بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

حوار مع اوليفيي بزنسونو الناطق باسم حزب مناهضة الرأسمالية الجديد (فرنسا) لـ"أوراق اشتراكية"

العالم في حاجة إلى “مايو 1968” جديد

مقدمة

شهدت فرنسا في بداية هذا العام، ميلاد حزب يساري جديد (حزب مناهضة الرأسمالية الجديد)، ويعتبر ظهور هذا الحزب حدثًا بالغ الأهمية لليسار الثوري في مختلف أنحاء العالم.

يأتي ميلاد الحزب الجديد على خلفية تصاعد الحركة العمالية والصراع الطبقي في فرنسا منذ بدايات هذا القرن. حيث شهدت فرنسا، في 2003، إضرابًا ضخمًا لعمال وموظفي الحكومة ضد مشروع تعديل نظام المعاشات، وقد استمر ذلك الإضراب ثلاثة أشهر، وأوشك أن يتحول إلى إضراب عام، لولا تدخل الاتحاد العام للنقابات لإجهاضه.

وفي 2005، رفض 55٪ من الناخبين الفرنسيين اتفاقية الدستور الأوروبي، والتي كانت تستهدف الهجوم على حقوق ومكتسبات العمال، وقد جاء هذا الرفضن في أغلبه، كنتيجة لحملة ناجحة لليسار الفرنسي ضد تلك الاتفاقية.

وفي 2006 نجح إضرابًا جماهيريًا واسع النطاق، في إسقاط مشروع قانون يفرض عقود عمل منخفضة الأجر، على العمال الجدد. كانت التعبئة لذلك الإضراب أساسًا في أوساط الشباب والطلاب، ولكنه سرعان ما توسع ليشمل قطاعات واسعة من الطبقة العاملة الفرنسية.

بادر بإنشاء هذا الحزب الجديد منظمة “العصبة الشيوعية الثورية”، وهي منظمة ماركسية كانت قد شهدت نموًا غير مسبوق في النفوذ، خلال الانتخابات الرئاسية والمحلية، رغم صغر حجمها النسبي، وقد زادت عضوية العصبة، من 1500 عضو عام 2002، إلى 3000 عضو عام 2007. ففي انتخابات الرئاسة الفرنسية حصل مرشحها الكاريزماتي أوليفيير بيسانسينو (عامل بريد) على 1.2 مليون صوت، أي حوالي 4٪ من الأصوات، وفي إنتخابات 2007، حصل نفس المرشح على 1.5 مليون صوت.

أصبحت المعضلة التي تواجه ذلك التنظيم، هي كيف يترجمون ذلك النجاح، إلى شكل تنظيمي قادر على تعبئة واسعة النطاق، لتلك القاعدة الانتخابية المتنامية. كيف يتعاملون مع ذلك التناقض بين نجاحهم الانتخابي، وحالة الرفض العمالي والجماهيري للرأسمالية، وبين الحدود الضيقة نسبيًا لتنظيمهم؟

كانت هناك إشكالية أخرى، تواجه الثوريين في أوروبا بشكل خاص، وهي إشكالية تحول الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية نحو اليمين، وتبنيها الكامل لسياسات الليبرالية الجديدة. فمنذ التسعينات تحول الحزب الاشتراكي الفرنسي من حزب إصلاحي، له جذور ونفوذ في النقابات العمالية، إلى حزب ليبرالي جديد، يدافع باستماتة عن سياسات السوق والرأسمالية، بل يلعب دورًا رئيسيًا في الهجوم على مصالح وحقوق العمال. هذا التحول أدي إلى بروز فراغ كبير في يسار الساحة السياسية، واحتياج ملح ليسار جديد جذري، قادر على استيعاب العمال الرافضين لذلك التحول.

العمال الذين يرفضون السياسات الليبرالية الجديدة، لا يتحولون فجأة إلى ثوريين، يريدون الإطاحة بالرأسمالية. تلك إشكالية واجهت اليسار، في مختلف أنحاء أوروبا، وأدت إلى العديد من المبادرات، لتوحيد جهود الثوريين والإصلاحيين اليساريين، الرافضين لليبرالية الجديدة.

أصبح السؤال، الذي يؤرق الثوريين الفرنسيين في العصبة الشيوعية، هو كيف يخلقون كيانًا قادرًا على ملئ الفراغ في اليسار، والتفاعل الإيجابي مع الصعود العمالي. كان ردهم على هذا السؤال هو أن يكون حزبهم الجديد متبنيًا لبرنامج، ليس فحسب مناهضًا لسياسات الليبرالية الجديدة، بل مناهضًا للرأسمالية بشكل واضح، ورافضًا لأي تعاون انتخابي، أو مشاركة في السلطة مع الحزب الاشتراكي الفرنسي.. فبرنامج الحزب الجديد يطالب بتأميم الشركات الكبرى بدون تعويض، ويطرح ضرورة الإطاحة بالرأسمالية ودولتها. ولكنه يفعل ذلك دون الإعتماد على الأطروحات الماركسية الكلاسيكية ودون الربط المباشر بالتجربة والتراث الاشتراكي الثوري.

هل سيتمكن الحزب الجديد من جذب قطاعات واسعة، من العمال الرافضين لسياسات اليمين؟ وإذا نجح في ذلك، هل سيستطيع مقاومة الإصلاحية، وخلق شرخ حقيقي في الأحزاب الإصلاحية التقليدية (الاشتراكي والشيوعي)، ويخلق بيتًا جديدًا للعمال، يقودهم في مواجهة تحديات الأزمة الرأسمالية العالمية؟ هذه الأسئلة لن تجد ردًا سوى في التجربة الحية، والبدايات تبدو مبشرة فقد إنضم أكثر من 10 آلاف شخص للحزب الجديد، أي أكثر من ثلاثة أضعاف عضوية العصبة، وقد بدأ بالفعل الحزب في لعب دور مركزي، في المقاومة العمالية للأزمة الاقتصادية.

الحوار

تم الإعلان عن حل العصبة الشيوعية الثورية، وميلاد “حزب مناهضة الرأسمالية الجديد”. هل يمكنك أن تصف لنا باختصار، الطريق من تأسيس العصبة في الستينيات، إلى تأسيس هذا الحزب في مطلع السنة الجارية؟

بداية، أود أن أقول إن العصبة، منذ تأسيسها، لم تزعم يومًا مقدرتها على توحيد كل الثوريين الفرنسيين تحت راية التروتسكية.

تم تأسيس العصبة بعد أن حلت الحكومة الشبيبة الشيوعية الثورية، إثر الإضراب العام في 1968، وتم حلها بدورها في يونيو 1973. في البداية، كانت الشبيبة الشيوعية الثورية، سليلة “العصبة الشيوعية” ثم “العصبة الشيوعية الثورية”، مكونة من حوالي مائة طالب، طردوا سنة 1965 من مجموعة “الطلبة الشيوعيين”، المرتبطة بالحزب الشيوعي (المُحرر)، لكنها بمرور الزمن، أصبحت إحدى أهم منظمات اليسار الراديكالي الفرنسي، وأضافت إلى انغراسها الطلابي الأول انغراسًا في أوساط الطبقة العاملة، خاصةً، أُجراء قطاع الوظيفة العمومية.

شاركت العصبة بصورة منتظمة في كل النضالات الوطنية، والأممية كما أنها كثيرًا ما قدمت مرشحين للانتخابات، بالتحالف مع تيارات أخرى، ونادرًا، بمفردها. الهم الوحدوي كان دوما ملازما لها، ولنتذكر أن “ألان كريفين”، مرشحها للانتخابات الرئاسية في 1988، انسحب لصالح مرشح منشق عن الحزب الشيوعي الفرنسي،”ألان جوكان”.

لسوء الحظ، فإن محاولات تشكيل حزب مناهض للرأسمالية، عن طريق مفاوضات في القمة، بين القيادات اليسارية، باءت بالفشل. لهذا السبب، وبعد النتائج التي حققها مرشح العصبة في انتخابات 2002 الرئاسية، (مليون ونصف مليون صوت تقريبا)، أعدنا النظر في مسعانا السياسي. وانطلاقًا من واقع ازدياد عنف هجمات أرباب العمل، وبروز مقاومة اجتماعية راديكالية جديدة، في الأوساط الشبابية، وفي عالم الشغل، وكذلك استمرار تآكل مصداقية اليسار الإصلاحي، دعونا إلى تأسيس “حزب مناهضة الرأسمالية الجديد”، حزب يبنى هذه المرة انطلاقا من أسفل ويجمع كل المناضلين، الذين حُرموا من تتويج سياسي وتنظيمي لنضالهم الطويل. تكونت المئات من لجان المبادرة، في كل أنحاء البلاد وفي يناير الماضي، عقد المؤتمر التأسيسي للحزب الجديد، وقد جمع ممثلي 9000 عضو، أي ثلاثة أضعاف أعضاء العصبة.

عارض تياران داخل “العصبة الشيوعية الثورية” إعلان مشروع “حزب مناهضة الرأسمالية الجديد”، ودعوا إلى تأسيس حزب يوحد كل مناوئي الليبرالية ويشكل فيه التروتسكيون تيارا منظمًا… لماذا خيار إنشاء تنظيم “مناهض للرأسمالية” ؟ لمَ لا تنظيمٌ “مناهض لليبرالية” مثلاً؟

صحيح أن هدفنا، لم يكن تأسيس حزب تروتسكي، بكل ما تحمله هذه الكلمة من تاريخ وتقاليد، لكنه لم يكن كذلك تأسيس حزب مفتوح على مصراعيه، لكل من هب ودب. لضمان فعالية الحزب كان علينا أن نرسم له حدودًا دنيا واضحة: قلب النظام الرأسمالي، لا إصلاحه ولا بالطبع “أنسنته”.

لقد أصبحت “مناهضة الليبرالية” اليوم مصطلحا غائما فضفاضا، يجمع مناوئي الرأسمالية الحقيقيين ببعض أحبابها ممن يحبذون تدخلا أكبر للدولة، في المجال الاقتصادي. الكثير من حلفائنا في حملة التصويت بـ “لا” على الدستور الأوروبي، من الحزب الاشتراكي ومن الخضر، نجدهم اليوم مع دعاة التصويت بـ نعم” على هذا الدستور، في نفس قوائم الانتخابات الأوروبية، سواء قوائم الحزب الاشتراكي، أو الخضر، كما هو الحال بالنسبة لـ”كوهين بنديكت” ، أحد نشطاء حركة مايو 1968، وأحد أبرز زعماء الخضر الأوروبيين، و”جوزي بوفيه”، رئيس كونفدرالية الفلاحين، وأحد قادة حركة مناهضة العولمة اليبرالية. ما سبب هذه المفارقة؟

سببها أنهم حقا مناهضون لليبرالية لكنهم ليسوا مناهضين للرأسمالية.

يدعو حزبك إلى “القضاء على النظام الرأسمالي”، و”إنهاء الاستغلال بالقضاء على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، والتبادل والاتصال الأساسية”. يشبه هذا البرنامج إلى حد كبير برنامجًا ثوريًا. ما الفرق بينه وبين برنامج العصبة؟

لا يمكن أن ننتسب إلى “الثقافة التروتسكية”، هكذا، إجمالا، دون تمحيص، لكننا نلزم أنفسنا بالحفاظ على كل ما هو إيجابي في تاريخ مختلف تيارات الحركة العمالية، التروتسكية منها والشيوعية وغيرها، وفي ما أتت به الحركات الاجتماعية الجديدة، سواء منها الإيكولوجية أو النسوية، أو تلك الداعية إلى عولمة بديلة. المسائل المتعلقة بالاستيلاء على السلطة والوسائل اللازمة لذلك أي، باختصار، كل المسائل الاستراتيجية، كلها مسائل مطروحة للنقاش، وفي هذا الإطار، سيتاح لقدامى العصبة أن يفيدونا بخبراتهم وثقافتهم.

ما كان موقف منظمات اليسار الفرنسية من إعلان ميلاد حزب مناهضة الرأسمالية الجديد وما هي إمكانيات العمل المشترك معها؟

اتصلنا بالجميع وتناقشنا مع الجميع. مع “الحزب الشيوعي”، ومختلف تياراته، وكذلك مع جناح “جان لوك ميلنشون”، المنشق عن الحزب الاشتراكي. خلافنا الرئيسي مع كل هؤلاء كان على وهمهم الإصلاحي، عن إمكانية الوصول إلى السلطة عن طريق المؤسسات، أو ما يمكن تسميته “وهم الثورة بواسطة الانتخابات”. صحيح أننا نساند توحيد جميع مكونات اليسار السياسي والنقابي، في ميدان النضال، إلا أننا لسنا على استعداد لأن ندخل الانتخابات أو نشارك في السلطة مع اليسار الإصلاحي.

فيما يخص تنظيم الكفاح العمالي (Lutte ouvrière) فإن موقفه مليء بالتناقضات. “النضال العمالي” شاركت في الانتخابات البلدية الأخيرة على نفس قوائم اليسار الإصلاحي لكن قادتها يلوموننا على أننا لا نبني مثلهم “حزبا تروتسكيا، ماركسيا، ثوريا”.

هل تعتقد أنه من الممكن خوض تجربة حزب مناهض للرأسمالية في بلدان أخرى يوجد فيها كفرنسا تيار اشتراكي-ديمقراطي وحزب شيوعي متأزمان ويسار راديكالي متفرق الشمل؟

لا يمكن لتجربة، أيّـًا كانت، أن تنسخ نسخا دونما أقلمة وتحوير، ذلك أن وضع الحركة العمالية، وموازين القوى بينها وبين الرأسمالية، تختلف من بلد إلى آخر. بطبيعة الحال، هذا لا يعني انعدام قواسم مشتركة، بين كل أقطار العالم: العواقب الوخيمة لأزمة الرأسمالية، وإصرار الكادحين على الصمود، وعجز الإصلاحيين عن أن يكونوا بديلاً للنظام الرأسمالي.

هذه القواسم كلها تفرض توحيد القوى المناهضة للرأسمالية، في حزب واحد، دون إمعان النظر في الماضي. نحن لا نوافق على تجاهل نقاشات الماضي، لكن ما دام هناك اتفاق على ما يجب فعله اليوم وغدًا، لا يعقل أن نبني أنفسنا على أساس ما خلفته من انقسامات.

يبدو قرار حل العصبة مجازفة حافلة بالمخاطر، فهو قد ضحّى بإطار سياسي وتنظيمي موجود منذ 30 سنة لصالح إطار لم يتشكل نهائيا بعد!

العصبويون وحدهم، من يرون التنظيم هدفًا في حد ذاته. المنظمات أولاً، وقبل كل شيء أدوات للعمل النضالي. سيكون “حزب مناهضة الرأسمالية الجديد”، أداة أكثر فعالية من العصبة الشيوعية الثورية، سواء من حيث اتساع رقعة تأثيره، وانغراسه الشعبي، أو تنوع تياراته، بفضل المناضلين الذين قدموا إليه من الحزبين الشيوعي والاشتراكي، ومن الحركة الإيكولوجية، أو أولئك الذين لم يسبق لهم الانخراط في تنظيم سياسي، لكنهم أتوا إليه بعزمهم على النضال، وتجاربهم في الحركة الاجتماعية.

لم يكن يغمرنا إذًا، ونحن نعلن حل العصبة، أي حنين إلى الماضي. ما كان يغمرنا هو بهجتنا ببناء أداة نضال جديدة، لا تمنعنا معالمها البرنامجية الصلبة، من أن نخترع معًا، في الميدان، قواعد تنظيمية جديدة ولغة يفهمها الملايين.

ليس لـ”حزب مناهضة الرأسمالية الجديد” مرجعيات تروتسكية، ولا لينينية، ولا ماوية، ولا جيفارية. هل يشكل التروتسكيون، أي قدامى أعضاء العصبة الشيوعية الثورية، تيارًا منظمًا داخله؟

مسألة النقلة السياسية والتنظيمية مطروحة، حتى على الأممية الرابعة. مهمة الأممية هي المساعدة على تكوين منظمات ثورية مناهضة للرأسمالية، أوسع تأثيرًا من فروعها، وأكثر منها انغراسًا، كما هو الحال، خارج فرنسا، بالنسبة لـ”كتلة اليسار” البرتغالية أو “التحالف الأحمر الأخضر” الدانمركي.

ظروف وإيقاع العمل النضالي مختلفة من بلد لآخر. لهذا السبب، وبالرغم من بداية وجود تنسيق بين التنظيمات المناهضة للرأسمالية في أوروبا وأمريكا اللاتينية، من السابق لأوانه الحديث عن أممية جديدة تضم هذه الأحزاب الجديدة.

ليس حزب مناهضة الرأسمالية الجديد فرعا من فروع الأممية الرابعة إلا أنه بإمكانه، إذا رغب في ذلك، أن يشارك في جميع مبادراتها، بصفة عضو ملاحظ، وسيبقى أعضاؤه من قدامى العصبة، منتسبين إليها بشكل فردي. سيواصلون دفع اشتراكاتهم إليها، ولن يغادر من كان منهم عضوًا في قيادتها موقعه. سيمكنهم كذلك أن يساهموا في التحضير لمؤتمرها العالمي، من خلال المشاركة في ندوات إقليمية مفتوحة لأعضاء الحزب، ممن لا ينتسبون إلى الأممية.

ما وجوه الشبه بين تجربة “حزب مناهضة الرأسمالية الجديد”، من جهة، و”كتلة اليسار” البرتغالي و”حزب الاشتراكية والحرية” البرازيلي، من جهة أخرى؟

هناك أوجه شبه بين هذه المنظمات الثلاثة، من حيث برامجها، وتعدد جذور مؤسسيها الإيديولوجية، وأيضا بعض الفروق. في فرنسا، وباستثناء العصبة، لم ينخرط أي تيار ذو انغراس وطني، في مسار تأسيس حزب مناهضة الرأسمالية. الأمر مختلف في البرتغال، فنواة “كتلة اليسار” تشكلت من أحد تيارات الحزب الشيوعي، وكذلك من منظمة ماوية. أما الفرق بين حزبنا، و”حزب الاشتراكية والحرية” البرازيلي، ففي كون هذا الأخير ناتج انشقاق عن حزب كبير، “حزب العمال”.

القاسم المشترك بين التنظيمات الثلاثة، هو أنها كلها أحزاب مناهضة للرأسمالية، تكونت، لا على أساس معايير تاريخية أو إيديولوجية، كالتروتسكية أو غيرها من الانتماءات، بل على أساس “فهم للأحداث وتصور للمهام”، حقق إجماع كل من ساهموا في إنشائها. كل هذه الأحزاب تهدف كذلك إلى أن تصبح نقاط التقاء، بين تيارات وتجارب مختلفة، كما أنها تأسست جميعها على قاعدة رفض مساندة الحكومات “الاجتماعية الليبرالية”، أو المشاركة فيها. حزبنا مثلا يرفض التستر على سياسة “الحزب الشيوعي الفرنسي” الذي يحاول التوفيق بين الخطاب الراديكالي، والتحالف مع” الحزب الاشتراكي”، في كبرى المدن والأقاليم. “حزب الاشتراكية والحرية” تشكل هو أيضا على قاعدة إدانة سياسة حكومة “لولا”، ورفض دعم حزب العمال لها. كذلك الأمر بالنسبة لكتلة اليسار البرتغالية، فهي أكدت في مؤتمرها المنعقد مؤخرًا رفضها لكل تحالف حكومي مع الحزب الاشتراكي.

ما يميز كل هذه الأحزاب المناهضة للرأسمالية، هو استقلالها سياسيًا عن “الحزب الاشتراكي” وكذلك عدم تشكل استراتيجياتها بشكل تام نهائي. في هذا الإطار، فإن لكل منها خصوصياته. حزبنا، مثلاً، ليس تنظيمًا مناهضًا للرأسمالية فحسب، فهو يدعو أيضا إلى التغيير الثوري للمجتمع، ويعتز بالانتساب إلى مجمل الإرث الثوري الفرنسي : “كومونة باريس” و “إضراب 1936 العام”، و”حركة مايو 1968”.

قال فرنسوا سابادو، أحد قادة حزب مناهضة الرأسمالية، في أحد تصريحاته إن “حزب العمال البرازيلي تحول من حزب طبقي إلى تنظيم اجتماعية ليبرالية”. ما تقييمك لتجربته وتجربة تيار “الديمقراطية الاشتراكية” التروتسكي في صفوفه؟

جوابي في ثنايا سؤالك. عند ميلاده، كان “حزب العمال” حزبًا للصراع الطبقي، يعتمد على النقابات، إلا أنه، من خلال تسييره كبرى المدن البرازيلية، اندمج تدريجيًا في جهاز الدولة البورجوازية البرازيلية ومؤسساتها. “حزب العمال”، في الأصل، كان يعرف نفسه كتنظيم مستقل عن أرباب العمل وعن الجنرالات، إلا أن بيروقراطية “المركزية العمالية المتحدة” ومنتخبي كبرى المدن كانوا في ميزان سياسته، أكثر وزنا من نقابييه وناشطيه الراديكاليين. يمكن تلخيص ما حدث له كما يلي : “توهم أنه استولى على السلطة، في حين أن السلطة هي التي استولت عليه”. لسوء الحظ، لم يسلم أعضاء تيار “الديمقراطية الاشتراكية” من هذا الوهم.

في معرض حديثك إلى إحدى الصحف الفرنسية، عن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية دعوت إلى “مايو 1968 جديد”. ما يمكن أن يكون “مايو 1968 جديد” في السياق العالمي الراهن؟

هو تعبئة عالم الشغل والشبيبة في حركات من نوع “حركات الإضراب العام المطول”، يرافقها مسار تنظيم ذاتي، يتمخض عن تنسيق وطني للجان إضراب، يشكلها مندوبون منتخبون، يمكن تنحيتهم من مهامهم في أي وقت . ينتج عن وضع كهذا بالضرورة سلطتان : السلطة “القانونية” للبورجوازية، بمجالسها التشريعية وحكومتها ومنتخبيها وجيشها وبوليسها، والسلطة “الشرعية”، وإن كانت غير “قانونية”، لمجلس مندوبي لجان الإضراب. وستتصارع هاتان السلطتان حتى تنتصر إحداها على الأخرى. ليس ما أقوله “يوتوبيا” حالمة، لكنه محاولة لتدارك نقائص حركة مايو 1968.