بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الانتخابات الرئاسية والصراع الطبقي في فرنسا

تأتي الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل 2007 وفرنسا مختلفة كثيرا عن ذي قبل. ففي فرنسا، ذات الـ60 مليون نسمة والـ10% بطالة، مازالت أصداء أصوات المحتجين على دستور أوروبا الموحد وعلى قانون عقد العمل الأول تتردد في الميادين، ومازالت آثار انتفاضة شباب الضواحي الفقيرة على مدى ثلاث أسابيع محفورة في الصدور. ففرنسا اليوم، كما كانت دوما، هي بلد النضال الجماهيري الطبقي بامتياز، وسوف يظهر أثر هذا، بطريق أو بآخر، في الانتخابات.

بانوراما المرشحين

بمراجعة سريعة لأسماء المرشحين سنجد أولا نيكولا ساركوزي. ساركوزي هو المرشح الأول لليمين، بالرغم من إحجام العديد من قيادات حزبه عن التصويت له (أثناء اختيار مرشح “الاتحاد من أجل حركة شعبية” للرئاسة)، وبالرغم من عدم إعلان شيراك التأييد له.

شيراك كان يفضل ترشيح دوفيلبان رئيس وزراءه. ولكن أزمة قانون عقد العمل الأول جاءت لتضعف مركز دوفيلبان لحساب ساركوزي. كما أن ظهور الأخير بمظهر رجل فرنسا القوي أثناء انتفاضة الضواحي، في مقابل ظهور دوفيلبان بمظهر رجل شيراك الذي عانت فرنسا في عهده من ركود اقتصادي ومن تراجع دورها على مستوي السياسية الخارجية، كل هذا أضعف موقف دوفيلبان وأبعده عن المنافسة.

تأتي في المرتبة الثانية مرشحة الحزب الاشتراكي سيجولين رويال، التي تغلبت في الانتخابات الداخلية لاختيار مرشح الحزب على وزير المالية السابق دومينيك شتراوس ورئيس الوزراء الأسبق لوران فابيوس. وتتنازع رويال مع ساركوزي على صدارة التوقعات بالفوز في الانتخابات. وقد لفتت الأنظار بصعودها السريع في النصف الثاني من العام الماضي وبدت كمنافسة قوية لمرشح اليمين. وبالرغم من العثرات التي مرت بها، إلا أنها مازالت تنافس خصمها الأساسي ساركوزي في استطلاعات الرأي.

هناك مرشح آخر لليمين هو فرانسوا بيرو عن حزب “الاتحاد من أجل الديموقراطية الفرنسية”، الذي تقدّر بعض استطلاعات الرأي حصوله على 9% من الأصوات. وبالطبع هناك أيضا مرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبان الذي تمكّن في الانتخابات السابقة في 2002 من خوض الجولة الثانية مع شيراك.

والحق أن لوبان لا يختلف كثيرا عن ساركوزي. فالاثنان عندهما نفس العداء تجاه المهاجرين ونفس الانحياز لطبقة الرأسماليين. لكن لوبان يمثل الوجه القبيح لليمينية المتطرفة، بينما ساركوزي يتجمل قليلا، يسانده في ذلك رجال الأعمال الذين يملكون العديد من وسائل الإعلام التي يعتمد عليها في حملته.

وأخيرا هناك مرشحو اليسار مثل مرشحة الحزب الشيوعي ماري جورج بوفي، وبوزانسنو مرشح العصبة الشيوعية الثورية (فرع الأممية الرابعة داخل فرنسا) الذي نجح في جمع 380 وعدا بالتوقيع في يناير الماضي، من 500 توقيع لازمين لدخول الانتخابات، وهناك أيضا جوزيه بوفيه أحد الناشطين ضد العولمة وسياسات الليبرالية الجديدة.

أزمة الرأسمالية الفرنسية

فرنسا المقبلة هذه الأيام على اختيار رئيس جديد لجمهوريتها، تعتبر حالة نموذجية دالة على المرض الذي تعاني منه أوروبا الرأسمالية. فبعد أزمة الاقتصاد العالمي في السبعينات، وما تلاها من تحول ليبرالي جديد، أصبح معيار نجاح أي رأسمالية في تجاوز الأزمة والانخراط في المنافسة العالمية من موقع قوة، هو خفض تكاليف الإنتاج إلى أدنى حد ممكن.

المرض الفرنسي ـ والأوروبي عامة ـ يتلخص في الآتي: فرنسا مقيدة بدولة رفاهة ثقيلة التكلفة، وبعقد اجتماعي أسفرت عنه تسويات ما بعد الحرب العالمية الثانية يصعب التخفف منه. وفي المقابل نجد أن رأسماليي الولايات المتحدة مثلا يتمتعون بسلطات واسعة في تعيين وفصل العمال. وبينما يصل حجم الإنفاق الحكومي على المعاشات في الولايات المتحدة إلي 6% فقط، فإنه يصل في فرنسا إلى 11%، مما يعطي للرأسمالية الأمريكية ميزة تنافسية عن قرينتها الفرنسية. وكذلك الأمر في الصين، حيث ينعدم تماما دور الاتحادات العمالية مما يسمح باستغلال العمال إلي أقصي حد ممكن، سواء من حيث عدد ساعات العمل أو من حيث ضعف الأجور. ثم هناك بريطانيا التي يصل حجم الإنفاق الحكومي فيها إلى 8% (أقل بـ3% من فرنسا)، بينما تسمح قوانين العمل بها بسلطات أوسع لأصحاب العمال لفصل العمال.

هذا الوضع التنافسي السيء للرأسمالية الفرنسية زاد على مدار العقدين الماضيين. وهو مصدر كل مشاريع القوانين والإجراءات المضادة لمكتسبات الطبقة العاملة التي عزمت على تنفيذها الحكومات المتعاقبة، من آلان جوبيه إلى دومينيك دوفيلبان.

فمنذ التسعينات بدأت سلسلة من الهجمات علي المكتسبات الاجتماعية. في 1994 حاولت حكومة بلادور اليمينية فرض قانون “عقد الدخول في الحياة المهنية” الذي كانت فكرته فرض حد أدني للمرتب أقل مما كان مقررا من قبل بحجة مواجهة البطالة. وقد اضطرت الحكومة للتراجع عن القانون أمام الاحتجاجات والمظاهرات الواسعة.

ثم جاء الهجوم على القطاع العام وخصخصته. وكانت البداية بخصخصة قطاع الاتصالات، فرانس تليكوم، ثم قطاع الغاز والكهرباء وإغلاق 600 مكتب بريد، وأيضا محاولة إعادة هيكلة التعليم بحجة ضرورة موائمته لاحتياجات السوق، وذلك بجعل برامج وتخصصات كل جامعة متوافقة مع احتياجات الشركات والمصانع والاستثمارات المختلفة الموجودة في الإقليم الموجود فيه الجامعة.

ثم جاء الدور على باقي المكتسبات الاجتماعية، من تقليل المعاشات وخفض الإنفاق على التأمينات الاجتماعية والصحية وإعانات البطالة.

تصاعد حركات المقاومة

لكن على الوجه المقابل، من المهم أن نتذكر أن نهاية الانتعاش الرأسمالي كانت في نفس الوقت بداية التراجع للإصلاحية. فما الذي يمكن للإصلاحي أن يقدمه إذا كانت الرأسمالية غير قادرة على دفع تكلفة الإصلاحات، بل على العكس عازمة على سحب المكتسبات؟ والأمر لا يقتصر على هذا فقط. ففي الحالة الفرنسية بالذات، ترافقت أزمات الرأسمالية وهجماتها، وتمزق الإصلاحية واقترابها من اليمين، مع تصاعد واسع لحركات المقاومة الاجتماعية، بالذات بدءا من منتصف التسعينات.

وقائمة النضالات الفرنسية طويلة ومبهرة: ففي سنة 1986 نظّم طلبة الجامعات إضرابا عاما ومظاهرات ضد إقامة نظام تعليم عالي على مستويين أحدهما جيد والآخر منخفض المستوي قليلا؛ وفي 1995 نظمت نقابات العمال إضرابا شل القطاع العام لمدة شهر ضد قانون آلان جوبيه، رئيس الوزراء آنذاك، القاضي بتغيير نظام المعاشات؛ وتلا ذلك عدد من الإضرابات الهامة لعمال إير فرانس وسائقي الشاحنات والمدرسين وغيرهم؛ ثم أتت الحركة الواسعة الرائعة لرفض الدستور الأوروبي الموحد في الاستفتاء الذي أجري في 29 مايو 2005؛ وحركة التمرد في الضواحي الفقيرة في مختلف مدن فرنسا في نوفمبر 2005؛ وأخيرا موجة الاحتجاجات ضد قانون عقد العمل الأول في مارس وأبريل 2006، والتي أدت لإلغائه في انتصار تاريخي لطلاب وعمال فرنسا.

وقد أدى التصاعد المذهل لحركات المقاومة الاجتماعية، جنبا إلى جنب مع أزمة الإصلاحية، إلى بروز “يسار جديد” في فرنسا؛ يسار يختلف في رؤاه وحركته عن كل من الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي. وقد ظهر مدى اتساع الفارق بين هذا اليسار وبين الحزب الاشتراكي مثلا، في معركة رفض الدستور الأوروبي الموحد. فالحزب الاشتراكي كان أحد الأحزاب المؤيدة للدستور. وهو الأمر الذي سيفقده بلا شك الكثير في الانتخابات الرئاسية القادمة ويجعل أطروحاته أقل تماسكا في مواجهة أطروحات اليمين.

إلى جانب اليسار الجديد، فإن نقابات جديدة بدأت أيضا تظهر. وذلك لأن النقابات الرئيسية تخلّت عن سياستها التقليدية في المواجهة المحسوبة بدءا من 1997، بعدما شارك الحزب الشيوعي في حكومة ليونيل جوسبان وأصبحت تدعو إلي الانتظار وإعطاء الفرصة للحكومة لإبداء نواياها الحسنة، وكل ذلك بسبب الارتباط العضوي بينها وبين اليسار الحكومي.

هذا ما أدى إلي ظهور تنظيمات نقابية جديدة منذ 1993 تتسم بأنها أكثر حرية واستقلالا عن قوي اليسار المختلفة. بدأت حركة النقابات الجديدة في قطاع البريد، وانتشرت في قطاعات السكة الحديد والاتصالات والطيران والتعليم. وقد اتخذت هذه الاتحادات اسم “سودـ SUD” وهي الأحرف الأولي لثلاث كلمات تعبر عن الطبيعة المختلفة لهذه الاتحادات عن النقابات التقليدية. والكلمات الثلاث هي “تضامن” “وحدة” “ديموقراطية”. “تضامن” لأن هذه الاتحادات تدعو إلي التضامن بين كل المستغلين والمضطهدين في المجتمع، وهذا يفسر اتخاذها خطوات ملموسة في دعم اعتصامات المهاجرين بدون أوراق، واشتراكها في تأسيس اتحاد للعاطلين عن العمل، بعكس الاتحادات التقليدية التي لا تتحرك على مثل هذه القضايا بسهولة. و”وحدة” لأنها تدافع عن الوحدة كسبيل وحيد لمواجهة الرأسمالية. و”ديموقراطية” لأنها شرعت فعليا في ترسيخ ممارسات فعلية فيما يخص إدارة العلاقة بين النقابة وجموع العمال غير المنتمين للنقابة.

هذه النقابات كانت في قلب الاحتجاجات الاجتماعية السابقة كلها، وشاركت فيها بقوة ولم تهادن أو تحاول المفاوضة والتهدئة كما تفعل الاتحادات والنقابات التقليدية دائما. وقد لعب اليسار الراديكالي ـ التروتسكيين والفوضويين ـ دورا رئيسيا في تشكيل هذه النقابات. وهي تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية عن القوي السياسية الراديكالية المشاركة فيها، مما يعطيها مصداقية وحيوية أكثر.

مزيد من الجذرية

مظاهر عديدة تؤكد أن الصراع الطبقي داخل فرنسا قد أخذ منحي أكثر جذرية مؤخرا، منها الخطوات التي اتخذها الطلبة أثناء الاحتجاجات على قانون عقد العمل الأول، من احتلال للجامعات والمدارس الثانوية، وهو ما أتاح الفرصة لممارسة شكل بديع من أشكال الديموقراطية الجماعية، وذلك بتشكيل لجان قاعدية منتخبة مثل لجنة المالية ولجنة النقاش ولجنة تنفيذ عمليات النضال ولجنة الإعلام. وكذلك اتخاذ الطلاب إجراءات عملية لتعطيل سلطة الدولة من احتلال لمحطات القطارات ومكاتب البريد ومقار الحزب الحاكم واتحادات الملاك ورجال الأعمال، وكذلك اتجاهها إلي العمال للتحرك معهم وتوسيع قاعدة المعركة.

هناك أيضا مسألة زيادة الوزن السياسي والكمي للأحزاب الراديكالية. فقد أعلنت العصبة الشيوعية الثورية مثلا في مؤتمرها السادس عشر، والذي حظي باهتمام إعلامي غير مسبوق وحضره 400 شخص من ضمنهم 280 مندوب، أن عدد أعضائها قد زاد إلي الضعف خلال السنوات الأربع الأخيرة فأصبح 3000 عضو. ويرتبط هذا قطعا بحصول مرشحين عن منظمات اليسار الراديكالي على حوالي 10% من أصوات المشاركين في انتخابات الرئاسة سنتي 2002 و1995.

وكذلك من المظاهر المهمة تشكيل بدائل سياسية جديدة منفصلة عن قوي اليسار التقليدي وقادرة على النضال. ظهر ذلك أثناء الحملة على الدستور في فرنسا. فقد تفاعلت عصبة الثوريين مع الحزب الشيوعي مع النقابات العمالية المحلية مع المجموعات المناهضة للعولمة الرأسمالية لإنشاء لجان في كل المناطق. وكانت هذه اللجان قادرة على تنظيم اجتماعات للمئات وأحيانا الآلاف، بالإضافة إلي اتحاد النقابات البديلة “سودـSUD” الذي أشرنا إليه من قبل.

عودة لانتخابات الرئاسة

فرنسا إذن بلد يعيش تصاعدا في الصراع الطبقي وصل إلى حد تحقيق انتصارات مهمة على حكومات رجال الأعمال المسيطرة. لكن بالرغم احتشاد قوي اليسار المناهض لليبرالية كما ظهر في الحملة ضد الدستور الأوروبي الموحد، إلا أن ذلك لم يستمر إلي النهاية. فانتخابات الرئاسة تشهد للأسف أكثر من مرشح لقوي اليسار المناهض لليبرالية بعدما فشلت تلك القوي في توحيد جهودها حول مرشح واحد. ويرجع ذلك إلي التناقضات الموجودة داخل الأحزاب اليسارية نفسها وفيما بينها أيضا.

فالحزب الشيوعي ـ بالرغم من استعادته حيويته وتواجده في الحياة السياسية خلال حملة “لا” للدستور الأوروبي ـ يعاني من تناقضات داخلية مؤثرة. فمن جهة ثمة قيادة معبرة عن شريحة بيروقراطية الحزب وممثليه في مؤسسات الدولة المختلفة، وهي تقتفي أثر الحزب الاشتراكي الذي فقد كل مصداقيته منذ تبنى السياسات الليبرالية. ومن جهة أخري هناك قاعدة عمالية وشعبية تتوق إلي بديل يقطع مع الليبرالية. وتلك الشريحة هي التي خاضت معركة الدستور الموحد. وهذا ما يجعل الحزب متمسكا بترشيح ماري جورج بوفي، في الوقت الذي رفض تقديم الضمانات التي اشترطتها العصبة الشيوعية للمشاركة في قائمة موحدة، وهي عدم الدخول في أي تحالف أو ائتلاف أو مشاركة في حكومة أو أغلبية برلمانية مع قوي اليسار الليبرالي، مما أدي إلي بالعصبة الشيوعية لاتخاذ قرار بطرح مرشح لها ببرنامج مناهض للرأسمالية يتضمن بعض المطالب الانتقالية، مثل المنع التام للتسريح الجماعي أو الفردي للعمال، تأميم ما تم خصخصته ووضعه تحت رقابة عمالية، زيادة فورية في الأجور بـ300 يورو، وتسوية وضع المهاجرين وحل أزمتهم يشكل نهائي يحترم إنسانيتهم.

وفي حديث أجرته صحيفة سويسرية مع فرنسوا سابادو عضو القيادة الوطنية للعصبة صرح أنهم يريدون الحفاظ على ما وصلت إليه الحركة المناهضة لليبرالية بعدم دعم أي شكل من أشكال التعاون مع اليسار الليبرالي.

يأتي هذا الموقف بالرغم من وجود موقف أقلي داخل العصبة يعارض القرار الذي اتخذته الأغلبية ويراه عصبويا تجاه الاتحادات التي تشكلت أثناء الحملة ضد الدستور، وكذلك أعضاء الحزب الشيوعي المعترضين على ترشيح ماري جورج بوفي، وتري الأقلية أن نجاح مثل هذه الوحدة التي دعت إليها الاتحادات وأعضاء الحزب الشيوعي ممن عارضوا ترشيح بوفي كان سيشكل حدثا سياسيا كبيرا، وأن مثل هذا الموقف سيعزل العصبة عن جمهور المناضلين الموجودين في تلك الاتحادات وفي الحزب الشيوعي.

هناك مرشح أخر وهو جوزيه بوفيه، وهو ناشط ضد الليبرالية الجديدة ويؤيده أعضاء الاتحادات الرافضة لترشيح ماري بوفي، وكذلك عدد كبير من مناضلي الحزب الشيوعي المعترضين على مرشحة حزبهم.

ويأمل أغلب المناضلين الذين وقفوا جنبا إلي جنب أثناء حملاتهم ونضالاتهم ضد الليبرالية الجديدة أن يتمكن اليسار المعادي لليبرالية من إيجاد سبيل للوحدة مرة أخري. فمن المؤكد أنه أيا كان الفائز في معركة الرئاسة الفرنسية سواء كان ساركوزي أو رويال (المرشحين الأقرب للفوز)، فإن الحركة الاجتماعية في فرنسا ستحتاج لهذه الوحدة، ولكن بالمضمون الذي يحافظ عليها من الانحراف تجاه المهادنة مع الليبرالية أو اليسار الليبرالي. فمعركة فرنسا المناضلة هي توحيد قواها وخلق بديل سياسي يستطيع أن يناطح الإصلاحية وبقايا الستالينية.