بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الانتخابات الرئاسية اللبنانية والمخاطر الداهمة

في المجلّد الضخم الذي وضعه العلاّمة الدستوري اللبناني إدمون رباط باللغة الفرنسية بعنوان “الدستور اللبناني: البدايات والنصوص والشروح” في أوائل ثمانينات القرن الماضي، أي قبل قيام دستور الطائف بسنوات قليلة، أعطى صورة عن موقع رئاسة الجمهورية في النظام اللبناني، مبيّنا كيف يتجسد في هذا الموقع “ليس فقط رمز الدولة، بل الإرادة العليا، الثابتة والفاعلة، التي تحكمها وتحرك نشاطاتها المتعددة.”

ويشرح رباط أن “هذه القدرة المطلقة، التي وُضعت أصولها في الدستور، تتجلى في الظاهرة المميّزة لما جرت العادة على تسميته العهد، والتي زادت، على حساب الحكومة، من حدة اللامساواة في ثنائية الصلاحيات المسندة إلى كلٍّ من فرعي السلطة التنفيذية.”

ويضيف أستاذنا الكبير الراحل – الذي تتلمذ على يده عدد واسع من رجال القانون اللبنانيين في النصف الثاني من القرن العشرين – لإظهار مدى أرجحية ذلك الموقع، أن “الوزراء وكبار الموظفين، وفي الغالب النواب الساعين وراء حظوته، لا يمتنعون عن استخدام مصطلح سيد العهد، في معرض الإشارة إلى الرئيس. ونادرا ما يهملون الإشادة بحسناته، وعزو كل المزايا إليه في التصريحات التي لا تحصى التي تتكفل الصحافة اليومية بترجيع صداها. وفي كلٍّ من النشرات الإخبارية للإذاعة اللبنانية، الخاضعة للدولة، يبدأ المذيع دائما بالعرض الدقيق لنشاطات الرئيس، كتقبل رسائل الاعتماد، وإرسال برقيات التهنئة، والكلمات التي بات معتادا أن يستهل بها الجلسات الأسبوعية لمجلس الوزراء المنعقد برئاسته طبعا، وجلسات العمل التي يدعو لانعقادها في القصر الرئاسي، والتي تتم خلالها مناقشة مشاريع القوانين، والخطط المطلوب وضعها، والموازنات، وقضايا الري، والطرقات، ومسائل الطاقة والكهرباء، وذلك تحت إشرافه وبحضور الموظفين والاختصاصيين، وأحيانا في غياب الوزير المعني، وفي معظم الأحيان بعيدا عن رئيس الحكومة وحتى بغير علم منه. وهذا باختصار هو التكافل الكامل الذي يتحقق هكذا على حساب التوزيع الرسمي للصلاحيات، من جانب الدستور، بين السلطات العامة والرئيس.”

لكن هذه الصورة تغيرت كثيرا بعد التعديلات التي جرى إدخالها على الدستور نتيجة اتفاق الطائف، وتراجعت صلاحيات “سيد العهد” بشكل ذريع. أكثر من ذلك، جاء الانشطار السياسي العميق الذي أعقب التمديد للرئيس لحود بضغط من دمشق، ثم اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وما تلاه من إنهاء لوصاية النظام السوري على البلد، ليحدث تأثيرا سلبيا كبيرا في دور رئاسة الجمهورية، ولا سيما نتيجة المقاطعة الفعلية للقصر الجمهوري من جانب جزء أساسي من الشريحة السياسية المشاركة في الحكم، وهو أمر يهدد بترك انعكاسات سلبية واضحة على موقع الرئيس الأعلى للدولة، حتى بعد انتخاب رئيس جديد لاحقا.

على الرغم من ذلك، وأيّا يكن، تبقى هناك أهمية قصوى للصلاحيات الباقية لموقع رئيس الجمهورية، وهي صلاحيات تزداد أهميتها بقدر ما يتمكن الشخص الذي سيحتل هذا الموقع من تفعيلها، سواء بسبب ميزاته الشخصية المحتملة، أو الظروف التي قد تنشأ خلال ولايته على شتى المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، أو التحالفات التي يمكن أن يستند إليها أو يستفيد منها.

كل ذلك يفسّر الصراع الحالي المحتدم بين شتى القوى السياسية المحلية من أجل التحكم في سيرورة انتخاب الرئيس القادم، وبالتالي فرض مجيء رئيس يمثل تطلعاتها ومصالحها، ويخدم البرنامج الذي يأخذ تلك التطلعات والمصالح بالحسبان. وهو صراع مفتوح على كل الاحتمالات، ولا سيما أنه يتلازم مع صراع القوى الإقليمية والدولية على منطقة من الواضح أن ثرواتها النفطية وموقعها الاستراتيجي الدولي قد يدفعان المستفيد الأكبر من السيطرة عليها، نعني الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تفجير حروب جديدة قد تتخذ لاحقا طابعا كارثيا، وذلك لأجل الإبقاء على تلك السيطرة، وحتى لترسيخها وتوسيعها، مستعينة لهذه الغاية بالدور الذي تضطلع به ضمن هذه الصورة دولة إسرائيل العدوانية المدججة بأحدث الأسلحة الأمريكية.

وبالطبع، وعلى الرغم من أن لبنان لا يعوم على آبار النفط، ومن أن إمكاناته الاقتصادية متواضعة جدا، فإنه يتمتع بميزات جيوسياسية خاصة، ولا سيما من خلال موقعه في الصراع العربي-الإسرائيلي، بحيث يمكن أن يلعب دورا بالغ الأهمية في إعاقة التطلعات الإمبراطورية الأمريكية، كما أظهرت ذلك حرب يوليو 2006 التي رأت فيها وزيرة خارجية الولايات المتحدة كوندوليزا رايس مدخلا إلى إقامة ما أسمته “الشرق الأوسط الجديد” قبل أن ينقلب السحر على الساحر وتنتهي تلك الحرب لغير صالح المنظور المشار إليه.

موقع الرئاسة اللبنانية في المشروع الأمريكي

ليس الاهتمام الأمريكي بهذا الموقع جديدا، بل هو يعود إلى الخمسينات من القرن الماضي، حين تراجع الدور البريطاني والفرنسي في لبنان، كما الحال في أماكن كثيرة أخرى عبر العالم، لصالح الدور الأمريكي. حيث جاءت انتخابات الرئاسة في أواخر صيف عام 8591، وبعد نزول قوات المارينز في السواحل اللبنانية إثر الحرب الأهلية المصغَّرة التي اندلعت آنذاك، تعبيرا عن توافق خارجي، قبل كل شيء، بين واشنطن من جهة والجمهورية العربية المتحدة بقيادة عبدالناصر من جهة أخرى. ومنذ ذلك الوقت بات التأثير الأمريكي ملموسا في كل الانتخابات الرئاسية اللبنانية، وصولا إلى تلك المفترض أن تتم في الأيام أو الأسابيع القادمة.

ومن الواضح أن الانتخابات الرئاسية هذه المرة تكتسب أهمية مميّزة جدا بالنسبة للإدارة الأمريكية. وكانت هذه الأخيرة قد سعت، عن طريق القرار الدولي 5591 الصادر في العام 4002، إلى إلغاء التمديد للرئيس الحالي، تمهيدا للمجيء برئيس جديد ينفذ البنود الأخرى للقرار المذكور، وفي مقدمتها نزع سلاح حزب الله. وقد ساهمت بصورة أساسية في فرض مقاطعة دولية وإقليمية ومحلية للرئيس لحود من دون أن تنجح في إسقاطه. بيد أنها تسعى بكل ما تملكه من إمكانات لمنع أي تفاهم بين القوى المتصارعة اللبنانية على مجيء رئيس جديد يعبر عن تسوية في ما بينها. وهي، لأجل ذلك، لا زالت تشجع التيار الموالي لها في السلطة، المعروف بتحالف 41 آذار، على تجاوز القيود الدستورية القائلة بضرورة الالتزام بنصاب ثلثي أعضاء المجلس النيابي لأجل انعقاد جلسة انتخاب الرئيس – وهو ما تعجز عن توفيره في غياب اتفاق مع المعارضة – وبالتالي الاكتفاء بنصاب النصف زائدا واحدا المتعارض مع الدستور، والذي قد يؤدي اعتماده إلى انقسام السلطة، وظهور رئيسين للجمهورية وحكومتين، علما أن ذلك قد يشكل مدخلا لحرب أهلية طاحنة.

وبالطبع، فإن هذا الموقف من جانب واشنطن لا يتحرك في الفراغ، بل هو يعتمد على وجود قوى سياسية مؤثرة داخل حركة 41 آذار تتبنى الموقف المشار إليه سبق أن عبرت عن رفضها القاطع لمبادرة رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، التي كان قد أعلن عنها في 13 أغسطس الماضي، والتي تقضي بإقرار الجميع بنصاب الثلثين لجلسة الاقتراع، وبانتخاب رئيس توافقي ترضى عنه المعارضة والموالاة في الوقت ذاته. والأهم بين هذه القوى حزب “القوات اللبنانية” برئاسة سمير جعجع وكتلة “اللقاء الديمقراطي” بقيادة وليد جنبلاط. وهما يراهنان في موقفهما القصوي هذا على ما يجري الحديث عنه بقوة في الفترة الأخيرة من احتمال نشوب حرب إقليمية دولية تستهدف فيها الولايات المتحدة وإسرائيل كلا من إيران وحليفيها سوريا وحزب الله في الأشهر القليلة القادمة، انطلاقا بشكل خاص من برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم واتهامها بالتحضير لإنتاج السلاح النووي. وهي حرب يعتقدان أنها ستؤدي إلى هزيمة المعسكر الأخير.

بالمقابل، فإن الطرف الأهم في تحالف 41 آذار، المتمثل في تيار المستقبل بقيادة سعد الدين الحريري، وإن كان غير بعيد في مشاعره وخياراته العميقة عن حليفيه الأكثر تطرفا، فهو مضطر لأن يأخذ بالحسبان مواقف الحكومة السعودية، التي ينشَدُّ إليها بالولاء ويحظى منها بالدعم الأساسي، ولا سيما أن الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز طلب بشكل واضح وصريح من رئيس الحكومة اللبنانية المشكك بشرعيتها فؤاد السنيورة، خلال زيارة هذا الأخير للمملكة في سبتمبر الماضي، التجاوب مع مبادرة رئيس المجلس النيابي اللبناني وتشجيع التوافق على رئيس جديد للجمهورية. ولكن السؤال الكبير هو هل يمكن أن يحرز هذا الخيار الغلبة، ولا سيما بعد تطورات خطيرة عديدة بينها اغتيال نائب إضافي من مجموعة نواب 41 آذار، هو النائب الكتائبي أنطوان غانم في 91 سبتمبر الماضي، ناهيكم عن الضغوط الأمريكية التي لا تصب في هذا الاتجاه، ولا سيما مع تكرار الرئيس بوش وغيره من المسئولين الأمريكيين تصريحات يشددون فيها على ضرورة انتخاب مرشح مما يسمونه “ثورة الأرز”!

هل من رئيس جديد؟

سقط أكثر من موعد كان قد عيّنهم رئيس المجلس النيابي نبيه بري لانتخاب الرئيس الجديد، وذلك بسبب عدم تأمين النِصاب الدستوري، وبوجه أخص بسبب إخفاق المساعي للتوافق بين الطرفين المتصارعين على اسم الرئيس. ثم انتهت بعد ذلك المهلة النهائية لإجراء الانتخابات في 42 نوفمبر، وقبل ذلك كان في إمكان المجلس أن ينعقد، في الأيام العشرة الأخيرة قبل انتهاء المهلة، من دون حاجة إلى دعوة رئيس المجلس. فبحسب المادة 37 من الدستور، إذا “لم يدع المجلس لهذا الغرض، فإنه يجتمع حكما في اليوم العاشر الذي يسبق أَجَل انتهاء ولاية الرئيس.”

ولكن صقور 41 آذار، ولا سيما سمير جعجع ووليد جنبلاط، الذين أكثروا سابقا من التهديد باستخدام هذه الإمكانية التي يطرحها الدستور، أي تجاوز دور رئيس المجلس النيابي وتجاوز قيد النصاب وانتخاب رئيس بحضور النصف زائدا واحدا، عادوا وتراجعوا عن هذا كما رأينا جميعا.

هذا التراجع عائد بوجه خاص إلى التباين الواضح في الموقف الأوروبي عن الموقف الأمريكي حيال الانتخابات الرئاسية اللبنانية. ويرجع هذا التباين إلى عوامل عدة من بينها خشية الأولين من أن يؤدي انتخاب رئيس ترفضه نسبة عالية من اللبنانيين، في ظل الظروف الراهنة بالذات، إلى انفجار الوضع في البلد، فانعكاس ذلك سلبا على مصالح أوروبا الأكثر اهتماما بالاستقرار اللبناني.

ولكن هناك أيضا موقف الفاتيكان الحريص على سلام لبناني يراه شرطا أساسيا لبقاء المسيحيين، ليس فقط في لبنان بالذات، بل في عموم الشرق الأوسط، في وضع آمن ومستقر. وهو موقف يعبر عن نفسه بأشكال شتى في الفترة الأخيرة، بينها التحركات الكثيفة للقاصد الرسولي لأجل التقريب بين السياسيين المسيحيين باتجاه التوافق في ما بينهم على إسم الرئيس. وهذا ما يظهر حاليا من حركة البطريركية المارونية، وتحول بكركي بقيادة البطريرك الماروني نصرالله صفير إلى مركز لاجتماعات اللجنة التي أشرف على تعيينها هذا الأخير، بحيث تتمثل فيها الأطراف المتصارعة وأطراف أخرى خارج هذا الصراع ويكون عليها استجلاء الصفات الأساسية للرئيس المنتظر، وأسماء مَنْ من المرشحين قد تنطبق هذه الصفات عليه. على أن تكون النتائج التي ستتوصل إليها هذه اللجنة منطلقا لاستكمال بلورة مساعي التوافق في مقر رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، في عين التينة، بين هذا الأخير، من جهة، ومن جهة أخرى، بشكل أساسي، زعيم تيار المستقبل سعد الدين الحريري، ممثلا جماعة 41 آذار.

وبالطبع فإن هذه المساعي، وعلى الرغم من التفاؤل الدائم الذي يعبر عنه رئيس المجلس، سوف ترتهن نتائجها في الأخير بعناصر أخرى في مقدمتها الموقف الأمريكي، ليس فقط من الخصوصية اللبنانية في الصراع الشرق أوسطي، بل من احتمالات الحرب الدولية-الإقليمية التي سبقت الإشارة إليها، والتي تتزايد الإشارات الغربية إلى جديتها. وهو ما يكشف عمليا مدى ارتباط الوضع اللبناني بالخارج، ومدى تأثره بالتناقضات الداخلية التي يشكل عنصرا أساسيا فيها الجانب الطائفي. وهو ما يظهر مدى هشاشة الواقع السياسي المحلي، وبوجه أخص أعضاء المجلس النيابي الذين كانوا دائما، ولا سيما إبان فترات الانتخابات الرئاسية، عُرْضة في غالبيتهم الواسعة، للتأثر بالضغوط الخارجية على اختلافها، الأمر الذي يطرح جديا ضرورة إعادة النظر في طريقة انتخاب الرئيس الأعلى للدولة، نحو السعي لاعتماد الانتخاب مباشرة من الشعب، بحيث يمكن بذلك أن لا نتفادى فقط تأثيرات الخارج وعواقبها الخطيرة على مصالح الدولة والناس، بل أيضا مآزق بحجم تلك التي يواجهها لبنان اليوم، والتي قد تعرضه لخطر الانقسام والشرذمة على صعيد مؤسسات دولته، وأكثر من ذلك لخطر أن تنفجر مجددا حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، تسعى الإدارة الأمريكية لتعميمها على المنطقة العربية بأسرها بعد أن نجحت إلى حد بعيد في تركيز أسسها وإطلاقها في العراق.