بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرأسمالية الأوروبية تصادر على حق العمل

برز في الدول الأوروبية خلال العقود الأخيرة توجهاً نحو التخلي عن الحقوق التي يحظى بها العمال. تعرض نور منصور إلى مساعي الطبقات الحاكمة هناك إلى تقويض نظام عقد العمل الدائم والأبدي لصالح العمل المؤقت والعمل لبعض الوقت.

أشارت الحركة الاحتجاجية الواسعة، التي قام بها الطلبة والعمال في فرنسا الشهر الماضي، في مواجهة ما عرف بـ “عقد العمل الأول”، إلى أهمية ظاهرة العمل المؤقت التي تشهد اتساعاً في أوروبا منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن. وتتخذ هذه الظاهرة أشكالاً متعددة، لكن العنصر المشترك الذي يجمع بينها هو الاتجاه إلى تحقيق مرونة في سوق العمل تسمح بالتحكم في تشغيل والتخلص من القوى العاملة حسب حالة السوق والمنافسة. تحاول السطور القادمة إلقاء الضوء على عملية التحول نحو العمل المؤقت في أوروبا.

ضمانات العمل

خلال نحو ثلاثة عقود عقب الحرب العالمية الثانية، تمتعت الطبقات العاملة في أوروبا بالعديد من الضمانات التي جعلت من العمل الدائم بمثابة النظام الأساسي في سوق العمل، ووُضعت قيوداً صارمة على حق أصحاب العمل في التخلص من العمالة. ارتبط هذا الوضع بحالة الرواج الاستثنائي الذي شهدته الرأسمالية منذ نهاية الحرب وحتى عقد السبعينيات. ففي فرنسا، على سبيل المثال، جرى خلال تلك الفترة سن ثلاثة قوانين في هذا الاتجاه. في عام 1958 أصبح صاحب العمل ملزم بتقديم إخطار للعامل قبل الفصل، وفي عام 1967 أُقر حق العامل في التعويض في حالة الفصل، وفي منتصف السبعينيات، لم يعد الفصل حقاً غير مشروط بالنسبة لصاحب العمل، حيث أصبح من الضرورة أن يرتبط الفصل بأسباب جادة وحقيقية.

وسادت هذه الضمانات خلال الدول الأوروبية بشكل عام. في إيطاليا استطاع إتحاد النقابات الأكبر في البلاد، والذي يضم حالياً نحو خمسة ملايين عامل، أن يضغط خلال السبعينيات من أجل تمرير قانون يعطي العامل في أية منشأة يزيد عدد العمال بها عن 15 عاملاً، أن يلجأ للقضاء في حالة الفصل. وفي المملكة المتحدة طبقت خلال نفس حقبة الرواج المشار إليها، والتي ظل حزب العمال يسيطر خلالها على دفة الحكم، قوانين تتيح الأمان الوظيفي للعمال، وتغل يد صاحب العمل في فصل العمالة.

تبعات الأزمة

خلقت الأزمة التي حلت بالنظام الرأسمالي العالمي منذ نهاية السبعينيات، والتي كان أبرز مظاهرها ارتفاع معدلات البطالة، إلى الاتجاه نحو إجراء تغييرات رئيسية في طبيعة علاقات العمل. وكانت الرؤية التي طرحها أصحاب الأعمال لتبرير هذا النهج، هي أن التطور السريع للتقنية وعدم استقرار الأسواق وحدة المنافسة تتطلب وجود قدر أكبر من المرونة في سوق العمل. ويبدو هذا الطرح متوافقاً مع الأزمة، ذلك أنه في ظل الأزمة العالمية يصبح تقليل تكاليف الإنتاج إلى أقصى حد مسألة حتمية بالنسبة للرأسمالية، وهنا تجد الرأسمالية الأوروبية نفسها في وضع تنافسي ضعيف مع القوى الكبرى الأخرى حيث يتمتع العمال بحقوق أدنى. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يتمتع أصحاب العمل بسلطات واسعة في تعيين وفصل العمال مما يجعل الرأسمالية الأمريكية في وضع تنافسي أفضل من وضع نظيرتها الأوروبية. أما في الصين فإن القمع وانتفاء دور الاتحادات العمالية يسمح بوقوع العمال تحت درجات قصوى من الاستغلال سواء من حيث طول ساعات العمل، أو ضآلة الأجر. من هنا بدأ التفكير في أشكال أخرى للعمل بخلاف العمل الدائم، تمثلت تلك الأشكال في العمل المؤقت، والعمل لبعض الوقت. وبشكل عام يمكن القول أن الشباب والنساء كانوا الهدف الرئيسي لأشكال العمل الجديدة، لأن هذه القطاعات هي الأضعف في سوق العمل والأقل تمتعاً بالحماية النقابية.

نحو إنهاء عقد العمل الأبدي

أصبحت هناك حاجة ملحة بالنسبة للرأسمالية الأوروبية إلى تقليص نظام عقد العمل الأبدي منذ بداية التسعينيات، حيث شهدت تلك الفترة تصاعداً واضحاً في معدلات البطالة، حتى داخل البلدان الأكثر استقراراً من الناحية الاقتصادية، لأن الرواج المحدود الذي ساد في نهاية الثمانينيات لم يصمد طويلاً. ففي ألمانيا ارتفع معدل البطالة من 4% عام 1990 إلى 9% منتصف التسعينيات، وفي فنلندا ارتفع المعدل خلال نفس الفترة من 3.4% إلى 18.4%، وفي السويد من 1.8% إلى 9.8%. وتحت دعوى أن توفير مزيد من الحرية لصاحب العمل في التحكم في العمالة يؤدي إلى تشجيع الاستثمار والقضاء على البطالة، نما التوجه نحو تغيير شروط العمل. وبينما سعت غالبية الدول الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات تدريجية في اتجاه تحديد نظام عقد العمل الدائم، برزت في بعض الدول آخرها فرنسا محاولات لإحداث تحولات جذرية في هذا الشأن. ففي عام 2002، قامت حكومة يمين الوسط في إيطاليا بزعامة سيلفيو بيرلسكوني بمحاولة تقويض نظام عقد العمل الدائم عن طريق إلغاء المادة 18 من قانون العمل التي تتيح للعامل التقاضي ضد صاحب العمل في حالة الفصل بزعم أن ذلك سوف يؤدي إلى جذب الاستثمارات والتخفيف من حدة البطالة. غير أن هذه الخطوة قوبلت بعمليات احتجاج غير مسبوقة حيث سار في العاصمة وحدها مليونان شخص احتجاجاً على القانون، وعمت المدن الإيطالية أيضاً احتجاجات واسعة مما أجبر الحكومة على التراجع.

وفي ألمانيا شكلت حكومة الحزب الاشتراكي بزعامة جيرهارد شرودر في عام 2005 ما عرف بـ “لجنة هارتز” لوضع خطة لمكافحة البطالة، تعهدت الحكومة بتطبيقها في حالة فوز الحزب في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في نفس العام. وقامت اللجنة باقتراح إنشاء شركات للعمل الموسمي تقدم ضمانات أقل من الضمانات القانونية التي تلتزم بها الشركات إزاء العمال. ومن خلال هذه الشركات يقوم صاحب العمل بتوقيع عقود مع المتعطلين تعطيه حق تسريح العمال وطلب غيرهم على أساس يومي وتجعل مرتب العامل خلال الستة شهور الأولى مساو لإعانة البطالة، وبعد ذلك يكون الأجر معادلاً لثلثي الأجر المتعارف عليه، ويتم إعفاء صاحب العمل من الالتزام بالمعايير القانونية المتعلقة بضمانات الصحة والأمان للعامل وذلك باستثناء قطاع التشييد. وإن كانت هذه الخطة لم تخرج إلى النور، فإنه من المتوقع أن تقوم الحكومة اليمينية بزعامة أنجيلا ميركل بتغيرات ليست أقل عنفاً. وأخيراً كان مشروع قانون عقد العمل الأول في فرنسا الذي يعطي لأصحاب العمل حرية مطلقة في فصل العمال تحت سن الستة وعشرين دون إبداء أية أسباب، وهو المشروع الذي قوبل بحركة احتجاجية واسعة أدت إلى تراجع الحكومة الفرنسية عنه.

وبشكل عام، لازال عقد العمل الدائم هو السمة السائدة في دول الاتحاد الأوروبي، حيث أن العمل المؤقت لا يمثل أكثر من 14% من قوة العمل، ويتركز جانب كبير من هذه النسبة في العمالة المهاجرة والتي تعيش نسبة كبيرة منها في هذه الدول بشكل غير شرعي. كما أن الأوضاع المتدنية لهؤلاء المهاجرين تجعلهم يقبولون العمل بشروط تقل عن تلك السائدة في تلك الدول. غير أنه بشكل عام، صار من المسلم به أن كل جيل جديد أصبح يتمتع بقدر من الأمان أقل مما كان يتمتع به الجيل السابق.

العمل لبعض الوقت

إذا كان الشباب هم الهدف الأساسي للعمل المؤقت، فإن نظام العمل لبعض الوقت استهدف النساء بشكل أساسي. ذلك أن الواجبات المنزلية اضطرت أعداد كبيرة من النساء إلى القبول بنظام العمل لبعض الوقت. ومن البديهي أن هذا النظام يُفقد النساء كثيراً من الحقوق المضمونة في ظل عقد العمل الدائم ويمنعهن في معظم الحالات من الانضواء تحت الحماية النقابية. وبحلول النصف الثاني من العقد الماضي، أصبح العمل لبعض الوقت يشمل نسبة يعتد بها من إجمالي قوة العمل خاصة في شمال أوروبا حيث بلغت نسبة من يعملون لبعض الوقت في الدنمارك 22% وفي السويد 24% وهولندا 37% بينما بلغت تلك النسبة 16% في فرنسا وألمانيا و14% في بلجيكا. وفي القارة الأوروبية بشكل عام، توجد من بين كل ثلاث نساء امرأة واحدة تعمل لبعض الوقت.

غير أنه خلال السنوات الأخيرة، لم تعد النساء وحدهن مستهدفات من جانب نظام العمل لبعض الوقت، حيث أن هناك اتجاهاً نحو التوسع في هذا النظام بالنسبة للأعمال التي يشكل الرجال قوة العمل الأساسية بها كما هو حاصل في بعض القطاعات الخدمية. ففي هولندا تم تحول قسم كبير من العمل في الخدمات البريدية إلى عمل لبعض الوقت، وذلك عن طريق استبدال 14 ألف عامل يعملون لكل الوقت بـ 20 ألف يعملون لبعض الوقت ويتقاضون نصف الأجر. واتجهت هيئة البريد الملكية في بريطانيا إلى تطبيق هذا النظام في بداية هذا العام في أيرلندا الشمالية مما قوبل بإضرابات من جانب عمال البريد.

وأخيراً يمكن القول أن التوجه نحو العمل المؤقت والعمل لبعض الوقت يميل إلى الاتساع في القارة الأوروبية بسبب العبء الذي تمثله المكتسبات العمالية حول العقد الأبدي والعمل الدائم بالنسبة للرأسمالية الأوروبية، في ظل استمرار الأزمة وضراوة المنافسة مع القوى الكبرى الأخرى. وفي كل الأحوال، فإن نجاح الرأسمالية الأوروبية في دفع هذا النظام للأمام يقابله التاريخ النضالي للطبقات العاملة في هذه الدول، والتي ليس من السهل تصور إمكانية تنازلها ببساطة عن المكاسب التي حققتها بعد نضالات طويلة.