بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

بعد تحرير الأسرى:

الكفاح مستمر لتحرير كامل التراب الفلسطيني

ثاني أكبر عملية تبادل للأسرى يشهدها الآن التاريخ الفلسطيني منذ اندلاع المقاومة المسلحة، حيث تم تحرير1027 أسير وصلت الأحكام الصادرة على أقل من نصفهم إلى أكثر من 92 ألف سنة وفقاً للإحصاءات الإسرائيلية.

استمدت الصفقة زخمها من داخل أسوار المعتقلات، فما إن تم الإعلان عن خوض الأسرى معركة "الأمعاء الخاوية" حتى اتسعت حجم المشاركة بالسجون الأخرى لتشمل إضراب ما يقارب ثلثي المعتقلين قبيل الإعلان عن الصفقة. كما أعلنت الجماهير بالضفة وغزة تضامنها الكامل بمسيرات حاشدة وإضرابات واسعة. استطاعت الصفقة إضافة حلقة جديدة إلى سلسلة النضال الفلسطيني منذ إضراب الأسرى في سجن عسقلان عام 1976 إلى إضراب عام 1980، والذي أعقبته إضرابات منتصف الثمانينات بمعتقل الجنيد، والذي شكل نقلة نوعية في مسيرة الإضرابات لينتهى بكسر الحصار داخل السجون الإسرائيلية.

وعلى أي حال، لا يمكننا تناول صفقة تبادل الأسرى الأخيرة إلا في السياق الذي تمت خلاله والذي يعج بالكثير من العوامل التي لا يمكن فهمها هي الأخرى بمعزل عن بعضها، حيث تصاعُد حدة الأزمة الداخلية في اسرائيل وسط منطقة تموج بالثورات، وتزامن ذلك مع مساعي إعلان الدولة الفلسطينية من الأمم المتحدة، ذلك بالإضافة إلى الوضعية الراهنة للمقاومة من ناحية والسلطة الفلسطينية من ناحية أخرى.

مكاسب وخسائر

على الجانب الإسرائيلي، والذي كان يعج داخلياً لأكثر من شهرين بالتظاهرات الحاشدة بشوارع تل أبيب وأمام منزل نتنياهو احتجاجاً على غلاء أسعار السلع والشقق السكنية، تميز الموقف الإسرائيلي بمزيد من الارتباك بالأخص وأن الاحتجاجات الأخيرة أتت كامتداد للاحتجاجات الواسعة التي تواصلت منذ سنوات بهدف إطلاق سراح الجندي شاليط، والتي وصلت أيضاً لحد المسيرات الحاشدة واعتصامات طلاب المدارس الثانوي، بل واستطاعت أن تمثل ورقة سياسية انعكست سلباً على حكومة أولمرت في الانتخابات الماضية.

أما على المستوى الخارجي، فالتحديات السياسية والدبلوماسية التي تواجه إسرائيل أضحت هي الأكثر جدلاً بعد لجوء رئيس السلطة الفلسطينية للأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطين. وهنا وجدت إسرائيل صفقة الأسرى حلاً سحرياً ومزدوجاً لكلا الجانبين، فداخلياً تم تعليق دعوات التظاهر لطلاب الجامعات وخاصة بعد تلك المناوشات العسكرية التي تعمدتها الآلة العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة. وخارجياً بدت إسرائيل كالشريك السياسي الذي لا يمانع بدخول مفاوضات يعترف فيها بالفلسطينيين ويلبي رغباتهم.

وعلاوة على ذلك، بدت تلك الصفقة بالنسبة للإسرائيليين كسبيل لإحراج السلطة الفلسطينية دولياً بعد اليأس الذي بدا بخطاب أبو مازن أمام الأمم المتحدة. ولعل ذلك هو ما دفع وزير الخارجية الإسرائيلي لتضخيم الموقف إعلامياً بوصفه لأبو مازن بالـ"عقبة في طريق المفاوضات والتي يجب إزالتها فوراً".

وبعد خوض الصفقة، تريد إسرائيل أن تظهر كدولة تحترم مواطنيها بمبادلة ألف فلسطيني أسير في مقابل واحد فقط من جنودها، كما ازدادت قناعة تلك الإدعاءات في إطار القهر المتزايد بالمنطقة المحيطة التي تشهد موجات من الانتفاضات الجماهيرية، والتي أيضاً يُقتل المتظاهرون فيها تحت القصف (ليبيا، سوريا، اليمن) أو يُدهسون تحت سيور الدبابات ويتم تعذيب الآلاف منهم حتى الموت (مصر).

لكن إذا أخذنا في الحسبان تلك التعليمات التي قد صدرت عن وزارة الدفاع بعد أسر شاليط وتم توجيهها مباشرةً إلى الجنود بأن عليهم منع عمليات خطف زملائهم بقتل الفدائيين حتى لو شكل ذلك خطورة على حياة الجندي المُختطف، سنجد أن ما يعني دولة الكيان الصهيوني هو المكسب السياسي لا أكثر. فإذا كانت صفقة تبادل الأسرى أمراً واقعاً على الحكومة الإسرائيلية في ظل احتجاجات داخلية واسعة، فإن إسرائيل حاولت من ناحية أخرى تحقيق مكاسب إضافية بعدم إطلاق سراح بعض من أهم القيادات الفلسطينية الأسيرة أمثال أحمد سعدات والبرغوثي. بل وتعدت ذلك بتكوين لجنة أوصت بتنفيذ حكم الإعدام الفوري على الفلسطينيين المتهمين بقتل المستوطنين، وبمقتضى ذلك لن يكون هناك ما يمنع إعدام سعدات والبرغوثي أنفسهم، بل وكل الأسرى الفلسطينيين بتوجيه التهم ذاتها، وهو ما يبدو كمحاولة من إسرائيل لنسف قضية الأسرى التي تمثل ضغطاً سياسياً كبيراً على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

وعلى صعيد آخر، صبت أيضاً صفقة الأسرى في الرصيد السياسي لحركة حماس؛ حيث نجحت حماس في إتمام الصفقة التي شملت أسرى من كافة التيارات المختلفة بالضفة الغربية وغزة ومناطق الجولان، وخلال سنوات الأسر استطاعت حماس استغلال الجندي الأسير في تبادل أسيرات منذ عامين في مقابل محاولات إسرائيل تهدئة الاحتجاجات الداخلية ببث فيديو مصور يظهر فيه شاليط يقرأ جريدة بتاريخ نفس يوم عرض الفيديو.

كما أثبتت حماس أنها تمتلك جهاز مخابراتي كان له قدرة فائقة على إخفاء الجندي الأسير، والذي تعاقبت عليه حملات التمشيط الواسعة للآلة الإسرائيلية، مروراً بيوليو 2006 أثناء الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، إلى حرب الفسفور الأبيض والتي خلّفت خراباً وتدميراً للبنى التحتية بالقطاع، في حين لم يتم العثور على الجندي الأسير. لا ننسى في هذا الصدد الاعتداءات المتكررة التي ارتكبها نظام مبارك بحق المقاومين حيث إخضاعهم لتعذيب وتحقيقات لا تقل في قسوتها ووحشيتها عما كان يفعله الصهاينة بغرض انتزاع اعترافات بشأن مكان الجندي شاليط.

حماس أيضا نجحت في استغلال الفرصة التي يمكن أن توصف "بالمناسبة" وكسبها لصالحها سياسياً لتقوية مواقفها في إتمام بنود المصالحة مع فتح. ففي الوقت الذي يضع الرئيس الفلسطيني المفاوضات كشق جانبي سيتم إتخاذه عند الفشل في الحصول على دولة فلسطينية، تندفع حماس في اتجاه جديد من المفاوضات -إن صح التعبير- تختلف هذه المرة عن تلك التي تمارسها سلطة رام الله؛ فقد أثمرت نتائجها على الفور بخروج ما يزيد عن ألف أسير، كما بدا المفاوض الفلسطيني "كشريك" يملي قراراته في سابقة لم تحدث، على الأقل منذ تولي أبو مازن السلطة، ولن تحدث في ظل المسار الاستسلامي الذي يتبناه.

السلطة الفلسطينية والأسرى والمقاومة

أما عن السلطة الفلسطينية في رام الله، فقد بدت وكأنها أكثر الأطراف ضعفاً حتى برغم المحاولات المستميتة التي بذلتها كي تصدر المشهد. فالمؤتمرات التي نظمتها حركة فتح احتفالاً بخروج المحررين تصدرتها الأبواق الإعلامية شكراً وعرفاناً للرئيس أبو مازن والذي لم تتعرض خطاباته أو سياسياته من قريب أو من بعيد لقضية الأسرى. فالسلطة الفلسطينية التي حاولت جذب الجماهير بقرار التوجه للأمم المتحدة استطاعت بالفعل تجديد شعبية الرئيس المنتهية ولايته من خلال وصف القرار بالأسطوري وربطه تاريخياً بخطاب ياسر عرفات رغم اختلاف الظروف بشكل كامل.

حاولت السلطة الفلسطينية أن تشحذ تلك الشعبية بعد وقوعها بعدة مآزق، ليس فقط على المستوى السياسي لكن بالأخص على المستوى التنظيمي لحركة فتح وكوادرها المتورطين في قضايا فساد ضخمة، بل وقياداتها أيضاً المتورطين بقضية سم الراحل ياسر عرفات. لسنا هنا بصدد سرد فضائح فتح بعد إلغائها لأرشيف مسلح سطرته دماء أشبال وزهرات فلسطين، لكن إذا كان إضراب المعتقلين الفلسطينيين عن الطعام في معركة الأمعاء الخاوية استمر لأكثر من ثلاثة أسابيع في نفس الوقت الذي كانت الأجهزة الأمنية الفلسطينية تمارس فيه تنسيقها الأمني مع إسرائيل في حماية حدود المستوطنات، وإذا استقبلت الأراضي الفلسطينية أبطالها المحررين وهناك الآلاف من المعتقلين السياسيين على خلفية مقاومة الاحتلال اعتقلتهم فتح لتملأ بهم السجون الفلسطينية، فماذا تعني إذن قضية الأسرى بالنسبة للسلطة الفلسطينية؟

في هذا الصدد لا يمكن فصل عملية تحرير الأسرى عن كل ما يجري في المنطقة العربية، فعملية الإفراج عن الأسرى تتزامن مع استمرار ثورات شعبية بالمنطقة قد تحتمل اندلاع حرب قادمة مثلما صرح قائد أركان عسكري إسرائيلي. هذه الثورات استطاعت نسبياً بث القلق والرعب في الكيان المحتل وزعزعة استقراره كما لم يشهد من قبل؛ فالجماهير التونسية استطاعت، بعد هروب الديكتاتور، تسيير أول قافلة مساعدات لغزة منذ فرض الحصار عليها. وفي مصر تعالت الهتافات بميدان التحرير بعد خلع الطاغية بكلمات عرفات الشهيرة "ع القدس رايحين شهداء بالملايين"، ولأول مرة يصل المتظاهرون المصريون إلى السفارة الإسرائيلية ويتم نزع العلم عنها بل واقتحامها وإلقاء ما بها من أوراق. وفي الأردن تتواصل المظاهرات بعد إسقاط حكومتين متتاليتين منذ بدء الاحتجاجات في يناير الماضي ويضع الشعب أول مطالبه بإسقاط اتفاقية وادي عربة ووقف كافة أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني. أما الجماهير السورية الباسلة فقد اتخذت بعداً أكثر ثورية حينما استنكرت نزول الجيش لسحق تظاهراتهم للمرة الرابعة منذ تولى حزب البعث في حين لم تجرؤ السلطة، التي تعتبر واحدة من زوايا "المقاومة" بالمنطقة، أن تهدد جندي إسرائيلي واحد بالجولان خلال ثلاثين عاماً خلت.

كل هذا يحدث متزامناً أيضاً مع تصاعد للعمليات الفدائية في الأراضي المحتلة. فعقب إتمام الصفقة لم يمر أسبوع واحد حتى تم الإعلان عن هجوم فدائيين على دورية إسرائيلية بالقنابل برام الله، ثم طعن مستوطن في القدس بالسكين. كما توالت صواريخ القسام منطلقة من قطاع غزة وأوقعت قتيل صهيوني مما أدى إلى رفع حالة التأهب إلى مرحلتها القصوى داخل إسرائيل، ووسط توقعات أعلن عنها خبير عسكري بجريدة يديعوت أحرونوت بأن تتخذ المقاومة أشكالاً جديدة مثل اختطاف حافلات تتضمن مساومات مباشرة، وهي بالمناسبة نفس أشكال المقاومة التي اتخذها أبناء المخيمات المهجرين حتى أواخر السبعينات.

في ظل كل هذه التطورات لم تمتلك السلطة الفلسطينية الجرأة في تبني قضية الأسرى، كما لم تمتلك قراراً بشأن حماية الأسيرات المحررات التي تمكنت قوات الاحتلال من مداهمة منازلهن بعد التهديد بالاعتقال في حالة استمرار نشاطهن النضالي. والأدهى من ذلك أن تظل السلطة الفلسطينية مستمرة في التفاوض بعد الأزمة الأخيرة التي مرت بها المفاوضات قبل قرار التوجه "لاستجداء" للأمم المتحدة.

قضية الأسرى وقضية الدولة

قضية الأسرى هي قضية الدولة الفلسطينية التي تعمد أبو مازن تجاهلها، فماذا عن أسرى سيتم إطلاق سراحهم من السجون الإسرائيلية ثم يقعوا بعدها تحت طائلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تحارب المقاومة بشكل مباشر؟ ماذا عن الدولة التي يسعى إليها الرئيس، المنتهية ولايته، بمصادرة الأسلحة واعتقال المقاومين وتنفيذ ما يمليه عليه الجنرال الأميركي دايتون حليف الصهاينة؟

الدولة الفلسطينية التي يتخيلها سيادة الرئيس لن تقوم طالما هناك من يحتكرون الميلشيات المسلحة لصالحهم أمثال دحلان وهناك أسرى محررين مبعدين عن الأرض المحتلة ويتم تهميش بطولاتهم، أمثال أحمد أبو إصبع بطل عملية الساحل الفدائية والذي انتهى به الأمر ليبيع المثلجات بالأردن.

الدولة الفلسطينية ستقوم بالكفاح المسلح واستعادة دور اللجان الثورية باجتذاب الفدائيين على القضية من كل بقاع العالم، جنباً إلى جنب مع ثورات المنطقة العربية التي -في حال استمرارها وتقدمها للأمام- ستصبح قادرة على محاصرة الكيان الصهيوني واجتثاثه من جذوره. كما أن الظروف التي استطاعت أن تطلق الكفاح المسلح بدءاً من يناير 1965 لا تزال قائمة إلى الآن بالفعل، بل وبشكل أكثر حدة بما لا يُقاس، وستكون قادرة على صنع مستقبل جديد تتصدره أسلحة المقاومة وفقاً لما يعانيه الفلسطينيون الآن من أوضاع اجتماعية واقتصادية مأساوية.

على سبيل المثال، أعلنت منظمة الأنروا، التي تدعم 80% من سكان غزة، تقليص حجم المساعدات من جراء الأزمة الاقتصادية العالمية، أما الطبقة العاملة فتعاني في داخل الأراضي الفلسطينية من التأخر المستمر للرواتب علاوة على انخفاضها الشديد، وفي إسرائيل يتم تقليص العمالة الفلسطينية والاستعانة بعمالة أخرى وافدة من جنوب شرق آسيا. كل تلك الظروف تشكل دافعاً قوياً يؤهل لتصاعد حدة مقاومة شعب يرزخ تحت طائلة الفقر والبطالة ويعاني تحت الحصار والقصف، وستكون قضية الأسرى ممر يمهد الطريق لفتح الباب أمام قضايا أخرى لا تقل أهمية، ولا نستبعد في هذا الصدد قضية اللاجئين فربما تشهد الفترة القادمة التي تواكب قرار الأمم المتحدة تحركات واحتجاجات واسعة من أجل حق العودة.

وإذا كانت إضرابات الأسرى داخل السجون الإسرائيلية قد استطاعت تحقيق مكاسب نوعية بكسر الحصار المفروض عليهم ورفع مستوى النضال بشكل عام، فإن هؤلاء الأسرى قد تحرروا فقط من أجل أن يعودوا إلى قواعدهم كمناضلين ومقاتلين في مواجهة الكيان الصهيوني، وتحريرهم لن يكتمل سوى بتحرير كامل التراب الفلسطيني.