بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرياضة وصناعة الربح

بعد أشهر قليلة من انتهاء بطولة الأمم الأفريقية لكرة القدم وما صاحبها من اهتمام غير عادي ودعاية مكثفة في مصر، تقترب منا بطولة أخرى، سيعم تأثيرها العالم كله، هي بطولة كأس العالم في ألمانيا. هالة دحروج تحاول تحليل دور الرياضة، وفي القلب منها كرة القدم، في المجتمع الرأسمالي المعاصر.

في مجتمع التفاوت الطبقي الصارخ الذي نعيش فيه، أصبحت الرياضة تلعب دوراً متزايداً، بعد أن صارت وسيلة للصعود الفردي. فإلى جانب كونها، عموماً، آداة للتسلية والمتعة، ووسيلة للهرب من الحياة الروتينية، فقد صارت بالنسبة للغالبية العظمى من الرياضيين طريقة لتجاوز الفقر والوصول إلي قمة الثراء. وكما نرى في مصر (والحقيقة أنها ظاهرة عالمية أيضاً) ينتمي العديد من نجوم الرياضة إلي أسر فقيرة، ويجيئون من مناطق أفقر. لكنهم بتحولهم إلى ترس في عجلة الربح، صاروا أثرياء يركبون العربات الفارهة، ويصادقون نجوم السينما، بل ويتم استغلال شهرتهم في تمثيل أفلام وإعلانات تحت شعار الكل رابح والكل مستفيد.

أما بالنسبة للجماهير، من مشجعي الرياضة، الذين يكتفون بمشاهدتها عبر شاشات التلفزيون، فهي تمثل وسيلة للهرب من الضغوط النفسية للحياة اليومية، وإطلاق الغضب المكبوت بشكل فردي منفرد! فالرياضة والانتماء للعبة وتشجيعها يتيح للناس راحة لأذهانهم وشحناً لأجسادهم ليوم جديد من العمل الشاق. ويدفع هذا الملايين إلى متابعة المباريات الرياضية بشغف شديد، وهي ظاهرة حولت الرياضة إلى واحدة من أهم قطاعات ما يسمونه صناعة الترفيه في العالم، وبالتالي أصبحت محل اهتمام متزايد من “جراد” الأرباح: الرأسماليون.

لماذا يهتم رجال الأعمال والمال بالبطولات الرياضية؟

لطالما اهتم رجال الأعمال والرأسماليون الكبار بالرياضة، وبالذات كرة القدم. وفي البرازيل، أهم منتج للاعبين المهرة، كان مَنشأ وتطور كرة القدم في مطلع القرن مرتبطاً بالأندية التي كانت الشركات الكبرى تؤسسها لعمالها بالذات من السود والمهجنين. لكن هذا الاهتمام وصل إلى ذروته واتخذ أبعاداً جديدة في السنوات الأخيرة. فقد أصبح من العادات المنتشرة في الألعاب والبطولات الرياضية وجود ممول أساسي للبطولة وهو ما يطلق عليه “الراعي الرسمي للبطولة”، على أثر توقف الدول عن تمويل ورعاية البطولات مادياً وتركها هذه المهمة لرجال الأعمال. وليس خافياً علي أحد ما يجنيه رأس المال ورجاله من الإنفاق علي الرياضة والرياضيين، فكل وجه من وجوه كرة القدم وعناصرها مثلاً، يتم تسويقه وبيعه وجني مكاسب طائلة من ورائه. لقد وصل مجمل الربح المحصل من بيع الأدوات والمستلزمات الرياضية في أمريكا وكندا إلي 88,5 مليون دولار ومن المتوقع أن يرتفع إلي 160 مليون دولار في العام الحالي. كذلك أنفقت مؤسسة نايكي للأحذية الرياضية 13.8 مليون دولار علي إعلان استخدمت فيه لاعب كرة السلة الشهير “مايكل جوردان” بينما وصلت أرباحها إلي 40.73 مليون دولار.

وفي البطولة الأفريقية الأخيرة في مصر تنافست شركات الموبايل فودافون وموبينيل عبر شاشات التلفزيون علي الإعلان عن جوائز يومية تقدر بعشرة آلاف جنيه ـ وصلت في المباراة النهائية إلي 30 ألف جنية ـ لمن يتصل ويجيب علي أسئلة سهلة! أيضاً نجد أن شركات “بيبسى”، و”إل جي” للأجهزة الكهربائية، و”بوما” للملابس الرياضية قد أمطرت ملابس وأحذية الرياضيين بعلاماتها التجارية وحولتهم إلي لافتات يعلنون عليها بضاعتهم! هذا غير ما تجنيه محطات البث التليفزيوني من احتكارها لإذاعة المباريات، الذي يجبر الملايين من عاشقي اللعبة علي الاشتراك في هذه الخدمة ودفع مبالغ طائلة، كما يحدث الآن مثلاً من احتكار قناة “إيه آر تي” بث مباريات كأس العالم المقبلة في العالم العربي. وتصل تكلفة الاشتراك في هذه الخدمة إلى 1500 جنيه!

ومنذ فترة لا بأس بها أصبح النشاط الرياضي وسيلة للتنشيط الاقتصادي، حتى باتت الرياضة قناة من القنوات الرئيسية لحركة الأموال إلى البلدان التي يعيش فيها أشهر النجوم الرياضيين. فضلاً عن العائدات الهائلة التي تحصل عليها البلدان التي تستضيف البطولات العالمية، وهو ما يفسر ذلك “الصراع المرير” على اختيار الدول المنظمة لهذه البطولات.

وعندما أقيمت البطولة الأخيرة لكأس العالم لكرة القدم في فرنسا، كانت دول تونس والسعودية والمغرب وإيران تشارك بفرقها الوطنية في المباريات. وكان هذا سبباً كافياً لعدد لا يحصى من المسابقات التي أقامتها شركات كبيرة وصغيرة في هذه البلدان الأربعة، بهدف الدعاية لنفسها بطبيعة الحال. إلا أن الجائزة الأولى في كل مسابقة، كانت عبارة عن رحلة جوية إلى فرنسا لحضور المباريات العالمية. وليس هذا إلا مثالاً واحداً من بين عشرات الأمثلة على الخلفية المالية الكامنة وراء أشهر اللعبات الرياضية وأكثرها شعبية في مختلف أنحاء العالم، وإشارة عابرة أيضاً إلى تلك الأرقام القياسية التي تسجلها البلدان المضيفة من حيث حجم العائدات، التي بلغت في أطلانطا خلال الدورة الأوليمبية الماضية أكثر من مليار دولار، أي ما يعادل خمسة أضعاف عائدات الدورة الأوليمبية السابقة على الأرض الأمريكية نفسها، في لوس أنجلوس عام 1984.

لقد أصبح المقياس الحقيقي لشهرة البطولات الرياضية العالمية، مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بضخامة المردود المالي على القائمين عليها والمستفيدين منها، وهي بطولات الدورة الأوليمبية وكأس العالم لكرة القدم كل أربع سنوات، وسباق السيارات في فرنسا كل عام، إلى جانب البطولات القارية السنوية. واستطاع منظمو هذه البطولات غزو العالم بأسره بمخططاتهم المالية، وليس بمبارياتهم الرياضية فقط. ناهيك عن توسع منطق الشركات الراعية للأندية وامتلاك كبار رجال الأعمال لنوادي كرة القدم (الملياردير الروسي ابراموفيتش مالك تشيلسي من أبرز الأمثلة بجانب رئيس الوزراء الإيطالي بيرلوسكوني). وقد صارت الأندية العالمية الكبرى تطرح أسهمها في البورصة بشكل مباشر.

السياسة والرياضة

لكن استغلال الرياضة لا يتوقف عند حدود الاقتصاد. فقد حولت البرجوازية المنافسة الرياضية إلى واحد من بديهياتها الوطنية كجيشها الوطني. وصارت البرجوازية تحول المنافسات بين فريقين يمثلان بلدين مختلفين إلى معركة سياسية تتعلق بالكبرياء والفخار الوطنيين. ولك أن تتخيل ما سيكون عليه الوضع لو كان الفريقان يمثلان بلدين بينهما خلافات سياسية.

ففي المباريات بين المغرب والجزائر تقفز السياسة وتجلس في المنصة الشرفية وكأن اللاعبين سيحددون مصير الصحراء المغربية في حالة فوز أحد الفريقين، أو يبقى الحل في يد الأمم المتحدة في حالة نهاية المباراة بالتعادل. لكن التعادلات الكثيرة أو الانتصارات الخفيفة المتبادلة للجانبين تبقي الوضع على ما هو عليه في انتظار نصر كاسح لأحد الطرفين في إطار حل يبدو أنه تأخر كثيراً. والجمهور الصيني يشتم كثيراً المنتخب الياباني ويذكره بالمذابح التي قام بها اليابانيون حين غزوا الصين. لكن اليابانيين مازالوا ينتصرون في كرة القدم، ومازالوا قادرين على إغاظة الصينيين وجعلهم يبلعون ذكرياتهم المرة عوضاً عن إلقائها على اللاعبين. فالمنافسات الرياضية في ظل الرأسمالية توقظ الأفكار العنصرية والقومية والتعصب وليس العكس كما يدعي القائمون عليها. وفي مباريات كثيرة لكرة القدم يتدخل السياسيون لفرض أسماء اللاعبين وتحذير المدرب من الخسارة لأن الهزيمة تعني هزيمة سياسية وليست رياضية.

كما يستقبل السياسيون منتخباتهم المنتصرة وهم يلبسون قمصاناً عليها رقم 10 كأنهم مهاجمون حقيقيون، ويجلسون مع اللاعبين لأخذ صور تذكارية. ونتذكر هنا الأمس القريب في مباريات كأس الأمم الأفريقية حينما قام مبارك بزيارة فريق كرة القدم في التدريب وكذلك تواجد أبناؤه جمال وعلاء في كل المباريات وحرصوا علي التصوير وسط الجماهير في المدرجات! كرة القدم صارت لعبة رئيسية من ألعاب السياسة.

الكورة أجوال أم أخلاق

يؤثر التنافس الرأسمالي علي كل الأنشطة الإنسانية. فهو يتدخل في الحب واللعب وكل العلاقات الاجتماعية. ويحول التنافس الرأسمالي الرياضة بعيداً عن أغراضها في صحة الأبدان وخلق الأخوة العالمية. فتعريف الأفضل هنا هو: من يستطيع أن يجري أسرع؟ أومن يمكنه أن يرمى بالزانة إلي أبعد مدى؟ أومن يمكنه أن يحرز الأهداف؟ حيث يتحول التهديف والأرقام القياسية إلي سلعة.

يضاف هذا إلى وهم أن الرياضة في ظل الرأسمالية تحقق المساواة بين الجميع الغنى والفقير: ابن الرئيس وابن الغفير. فهذا الوهم يتبدد عندما نرى كيف ترتفع قيمة التذاكر في البطولات التي تحظى بأعلي نسبة مشاهدة، وكيف يتم بيع التذاكر في السوق السوداء (تجاوزت أسعار التذاكر في السوق السوداء في بعض مبارايات كأس الأمم الأفريقية الأخيرة مبلغ الألف جنيه للتذكرة الواحدة)، وكيف تحول الجمهور من جمهور بسيط فقير في هذه البطولة إلي جمهور من الشريحة القادرة علي شراء مثل هذه التذاكر، إلي الدرجة التي جعلتهم يطلقون علي مدرجات الدرجة الأولي “مدرجات مارينا”! وأيضاً بدأت ألمانيا في طرح تذاكر كأس العالم القادمة حيث تتراوح أسعارها بين 633 يورو و15 ألف يورو، والأخيرة تتيح مشاهدة كافة مباريات البطولة وأهمها مباراة النهائي. بينما تتراوح أسعار التذاكر العادية من 35 إلى 600 يورو. وتتضمن البرامج الخاصة بتذاكر الاستضافة تفاصيل عدة، تبدأ من الخدمة الكاملة على الطريق للملعب، وحتى الطعام الذي يتناوله المشجع، إلى جانب المقعد المخصص له في الملعب. ويقوم على خدمة المشجعين الذين يحملون هذه التذاكر في الأماكن الخاصة المحددة لهم بالمدرجات نحو أربع آلاف مضيفة.

الرياضة في مجتمعنا الرأسمالي المعاصر ليست إلا سوقاً خصبة يستثمر فيها رجال الأعمال أموالهم، ويستخدمون اللاعبين، الذين هم بالتبعية مستفيدين. ولم يبق خارج دائرة الربح والتكسب سوى المشاهدين الذين يديرون عجلة أرباح رجال المال والرياضة بثمن التذكرة التي يدفعونها من الأجور التي حصلوا عليها نظير بيع عملهم لنفس الرأسماليين!