بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الانتفاضة الفلسطينية الأولى.. تراث النضال ضد القهر الصهيوني

أنا شاهد المذبحة
وشهيد الخريطة
أنا ولد الكلمات البسيطة
رأيت الحصى أجنحة
رأيت الندى أسلحة
عندما أغلقوا باب قلبي عليا
وأقاموا الحواجز فيا
ومن التجول
صار قلبي حارة
وضلوعي حجارة
وأطل القرنفل
وأطل القرنفل
محمود درويش

عندما وجه سائق شاحنة عسكرية إسرائيلية شاحنته في 8 ديسمبر 1987 عمدًا نحو صف من السيارات يحمل عمالاً فلسطينيين في طريق عودتهم إلى غزة بعد يوم في إسرائيل، حيث قتل سحقًا أربعة عمال وأصاب سبعة آخرين، هل دار يخلده أن جريمته الشنعاء ستشعل ثورة فلسطينية تمتد لسنوات؟ كانت هذه الجريمة هي الشرارة التي أشعلت فتيل الانتفاضة، أما أسبابها الأعمق فكانت تكمن في التراكمات الطويلة لثنائية القهر والمقاومة التي طبعت الضفة الغربية وقطاع غزة منذ احتلتها إسرائيل في 1967.

الخلفية
تعبيرًا عن الطابع الاستعماري الاستيطاني للمشروع الصهيوني، كان الاستيطان هو العنصر الأساسي في إستراتيجية إسرائيل لفرض سيطرتها على الضفة والقطاع. فتحت سطوة آلة البطش العسكرية الصهيونية، تمت مصادرة واسعة للأراضي الفلسطينية، سواء تكل المملوكة لأفراد أو الأراضي العامة. وبحلول عام 1987، كان نحو 55% من أراضي الضفة الغربية و30% من أراضي غزة في أيدي المستوطنين اليهود، الذين كان الكثيرون منهم قد هاجروا لتوهم من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وأماكن أخرى. وهكذا، كما لاحظ أحد المراقبين، فإن السوفييت والأمريكيين الذين فرقت بينهما الحرب الباردة قد وجدا أخيرًا سبيلاً للتعايش السلمي على تلال الضفة الغربية وشواطئ غزة!

من الناحية الاقتصادية، اعتمدت إسرائيل نهب استعماري تقليدي للأراضي التي احتلتها سنة 1967، وهي سياسة شملت ثلاثة جوانب: نهب الموارد الطبيعية والبنية التحتية؛ استنزاف العمالة؛ السيطرة على الأسواق. تم نهب مياه الضفة على نطاق أوسع، الأمر الذي كان له أثر مدمر على الزراعة الفلسطينية، كما قامت إسرائيل بإعادة هيكلة شبكة المواصلات والاتصالات في الضفة والقطاع على نحو يجعل مستوطنات الخليل ونابلس مثلاً أكثر ارتباطًا بتل أبيب ويافا وحيفا منها بالقرى العربية المحيطة بها مباشرة. واستغلالاً لظروف البطالة التي تفاقمت في أراضي 1967 نتيجة لانتزاع الأراضي ونهب المياه وتخريب إسرائيل المتعمد للزراعة والصناعة الفلسطينية، أضطر الكثير من عمال الضفة والقطاع للعمل في إسرائيل التي استوعبتهم في أدنى قطاعات العمل بها (البناء والزراعة والخدمات الدنيا، ثم في مرحلة لاحقة في الوظائف الصناعية غير الماهرة). عمل هؤلاء العمال مقابل أجور متدنية ولم يحظوا بحماية النقابات الإسرائيلية، بينما لم تعترف إسرائيل بالنقابات التي قامت في الأرض المحتلة. ومع انطلاق الانتفاضة كان نحو 100 ألف عامل فلسطيني، أي نحو ثلث القوى العاملة، يعملون في إسرائيل. وأخيرًا فتحت إسرائيل أسواق الضفة والقطاع أما منتجاتها حتى أن نحو 90% من كافة السلع التي تم استيرادها في الأراضي المحتلة – وبلغت حوالي 780 مليون دولار في عام 1986 – جاءت من إسرائيل، ومثلت أكثر من 11% من إجمالي صادراتها.

القهر والمقاومة
تمكنت إسرائيل من السيطرة عسكريًا واقتصاديًا على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967، إلا أنها عجزت عن الهيمنة عليها سياسيًا. كانت حرب 1967 قد أظهرت عجز الأنظمة العربية (خاصة “الراديكالية” منها) وفوضت مصداقيتها، غير أنها في الوقت ذاته أعطت زخما هائلاً للمقاومة الفلسطينية بمختلف فصائلها وبمناطق قوتها ومناطق ضعفها. إذا وجدت فيها الجماهير الغاضبة بديلاً نضاليًا وثوريًا عن النظم القمعية والمفلسة. وعلى العكس من حرب 1948، فإن جموع سكان الضفة الغربية وقطاع غزة البالغ عددهم نحو مليون وثلث نسمة في 1967 لم يرحلوا عن أراضيهم خالقين بذلك أرضية خصبة لازدهار العمل الفدائي الفلسطيني.

واجهت إسرائيل تصاعد العمل الفدائي بالحديد والنار. مطاردة الفلسطينيين وقتلهم؛ اعتقال الآلاف وتعذبيهم؛ هدم المنازل وترحيل المئات.. الخ. وبحلول منتصف السبعينات تصورت أنها سحقت روح المقاومة تمامًا وأن الوقت قد حان “لجني الثمار” ولكسب ولاء الفلسطينيين سياسيًا. في 1976. سمحت إسرائيل بإجراء انتخابات بلدية آملة أن يفوز بها “معتدلون” مستعدون للتعامل معها لتشكيل بديل “مقبول” لمنظمة التحرير الفلسطينية. إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، حيث أكتسح الوطنيون الرافضون للتعاون مع سلطات الاحتلال هذه الانتخابات. أنشأت إسرائيل بعد ذلك ما عرف بـ”روابط القرى”، وكان الغرض منها هو إيجاد شريحة من المتعاونين مع الكيان الصهيوني في الريف الفلسطيني، بحيث تسيطر إسرائيل بواسطتهم على السكان بطريقة غير مباشرة على طريقة الاستعمار الإنجليزي القديم. بدأت “روابط القرى” كتعاونيات زراعية، إلا أنها سرعان ما تطورت حيث صار لها ميزانيتها الخاصة وميليشياتها المسلحة ومراكز التحقيق والاستجواب، بل والسجون أيضًا! كان المأمول أن تتطور روابط القرى إلى قيادة سياسة “متعاونة” تستطيع أن تتفاوض مع إسرائيل على حساب منظمة التحرير، إلا أن التجربة باءت بفشل ذريع. فالروابط لم تجذب سوى عناصر هامشية للغاية سرعان ما وجدت نفسها منبوذة تمامًا من جموع الفلسطينيين. كانت غالبية هذه العناصر من أعضاء الشرطة السرية الأردنية السابقين الذين نظرت إليهم الجماهير بازدراء. وسرعان ما تبين لإسرائيل أن الروابط صارت عبئا عليها، فبدلاً من أن تسهل لها حكم الفلسطينيين، صار على الجيش الإسرائيلي ذاته أن يحمي رجال الروابط. وانقلب السحر على الساحر.

ومع مطلع الثمانينات كانت مجموعة من المؤسسات المحلية، كنقابات العمال والنقابات المهنية والبلديات والجامعات، قد نشأت وصارت قاعدة تنظيمية جماهيرية عبرت عن الهيمنة السياسية الكاملة للمقاومة الفلسطينية بمختلف فصائلها على الشارع الفلسطيني. وفي مواجهة هذا الوضع، لجأت حكومة الليكود، التي جاءت للسلطة في عام 1977، لما أسمته سياسة “القبضة الحديدية”، والتي بدأت رسميًا في عام 1981 مع تعيين مناجم ميلسون، المستعرب وأستاذ الأدب العربي بالجامعة العبرية، حاكمًا للضفة الغربي.

تزامن حكم ميلسون للضفة مع اجتياح إسرائيل للبنان. وانطلاقًا من تحليل مؤداه أن إسرائيل قد تركت الحبل على الغارب لنمو الوطنية الفلسطينية، راح ميلسون يكثف القمع السياسي على نحو غير مسبوق. فمن التوسع في الاعتقال الإداري والتعذيب البشع إلى القتل خارج القانون، ومن تكثيف عمليات هدم المنازل وترحيل السكان إلى زيادة مصادرة الأراضي، ومن الاعتماد على الميليشيات المسلحة لروابط القرى إلى “العمل المباشر” للجيش الإسرائيلي. باختصار صارت هناك حرب شاملة تشنها إسرائيل يوميًا على الفلسطينيين.

على أن ذلك كله لم يقض على المقاومة وإنما أشعلها. بل أن الأعمال الاحتجاجية الفلسطينية زادت من 500 عملية سنويًا في المتوسط بين 1977 و1982 إلى 3700 عملية سنويًا بين 1982 و1987. ووجهت هذه المقاومة بقمع لا يرحم. غير أن هذا القمع صار محفزا لمزيد من المقاومة. وفي هذا السياق انطلقت الانتفاضة.

الانتفاضة تقهر القبضة الحديدية
لم تكن أعمال العصيان المدني التي تميزت بها الانتفاضة جديدة، بل جاءت كتطوير وتتويج لما شهادته السنوات الست السابقة من مواجهات مع الاحتلال. على أن الانتفاضة تميزت عما سبقها بسمتين بارزتين: اتساع النطاق والتنظيم من أسفل. من حيث نطاق الانتفاضة أو جزءًا من عالمهم في السابق راحوا يشاركون في العمل النضالي على نحو أذهل قادة الاحتلال، بل وفاق توقعات أكثر أنصار الثورة الفلسطينية تفاؤلاً. فهاهم الأطفال يواجهون بالحجارة في أيديهم والأرواح البريئة في صدورهم جيش الاحتلال، وهاهم العمال الذين اعتادوا على العمل في إسرائيل و”المشي في حالهم” طلبًا للرزق من أجل إطعام ذويهم يدخلون إضرابًا يتوالي من شهر لآخر، وهاهن النساء يبدعن في إذكاء روح المقاومة وبناء الظروف والمؤسسات الكفيلة بتعزيز القدرة اليومية على البقاء، خلال شهور الانتفاضة وسنواتها، وذلك من خلال ما أقمنه من مدارس بديلة ودور حضانة وغيرها.

إن اتساع نطاق الانتفاضة قد أربك قيادات المشروع الصهيوني على نحو غير مسبوق. فرابين، مثلاً، الذي تولي وزارة الدفاع عام 1985 من أجل إخماد أعمال المقاومة التي كانت في تصاعد رغم تكثيف القمع الإسرائيلي، قد استشعر في قيام الانتفاضة واتساعها على ذلك النطاق الهائل هزيمة شخصية له. فهذا القائد العسكري – المشهود له بالكفاءة في قمع الفلسطينيين و”بطل” حرب 1967 الذي انتشرت حلو بطولاته وصولاته وجولاته الأساطير – يجد نفسه عاجزًا أمام صبية يقذفون جنوده بالحجارة! جاء إلى وزارة الدفاع لسحق المقاومة، فإذ به خلال بضع سنوات يواجه ثورة شاملة! فقد رابين صوابه وراح يتوعد بتكسير عظام الأطفال ويتهم منظمة التحرير في الوقت ذاته بالوقوف خلف الانتفاضة في أيامها الأولى. وسرعان ما تبين لرابين أن هذا “الاتهام” يضفي على منظمة التحرير، عدوه اللدود، عفويًا من أسفل كشلال هادر يموج بالغضب الإنساني وروح المقاومة المتأصلة في البشر.

إن هذا الانخراط الواسع للجموع الهائلة في العمل النضالي وانتقال الجماهير من مقاعد المتفرجين إلى قلب مسرح التاريخ هو سمة تتكرر مرارًا وتكرارًا في كل ثورة عظيمة. لكن الانتفاضة التي بدأت عفوية لم تظل كذلك. بل كانت سمتها الثانية التي تعمقت خلال أسابيع من اندلاعها هي روعة التنظيم. نشأت اللجان المحلية من كل نوع وفي كل مكان لتنظيم العمل الزراعي وأخرى لتوزيع السلع الاستهلاكية على أساس تعاوني. لجان لتنظيم إغلاق المتاجر والمحلات وأخرى تنسق إضرابات العمال. لجان تشرف على المدارس البديلة وأخرى تدعم أهالي الشهداء والمعتقلين.. الخ. ومن هذه اللجان القاعدية العديدة التي نشأت من قلب المعارك الجماهيرية، ظهرت القيادة الموحدة للانتفاضة، التي تخرج كوادرها من مدرسة النضال الثوري المتمثلة تحديدًا في سجون إسرائيل. وقد مثلت هذه القيادة – بمشاكلها – تغيرًا في طبيعة المقاومة الفلسطينية التي كانت من ضمن آفاتها طوال تاريخها الطويل عزلتها عن جماهيرها والعمل بالوكالة عنهم.

لقد حققت الانتفاضة الفلسطينية انجازات عظيمة. إذ أعادت القضية الفلسطينية حقًا وفعلاً إلى قلب اهتمامات المنطقة والعالم بعد سنوات من التهميش. كما فضحت أمام أعين العالم “المتحضر” بربرية إسرائيل وأظهرت عجزها، رغم وحشيتها، عن سحق مقاومة شعب أعزل يتوق إلى التحرر. وقبل كل شيء عمقت الانتفاضة بين الفلسطينيين الثقة في العمل الثوري الجماعي. وإذ خشي الطغاة انتقال عدواها إلى “شعوبهم” راح الحكام العرب يتململون فوق عروشهم.

حدود الانتفاضة
لا يمكن التقليل من انجازات الانتفاضة. إلا أننا يجب في ذات الوقت أن نفهم حدودها. لم يكن باستطاعة الانتفاضة وحدها أن تهزم إسرائيل. إنها قد فضحت إسرائيل سياسيًا، إلا أنها لم تهدد وجودها. كبدت الاقتصاد. الصهيوني خسائر جسيمة، لكنها لم تعصف به9. هزت المجتمع الإسرائيلي (خاصة حينما امتدت خلال أسابيع من اندلاعها إلى داخل أراضي 1948 حيث شن فلسطينيو الداخل إضرابًا عامًا تضامنا معها) إلا أنها لم تهدد بنية هذا المجتمع. كان مقتل الانتفاضة هو عزلتها. وإذا كانت عزلتها عن العمال اليهود في إسرائيل قد نجمت عن الطابق العنصري لهذا المجتمع الذي حال دون امتداد الإضرابات العمالية إلى العمال اليهود، فإن عزلتها عن المحيط العربي عادت إلى شدة القمع الذي واجه به الحكام العرب حركات التضامن الجماهيري معها.

ورغم ذلك – ورغم محاولات بعض قادتها لوأدها في مهدها – تواصلت الانتفاضة من سنة لأخرى. لكن العزلة التي واجهتها – مضافًا إليها تغير ميزان القوى في المنطقة لصالح الإمبريالية الأمريكية وكلب حراستها الصهيوني في أعقاب حرب الخليج الثانية (حرب تدمير العراق) – سهلت على إسرائيل وعرفات احتواءها من خلال “عملية السلام”. هكذا خمدت الانتفاضة إلى حين، لكنها ظلت تستعر داخل النفوس بفعل ما واكب هذا “السلام” من ترسيخ للاحتلال وتوسع للمستوطنات وقمع مفرط على يد إسرائيل وحراسها الجدد متمثلين في السلطة الفلسطينية. وها هي اليوم تخرج من تحت الرماد مجددًا، لتضع المنطقة بأسرها أمام آفاق ثورية جديدة.