بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اللاجئون السودانيون ولعبة الأنظمة

مذبحة 30 ديسمبر، ومن قبلها الاعتصام الذي استمر ثلاثة أشهر، كشفا عن المأساة التي يعيشها اللاجئين السودانيين في مصر. هؤلاء، الذين فروا من ويلات حرب أهلية طاحنة بحثاً عن مأوى، وجدوا أنفسهم عرضة لأسوأ أنواع الاضطهاد العنصري والإيذاء النفسي والبدني. صاروا مشردين لا ملاذ لهم ولا ثمن، ضائعين وسط المساومات القذرة بين الإمبريالية وعملائها في المنطقة. زينب عبد الكريم تشرح لنا قصة اللاجئين السودانيين، والاتفاقات التي تتم على حسابهم.

في يوم 17 ديسمبر الماضي وصل اعتصام اللاجئين السودانيين أمام مفوضية شئون اللاجئين “مكتب القاهرة” إلى منعطف مأزوم. الأزمة كانت بسبب توقيع خمسة مفاوضين من مجموعة “صوت اللاجئين” (مجموعة من اللاجئين أخذوا على عاتقهم قبل الاعتصام بتسعة أشهر مهمة تجميع بيانات عن أحوال اللاجئين السودانيين في مصر) على اتفاقية مع المفوضية تلزم اللاجئين بفض الاعتصام قبل يوم 22 ديسمبر مقابل عدول المفوضية عن قرار، كانت اتخذته في يونيو 2004، بوقف كافة المقابلات مع طالبي اللجوء من السودانيين. اللاجئون رفضوا الاتفاق وأعلنوا استمراهم في الاعتصام لحين توطينهم في دولة ثالثة، أو على أقل تقدير نقلهم لأية دولة أخرى تعاملهم كلاجئين حتى يتم البت في أمرهم، مرددين هتافات “النجيلة النجيلة.. سنموت على النجيلة”، “لادولة لنا إلا النجيلة.. فيما عدا السودان”. وفي المقابل، أصدرت المفوضية بيانا توضح فيه أنها بذلت كل ما في وسعها لإنهاء الاعتصام، وتنفي مسئوليتها عن التدخل الامني المتوقع حدوثه خلال أيام!

اعتبر أغلب المتابعين لاعتصام اللاجئين السودانيين أن مطالبهم مبالغ فيها، بل ومستحيلة التحقيق. إلا أننا لو أخذنا في الإعتبار الوضع في السودان وما عاناه هؤلاء لسنوات من انتهازية النظام المصري ومن العنصرية ومن الممارسات شديدة التحيز لمكتب المفوضية، وهي الممارسات الناتجة عن عدم استقلاله عن المآرب السياسية، بالإضافة إلى جهل موظفيه وعنصريتهم ضد أصحاب البشرة السوداء، لأدركنا أن مطالب اللاجئين كانت الوحيدة التي تتيح لهم الحياة كبشر.

فآلاف المعتصمين لم يختاروا الحياة في مصر. ولكن شردتهم الحرب ومنعتهم الألغام والمصير المجهول من العودة لديارهم. وهم لم يدخلوا هذا البلد متسللين، ولكن بتأشيرات “سياحية” مختومة من السفارة المصرية في الخرطوم، التي “يسترزق” العاملون بها من منح هذه التاشيرات. ففي الوقت الذي كان يعاني فيه السائح اللبناني من أجل الحصول على تأشيرة للقاهرة، كان أي فلاح فقير من قرية في الجنوب السوداني، لا يتحدث سوى لغة قبليته ولا يملك غير ثمن تذكرة “الوابور”، يتمكن من الحصول على تأشيرة سياحية لمصر بمنتهى البساطة!

السيناريو بعد ذلك تقريباً واحد بالنسبة للجميع. يذهب اللاجئ إلى مجمع التحرير خلال أسبوع من دخوله ليثبت وجوده في مصر. ولأن تأشيرة الدخول لا تتيح له الإقامة إلا لمدة شهر، كان يذهب ليسجل نفسه في مكتب المفوضية، ليحصل تلقائياً على حماية مؤقتة من خطر الترحيل في صورة “بطاقة صفراء” تتيح له الإقامة لمدة ستة أشهر يكون عليه بعدها المرور بدورة تتضمن المجمع، أمن الدولة، الخارجية، ثم المجمع مرة أخرى، لتجديد الإقامة لستة أشهر جديدة، وهي الدورة التي كانت تستغرق في الأغلب حوالي شهر كامل.

وفي خطوة تالية، كان مكتب المفوضية يقوم بتحديد مواعيد لحاملي “البطاقة الصفراء”، يتحدد على أساسها إذا كان طالب اللجوء سيحصل على صفة “لاجئ” أم لا. فإذا كان محظوظاً واجتاز المقابلة حصل على صفة “لاجئ” رسمياً، أي على “البطاقة الزرقاء”. أما إذا لم يجتز المقابلة، فإنه كان يحق له التقدم باستئناف خلال شهر يطرح فيه معلومات جديدة تؤكد على أحقيته في الحصول على اللجوء. فإذا قبل الإستئناف يحدد له موعد جديد. أما إذا لم يقبل الإستئناف، أو لم يجتز المقابلة الثانية، “أغلق ملفه” ولم يعد أمامه سوى الحياة في مصر بشكل غير قانوني. ووفقا لوجدي عبد العزيز، المدير التنفيزي لمركز الجنوب، فإن هناك 3 ملايين سوداني على الأقل على هذه الحالة في مصر!

المشكلة الحقيقية لا تكمن في بيروقراطية هذه الإجراءات التي استغرقت أحياناً سنوات حتى يحصل اللاجئ على “البطاقة الزرقاء” أو يغلق ملفه، ولا حتى في أن هذه الإجراءات بتفاصيلها المعقدة لا وجود لها في الدنيا إلا في مكتب القاهرة، ومرتبطة فقط باللاجئين السودانيين دون غيرهم. المشكلة الحقيقية تكمن في أنه منذ الأول من يونيو 2004، وتحت مزاعم تقدم مباحثات السلام في السودان، أعلنت المفوضية “مكتب القاهرة”، تأجيل برامج إعادة توطين اللاجئين السودانيين الحاصلين على وضع لاجئ من حاملي البطاقة الزرقاء لمدة ستة أشهر كاملة. وقد تم تجديد القرار ثلاث مرات آخرها في يونيو 2005. كما أعلنت أيضاً وقف كافة المقابلات التى تجري مع طالبي اللجوء من السودانيين. كما اعتمدت المفوضية سياسة تباطؤية في تلقي طلبات اللجوء. فبدلاً من قيام طالب اللجوء بتسجيل نفسه لديها في حدود أسبوع من دخوله البلد، فرضت عليه الانتظار لثلاثة أشهر، زادت فيما بعد لستة، قبل أن توافق على تسجيله. الأدهى من ذلك أنها، وفي أعقاب توقيع اتفاقية السلام بين الحكومة السودانية والجبهة الشعبية لتحرير السودان، أصدرت قراراً بتجميد جميع طلبات السودانيين لأجل غير مسمى، وهو ما أدى لاعتصام حوالي أربعة آلاف لاجئ سوداني منذ 29 سبتمبر الماضي، اعتراضاً على هذا القرار!

قرار المفوضية الأخير لم يأت من فراغ. فقد جاء بعد أن بدأت الدول الكبرى التي تدعم اتفاق السلام في السودان، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في تقليص أعداد اللاجئين التي تقبلهم من السودان تدريجياً، لتصل إلى أقل نسبة لها في عام 2005. الولايات المتحدة إذن ساهمت في خلق المشكلة باستخدامها “كارت” اللاجئين بإنتهازية فجة: فتحت الباب على مصراعيه عندما كانت لديها مصلحة في توطينهم، فخلقت بؤرة جذب في مصر باعتبارها الأقرب، ثم عندما أصبحت مصلحتها هي تعبئة كل لاجئ وإرساله إلى “وطنه” في التو واللحظة ليواجه هناك الجحيم، لم تترد في إغلاق الباب وتحطيم حياة الآلاف.

في حملة الانتخابات الرئاسية الثانية لبيل كلينتون، كان أحد الممولين الرئيسيين للحملة من الأمريكيين الأفارقة. ومن أجل عيون هذا الرجل وصل عدد اللاجئين السودانيين المقبولين في الولايات إلى 12 ألف لاجئ في العام، كانت مصر تصدر منهم حوالي 4000 لاجئ (يتم توطين 1% فقط من كل اللاجئين في العالم ولكن بالنسبة للاجئي مصر كانت النسبة حوالي 12% ). لعل هذا هو السبب في إطلاق إسم “مكنة التوطين” على مكتب المفوضية بالقاهرة في وقت من الأوقات. وفي مقابل هذا العدد من السودانيين كان مكتب القاهرة يصدر 500 لاجئ من جنسيات مختلفة، أغلبهم صوماليين وأفغان (توقف توطينهم بعد الحرب، لكي نصدق أنهم “عملوا سلام بجد”). وهناك أرتيريون وأثيوبيون وعراقيون (توقف توطين هؤلاء الأخيرون بعد الغزو الأمريكي للعراق).

هل تتذكرون فيلم مايكل مور “فهرنهايت 9/11″؟ هل تتذكرون أن من قاموا بتقديم اعتراضات لمجلس الشيوخ على تزوير الانتخابات الرئاسية كانوا من الأمريكيين الأفارقة؟ في هذه اللحظة، في فبراير 2004 بالتحديد، قرر بوش الحديث عن أزمة دارفور، مع أنها كانت مشتعلة قبل هذا التاريخ بأكثر من عام. بهذا “الحجر” استطاع الرجل اصطياد ثلاثة عصافير مرة واحدة: كسب أصوات الأمريكيين الأفارقة الذين بدأوا يزعجونه، غطى على الحرب في العراق، وأثار ذعر الأنظمة في الشرق الأوسط.

نعم كانت الولايات المتحدة تقوم بتوطين أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين، إلا أن ذلك لم يكن أبداً لدواع إنسانية. فوفقاً للتقسيم الأمريكي لطالبي اللجوء، هناك فئة خاصة يقبل لجوءها فوراً تسمى P2. هذه الفئة يندرج تحتها مثلاً البهائيين الإيرانيين. في حين أن بعض المنظمات الإنسانية “حفيت” من أجل إدراج مجموعة من الأطفال السودانيين المعروفين بإسم The lost boys ضمن هذه الفئة دون جدوى مع العلم أن هؤلاء الأطفال فقدوا ذويهم أثناء الحرب الأهلية، وعاشوا لفترة طويلة في الغابات افترست خلالها الحيوانات المتوحشة أغلبهم.

أما عن انتهازية النظام المصري فحدث ولا حرج. السودانيون لم يكونوا في حاجة إلى تأشيرة ولا إقامة قبل 1996، وهو العام الذى شهد محاولة اغتيال مبارك فى أديس أبابا لتسوء بعدها العلاقات بين حكومتي البلدين، ولتقرر مصر معاملة السودانيين كغيرهم من الأجانب. بل إن النظام المصري ترك موضوع الدعم الذي يحتاجه اللاجئين إلى الامم المتحدة. وتلك الأخيرة لم تجد منظمة لإسناد هذه المهمة إليها إلا هيئة “كاريتاس” التى دوخت اللاجئين وأذلتهم. كما رفض النظام المصري إقامة أي معسكر إيواء للاجئين بحجة “أن مصر دولة سياحية”، يعني من غير اللائق أن يتواجد بها “مخيمات” لـ”سود غلابة”. ولنفس هذا السبب، تم “كنس” المعتصمين من ميدان مصطفى محمود، قبل إجازات “الكريسماس” وقبل أن تقوم مصر باستضافة بطولة الامم الأفريقية!

ولكن هذا ليس كل شيء فاللاجئين السودانيين الهاربين من جحيم وتعذيب وقتل وتشريد النظام السوداني في دارفور والجنوب والشرق، يلاقون من النظام المصري أسوأ معاملة يمكن أن يلاقيها لاجئ في أي مكان آخر في الدنيا، ليس فقط لأنه يرهن موقفه منهم على علاقته بالنظام السوداني، ولكن لأنه يتعامل معهم وفقاً لأجندة أمنية (هناك 18 اتفاقية أمنية بين الحكومتين المصرية والسودانية). وإلا فكيف نفسر سوء معاملة اللاجئين الذين نزحوا من الأقاليم المهمشة والثائرة التي حمل أهلها السلاح في وجه الحكومة الظالمة في السودان؟ حدث هذا بإيعاز واتفاق مع الحكومة السودانية التي تسعي إلى إجبار هؤلاء علي العودة لديارهم الغير آمنة بهدف اقناع الرأي العام العالمي بتحسن الاوضاع هناك، وأيضاً لتصفية أو حبس وتعذيب الذين تعتقد أنهم أساءوا إلى “سمعتها” أو لفتوا انظار العالم إلي فداحة ظلمها.

أما اللاجئين من أمثال جعفر النميري أو “التجمع الوطني الديمقراطي”، فيوفر لهم النظام المصري الفنادق ذات النجوم الخمسة والشقق الفاخرة والسيارات الفارهة، رغم أنهم أيضاً لاجئين. ولكن يأتي حسن المعاملة لأنهم من الطبقة الحاكمة، والدم يحن كما يقولون. ويبدو أن النظام المصري أراد بهذا التنسيق الأمني، رد الجميل لجيرانه في جنوب الوادي لانهم سلموه بعض الإسلاميين المصريين، وأيضاً لأن الحكومة السودانية كفت عن المطالبة بحلايب.

مشكلات اللاجئين مع النظام المصري لم تبدأ بالأمس. ففي 28/1/2003 قامت الشرطة المصرية باعتقال ما لا يقل عن 300 لاجئ سوداني، وتم تجميعهم في قسمي شرطة المعادي والبساتين. تكررت بعد ذلك تلك الحملات حتى عرفت بين السودانيين بـ”الجشات” لتستخدم كورقة ضغط. مجرد مجموعة من البشر لا قيمة لهم، يتم إلقاؤهم على الحدود لتعكير صفو النظام السوداني في أوقات العداء. أما في لحظات الصفو، فلم يتردد النظام المصري من الدفاع المستميت عن نظيره السوداني، وتقليل أهوال دارفور، خاصة وأن وجود جنود أمريكان، في ظل تهميش الدور المصري في السودان، كان يقض مضاجع النظام.

وفي صباح 25/8/2004، تجمع حوالي 3000 لاجئ سوداني أمام مكتب المفوضية في القاهرة احتجاجاً على قرارها بتجميد إجراء المقابلات مع طالبي اللجوء. تصادم الأمن المصري مع هؤلاء، واعتقل منهم 22 شخصاً لمدة 25 يوم، تعرضوا خلالها إلى ضرب وإهانات عنصرية على يد رجال الشرطة في قسم الدقي. الأدهى أن الشرطة المصرية سمحت لأحد عناصر الأمن السودانية بالدخول إليهم في الزنزانة وتهديدهم مشيراً إلى أنه “لا الأمن المصري ولا المفوضية قادرة على حمايتهم منه”. بل وصل الأمر إلى حد حصول الضابط السوداني على قائمة بأسماء وعناوين المقبوض عليهم، مما أجبرهم على تغيير مكان سكنهم خوفا من تعرض رجال السفارة لهم. المفزع أن هذا الحدث ليس حدثاً استثنائياً. فوفقاً لأشرف ميلاد المحامي المتخصص في شئون اللاجئين، فإن ضباط المخابرات السودانيين “بيبرطعوا” على كيفهم مطاردين المعارضين السودانيين في كل مكان على أرض “المحروسة”. أحد المعتصمين في حديقة مصطفى محمود أكد أنه رأى الضابط الذي قام بتعذيبه في السودان يحوم حول مكان الاعتصام. كما قامت مجموعة أخرى من المعتصمين بالتعرف على أحد عناصر الأمن السوداني بينما كان يحاول تأليب المعتصمين على بعضهم البعض، فخلعوا اللوحات المعدنية لسيارته، ليتأكدوا ـ وبالفعل تأكدوا ـ أنه يعمل في السفارة السودانية.

أخيراً، و مع دقات أجراس عيد الميلاد، انتهز الأمن المصري فرصة الأعياد والإجازات وهجم على معتصمين مسالمين لم يمارسوا أي نوع من أنواع العنف على مدى ثلاثة أشهر، فأباد منهم ما يقرب من 200 شخص في مجزرة بشعة. ورحل منهم من رحل. وأصبح اللاجئون مرة أخرى في الشارع.. مصيرهم مجهول.. مطالبهم هي نقلهم إلى بلد يستطيعون الحياة فيه كبشر بعيداً عن جنة القاهرة والخرطوم.. وبعيداً عن لعبة السياسة القذرة، فهل هناك مثل هذا المكان في عالمنا؟