بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرأسمالية.. لا الصناعة

سيتزايد عدد الأعاصير الاستوائية، وكذلك شدتها، وستزداد شدة الفيضانات، في الوقت الذي ستزداد فيه المناطق التي تصاب بالجفاف، وسيحدث انصهار وساع النطاق للجليد في القطب الشمالي، وسترتفع درجة حرارة البحار والمحيطات. تلك هي بعض ملامح تغير المناخ، التي يحذر منها علماء المناخ، التي يجري الحديث بشأنه هذه الأيام، هذه التغيرات سيترتب عليها نتائج كارثية على مظاهر الحياة على كوكب الأرض، و ربما تتغير أو تختفي الكثير مظاهر الحياة من على سطح الأرض، إن استمرت تلك التغيرات بنفس المعدل، لفترة زمنية طويلة نسبيًا.

تأثيرات كارثية

إذا كان مناخ الأرض في حالة من التغير مستمرة منذ بداية تكون الغلاف الجوي، منذ ما يزيد على 3.5 بليون عام، فإن التغيرات التي حدثت خلال 150 عام الماضية، من عمر الثورة الصناعية، تفوق في سرعتها التغيرات التي حدثت في آلاف السنين، إذا كانت التغيرات الكبرى في المناخ يستغرق حدوثها عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من السنوات، كالانتقال من عصور الجليد إلى الفترات الدافئة، أو العكس، وهذا المدى الزمني الطويل يسمح للكائنات الحية المختلفة بالتكيف مع تلك التغيرات، دون التعرض لانقراض واسع النطاق، أما التغيير المناخي الذي يدور الحديث عنه اليوم في الأوساط العلمية، وعبر وسائل الإعلام فهو تغير سريع للغاية، يصعب معه تكيف الكثير من الكائنات الحية، بل سيكون التكيف أمرا مستحيلاً بالنسبة لبعض الكائنات، مما سيترتب عليه انقراضها.

ما سيعانيه البشر فلن يقل خطورة، حيث من المتوقع أن تزيد وتيرة موجات الحر، تلك الموجات التي تؤدي وفيات على نطاق واسع، ففي أوربا في عام 2003 توفى أكثر من 35 ألف شخص نتيجة موجة من موجات الحر، كما أن تزايد وتيرة وشدة الأعاصير الاستوائية، ستلحق دمار واسع بكثير من المدن والقرى، وستحصد حياة الآلاف من البشر كل عام. ستشهد بعض السواحل ارتفاع منسوب البحر والمحيطات، مما سيترتب عليه غمر أجزاء واسعة من تلك السواحل، وستختفي مدن وقرى عديدة، من على خريطة العالم، وعلى سبيل المثال من المتوقع أن تغرق أجزاء كبيرة من الدلتا في مصر، مما سيترتب عليه فقدان مئات الآلاف من الافدنة الصالحة للزارعة، التي يصعب تعويضها، كما ستختفي العديد من القرى، التي سينتقل سكانها إلى مناطق أخرى. وعلى مستوى الصحة، من المتوقع زيادة الأمراض المرتبطة بالمناخ الحار كالملاريا. وعلى المستوى الاقتصادي سيحدث ضرر بالغ بالزراعة، المرتبطة بشكل أساسي بالتقلبات الجوية.

من المسئول؟

هل الصناعة في ذاتها هي المسئولة؟ وبالتالي يكمن الحل في العودة إلى أشكال ما قبل الصناعة في الإنتاج، الإجابة باختصار لا ليست المشكلة في التصنيع، إنما في النظام الحالي لإدارة لإنتاج.

نعم لقد أحدثت الثورة الصناعية طفرة في معدلات الإنتاج، خاصة بعد اختراع محركات الاحتراق الداخلي، منذ ما يقارب 150 عام، وتم استخدام الفحم ثم البترول في إدارة الآلات، وبالفعل حدثت طفرات متتالية في الإنتاج، لكن تلك الزيادة في الإنتاج لم يترتب عليها اختفاء الجوع والفقر من العالم، بل تزايد، وفي الوقت نفسه تم ضخ كميات ضخمة من الملوثات، وثاني نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو، الذي يعد سبب رئيسي في ظاهرة الاحتباس الحراري، هذه بعض ملامح النظام الرأسمالي، المليء بالتناقضات.

طوال تلك الفترة استخدمت الرأسمالية الموارد الطبيعية، من مواد خام، مصادر للطاقة، كانت في معظمها، مصادر غير قابلة للتعويض أو التجديد، تم استخدامها بدون إي رؤية لاحتياجات الأجيال التالية من البشر. حيث السعي الحثيث للرأسمالية وراء الأرباح، في ظل نظام من التنافس لا يرحم، جعل الرأسماليين لا يعبئون بأي معايير سوى الربح السريع.

إن قضية التغير المناخي لها علاقة بتناقضات الرأسمالية، ذلك أنه بالرغم من توافر مصادر طاقة نظيفة، غير ملوثة للبيئة، ولا تسبب الانحباس الحراري، متجددة باستمرار، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فإن هناك إصرار من الرأسمالية على الاستمرار على استخدام المصادر الغير متجددة، مثل البترول والفحم، التي يؤدي استخدامها إلى تلوث واسع النطاق، بالإضافة إلى انبعاث ثاني أكسيد الكربون، مما ترتب عليه تغيرات في مناخ الأرض، هذا التغيرات التي ربما تتسارع في السنوات القادمة بشكل درامي، قد يفوق كل التوقعات.

لا تعبأ الرأسمالية بصحة البشر أو لا بمستقبل الأجيال القادمة، حيث أنها مدفوع نحو الربح السريع، أما النظرة طويلة المدى فلا يمكن أن تتوفر في ظل المنافسة المحمومة بين الشركات بهدف الاستحواذ على السوق، في ظل هذه المنافسة لا مجال للحديث عن الاستخدام المفرط للموارد الطبيعية الغير متجددة من فحم وبترول، ومعادن، حتى لو لم يبقي شيء من تلك الموارد يمكن للأجيال القادمة الاستفادة منه، كما لا تعبأ الرأسمالية بصحة البشر، فعلى مدى سنوات طويلة ظلت الرأسمالية تستخدم المواد الحافظة، مكسبات الطعم والرائحة، والألوان الصناعية، في المنتجات الغذائية، وكذلك استخدام المبيدات على نطاق واسع في مجال الزراعة، وتبين لاحقا الآثار الكارثية لتلك المواد، التي تسبب السرطان، عندها ظهرت شركات رأسمالية تنتج ما هو حيوي، وخالي من تلك المواد، لكن بأسعار لا يقدر عليها سوى الأغنياء ، كما أن التلوث الذي رافق الصناعة، أدى إلى تدمير صحة العاملين في تلك الصناعات، وكذلك سكان المدن القريبة من تلك المصانع، كما ترتب انبعاث تلك الملوثات تأثيرات ضخمة على مستوى كوكب الأرض، كثقب الأوزون.

فوضى الإنتاج

ليست الصناعة والتقدم التكنولوجي هي المسئول الرئيسي عن التغير السريع للمناخ و لا عن التلوث البيئي، إنما تقع المسئولية على الرأسمالية، هذا النظام الساعي نحو الربح فحسب، بغض النظر عن احتياجات البشر، هذا النظام الذي تعمه فوضى الإنتاج، في إطار منافسة لا ترحم، حيث نجد سنوياً ملايين الأطنان من المنتجات تنتج ولا تستهلك، بل تفسد في المخازن، أو تلقى في البحر، حتى لا تنخفض أسعارها، تلك المنتجات سواء زراعية أو صناعية، تم استغلال آلاف الأطنان من الموارد الطبيعة لإنتاجها، من مصادر طاقة ومواد خام، بالإضافة إلى التلوث الذي صاحب العملية الإنتاجية، كل هذا بالتأكيد بلا معنى إذا كانت تلك المنتجات لن يستفاد منها، أو إذا كانت منتجات غير ذات أهمية، أو منتجات لا يستفاد منها غير شريحة ضيقة من الأثرياء، أو إذا كان من الممكن إنتاجها بطرق لا تخل بالتوازن البيئي.

لو استطعنا نحن البشر أن نخلق نظام أخرى للإنتاج يهدف إلى تلبية الاحتياجات، وليس تحقيق الأرباح، في ظل نظام تعاوني قائم على التنسيق بين المنتجين، فإنه من السهل أن نراعي التوازن بين تلبية الاحتياجات والبيئة، بين الاستفادة من الموارد المتاحة والحفاظ عليها من أجل مستقبل الأجيال القادمة، طالما أن الربح ليس هو الدافع للإنتاج، طالما كانت سعادة البشر هي الهدف، فعندئذ لن تستخدم مواد صناعية إلا بعد التأكد من أنها لن تضر بالإنسان ولا بالبيئة. في ظل الاشتراكية فحسب يمكن أن توظف الصناعة والتكنولوجيا من أجل حياة أفضل.

هناك سؤال يطرح نفسه، لماذا لا تتجه الرأسمالية نحو البدائل النظيفة للطاقة فوراً، كالطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وغيرها، حيث أن وسائل الاستفادة من تلك المصادر معروف تكنولوجياً، ومتوفر منذ زمن طويل، فعلى سبيل المثال، لقد تم اختراع الخلايا الشمسية منذ ما يزيد على أكثر من خمسين عام؟!