بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

برفيز مشرف:

الجنرال في متاهة!

أمريكا، سيدة العالم كما يسمونها، تبدو متجهة صوب خسائر سياسية كبرى على الجبهة الأفغانية. فعلى مدى العامين الماضيين، وبشكل متزايد، لم تعد العراق وحدها، بمقاومتها المسلحة واضطراباتها السياسية، هي سبب الصداع لإمبريالية القطب الواحد.

الصورة تتضح يوما بعد يوم. فحميد كرزاي، هذا العميل الأمريكي التافه، لا تتعدى سلطاته فعليا حدود سلطات «عمدة كابول»، هذا بينما تجول طالبان وتصول في أقاليم الجنوب الأفغاني واصلة إلى منطقة الحدود الأفغانية-الباكستانية وإلى داخل باكستان نفسها.

الأخطر من هذا والأهم هو عدم الاستقرار المتزايد في باكستان، أهم حلفاء أمريكا في وسط آسيا في حربها البائسة ضد «الإرهاب». فالجنرال برفيز مشرف، ديكتاتور باكستان منذ 1999، يعيش هذه الأيام ربما أسوأ أيامه منذ انقلابه على حكومة نواز شريف المنتخبة قبل ثمان سنوات.

المخاطر التي تتعرض لها سلطة مشرف، والسياسة التي من الممكن أن تؤدي إلى إفلات باكستان من القبضة الأمريكية، هي، كما يمكن أن نلاحظ، جزء من عملية اهتزاز شاملة يتعرض لها مشروع القرن الأمريكي الجديد في العراق ولبنان وأفغانستان.

فشل باكستاني

كانت باكستان قد عاشت عقدا من الديمقراطية من أواخر الثمانينات إلى أواخر التسعينات. خلال هذا العقد ظهرت بشكل واضح حقيقة الديمقراطية البرجوازية. فقد أشرف كل من نواز شريف وبي نظير بوتو – رئيسا الوزراء المتناحران خلال التسعينات – على عملية تحول إلى اقتصاد السوق زادت من إفقار شعب (160 مليون نسمة) يعاني في أغلبيته من البطالة والفقر ونقص الخدمات. إلى جانب هذا اتسمت الحكومات المنتخبة بفساد مدهش، مع استمرارها في التبعية للإمبريالية الأمريكية.

فساد وفشل الديمقراطية الباكستانية، واغتراب الجماهير الباكستانية عنها، ثم عدم الاستقرار السياسي الذي أدت إليه، كان معناهم أن الطريق بات ممهدا لانقلاب جديد – الرابع منذ استقلال البلاد في 1947. وقد كان! فقد استولى برفيز مشرف، قائد الجيش، على السلطة بسهولة نسبية، وأيدته أمريكا بظن أن القبضة الحديدية للجيش أفضل من انزلاق البلاد إلى هاوية «الفوضى».

حظ مشرف العثر جعله يصل للحكم قبل عامين فقط من أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. طبعت هذه الأحداث حكم مشرف كله بطابعها وفرضت عليه سياسة توازن دقيقة يبدو أنها تتعثر بشدة هذه الأيام.

فمع إقصائه للأحزاب البرجوازية، بدأ مشرف يعتمد أكثر فأكثر على الأحزاب الإسلامية التقليدية التي تحتفظ بولاء قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى التقليدية ومن نخب المدن الصغرى والمناطق الريفية، وذلك بالذات في بلد تسطع فيه بشدة مظاهر التطور اللامتساوي بين أشد التخلف والفقر وأشد الحداثة والثراء.

لكن السياسة الأمريكية، سياسة الفوضى الخلاقة لأصحابها المحافظين الجدد، وضعت مشرف بين شقي الرحى. فهو مطالب بمطاردة طالبان والقاعدة، ومطالب بالاصطدام بالقبائل على الحدود الأفغانية، وهي كلها مطالب تزيد من التوتر وتصب الزيت على النار وتخلخل استقرار توازناته.

ومؤخرا، وعلى خلفية تصاعد النضالات الاجتماعية والاقتصادية في قطاعات الاتصالات والكهرباء وغيرها، تزايدت الفجوة بين حكومة مشرف والطبقات الفقيرة الباكستانية، فزاد هذا الطين بلة، خاصة بعد ظهوره بمظهر التابع الذليل لأمريكا.

بطة عرجاء

من هنا تحول مشرف في العام الأخير إلى «بطة عرجاء». وانفجر الموقف بصدامه مع قاضي المحكمة العليا إفتخار محمد شودري. فتماما كما حدث في مصر، ونظرا للفراغ الذي أدت إليه انتهازية القوى السياسية، برز أحد القضاة بصفته ممثلا ناصعا للمعارضة الشريفة المقاتلة ضد فساد وديكتاتورية مشرف. القاضي شودري كان مؤهلا تماما لهذا الدور. فقد اشتهر على مدى السنوات بأحكامه المتعاطفة مع مصالح الجماهير (منها مثلا حكم بإفشال صفقة خصخصة لقطاع الحديد والصلب لفساد الصفقة).

لذا، فعندما قرر مشرف إقصاء شودري، ثم عندما قرر شودري تحديه، كانت النتيجة ميلاد حركة قومية واسعة اصطفت فيها قطاعات واسعة من نخبة الطبقة الوسطى، إلى جانب عدد لا بأس به من العناصر الواعية من الطبقات الأكثر فقرا.

وبالقطع، فإن نهاية الحركة بانتصار شودري بعودته لوظيفته، كان لها أبلغ الأثر في وصول مشرف إلى محطته الأخيرة: محطة الجنرال بأسلحة من خشب! الآن مشرف في متاهة لا مخرج منها. تراجع شعبيته، جنبا إلى جنب مع ضعف هيبته، فتحا شهية المعارضين لتحديه سياسيا. فبعد شودري، أتى نواز شريف ليقرر منازلته في الانتخابات القادمة، وليقرر قبل ذلك العودة للبلاد في تنفيذ لحكم قضائي (أيضا من القضاء المناطح لمشرف) يسمح له بالعودة.

مشرف يتخبط. المحكمة العليا وقضاتها المعارضين مصممون على تعقبه ومنعه من الترشح لأن الدستور يقول أنه ليس من حق الموظف الحكومي الترشح للرئاسة إلا إذا مر على تركه لوظيفته عامان (ومشرف موظف حكومي: هو قائد الجيش). وحتى يفلت من هذه المواجهة القضائية، وحتى يفلت من التحديات السياسية، أمامه اختياران أحلاهما مر: إما العصف بالهامش الليبرالي الموجود وإعلان حالة الطوارئ وإقصاء المعارضة كلية بالقوة، أو المناورة ومحاولة صنع تحالفات تسمح له بالبقاء.

وبانتهازية مشهودة، وبغباء معهود، يسير مشرف في المسارين بغير نجاح يذكر. فهو قد دخل مفاوضات مع بي نظير بوتو لعقد صفقة تؤمن له تغيير الدستور بما يسمح له بالترشح، بينما تؤمن لها العودة لممارسة السياسة في البلاد مع إسقاط التهم المنسوبة إليها بالفساد. ولكن المفاوضات تتعثر مع تناقضات الوضع ومع تزايد مآزق مشرف. ومن ناحية أخرى هو يفكر جديا في فرض حالة الطوارئ، وقد قام بترحيل نواز شريف فور وصوله البلاد لمنعه من المشاركة في الانتخابات، في إشارة إلى سعيه إلى إحكام السيطرة بالقوة، وهو الأمر الذي تعارضه الولايات المتحدة، التي يبدو أنها باتت مقتنعة بأن مشرف، بصيغة حكمه الراهنة، ليس بالضرورة أفضل الرهانات.

البديل؟

السؤال هنا هو: في ظل هذا الاضطراب، وفي ظل صعود النضالات الاجتماعية، ومع الإحساس بضعف النظام الحاكم، هل يوجد في باكستان بديل عدا الضباط والقضاة والساسة البرجوازيين والبرجوازيين الصغار؟ هل يمكن بناء حركة جديدة تصهر المعارك الراهنة في بوتقة واحدة، وتفتح الطريق أمام تغيير حقيقي وجذري في باكستان؟ الإجابة سنعرفها من أحداث الشهور القادمة!