من التريث لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور الآن، وهل ستعود الحرب وتتوسع باتجاه بلدان أخرى في المنطقة، كما يتخوف الملك السعودي القائل إنه “إذا سقط خيار السلام بنتيجة الغطرسة الإسرائيلية فلن يبقى سوى خيار الحرب”. وهو خيار لا يقض مضجعه وحده، بل معه مضجع الرئيس المصري حسني مبارك، ورؤساء وملوك عديدين آخرين في المنطقة وأبعد منها. وإذا كان شيمون بيريز، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، توصل كما أسبقنا إلى اعتبار أن “الحرب مع لبنان هي حرب حياة أو موت”، وقد لا يكون مخطئاً في تصوره هذا، فإن أشياء كثيرة سوف تتغير بعد هذه الحرب. وبقدر ما يتم استيفاء الشروط التي ذكرنا أعلاه، فإن الشرق الأوسط الجديد الذي توقعته رايس لن تصوغه إسرائيل حتماً ومعها حلفاؤها في الغرب الحالي، بل شعوب هذا الشرق وقواه المناضلة لأجل الحرية والكرامة والاستقلال. كما أن قواعد اللعبة ستتغير عندئذ حقاً، وإن يكن لقاء كلفة عالية جداً، ولكن بالضبط لغير صالح إسرائيل. وبقدر ما يمكن أن يتحقق ذلك، لن يكون ما بشر به الأمين العام لحزب الله أضغاث أحلام، وبدون أدنى ريب “سوف ينتصر الدم على السيف”.