بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عربي ودولي

سلسلة "حصاد الرأسمالية":

السكك الحديدية في كوريا الجنوبية: لماذا يُضرب العمال في بلاد متقدمة اقتصاديا؟

تحتل كوريا الجنوبية، تلك الدولة التي يبلغ عدد سكانها 50 مليون نسمة، المرتبة الـ12 من حيث القوة الاقتصادية في العالم، ورابع أكبر اقتصاد في آسيا، ورغم مرور هذا البلد بوضوح بمراحل الانتعاش الأولى للرأسمالية، إلا أنه بفعل الأزمة الرأسمالية العالمية دخل اقتصاده في كساد أدى إلى تسريح أعدادا كبيرة من العمال، في ظل توجه اقتصادي واضح نحو سياسات من التقشف والخصخصة وتقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية المقدمة من الدولة.

ومع قرار للشركة الوطنية للسكك الحديدية بالبدء في استغلال خط جديد لقطار فائق السرعة من خلال مشروع للخصخصة، اعتبر العمال هذا القرار مجرد تمهيد لخصخصة الخطوط فائقة السرعة في كوريا الجنوبية التي تجني أرباحا هائلة للشركة الوطنية، وانتقد العمال ما اعتبروه “سياسة مدروسة” لجعل المؤسسات الحكومية تحت إدارة خاصة، ورأوا أن ذلك سيتسبب في تسريح العمال بصورة جماعية وزيادة قيم التذاكر.

وعلى هذا النحو دخل أكثر من 8500 عامل في إضراب عن العمل استمر أكثر من 10 أيام، قبل أن تقتحم الشرطة مقر اتحاد نقابات عمال هيئة السكك الحديدية في العاصمة الكورية سول، وتشن حملة اعتقالات لقادة الاتحاد والداعين والمنظمين للإضراب.

واجه العمال وأعضاء الاتحاد عملية الاقتحام تلك بمقاومة شديدة، وقاموا برش المياه من الطابق الثالث عشر للمبنى على أفراد الشرطة بالخارج، في الوقت الذي قامت فيه الشرطة بكسر النوافذ وإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع على العمال داخل المبنى. وبعد مواجهات شديدة بين الجانبين اعتقلت الشرطة نحو 130 نقابيا ومنظم للإضراب من اتحاد السكك الحديدية.

الاتحاد الديمقراطي العام لنقابات العمال يعلن الإضراب العام
في مؤتمر صحفي للتعليق على اعتقالات الشرطة لنقابيي السكك الحديدية، أدان الاتحاد الديمقراطي العام لنقابات العمال انتهاك الحكومة لحقوق العمال الأساسية، وأعلن الاتحاد أنه سيدشن حملة لإسقاط رئيسة كوريا الجنوبية بارك جيون هاي، وحكومتها، ودعا لبدء إضراب عام عن العمل في كافة أنحاء البلاد يوم 28 ديسمبر الماضي، تضامنا مع الحركة العمالية ككل، ومع نقابيي وعمال السكك الحديدية المهدَّدين بعقوبات قاسية على إثر إضرابهم في مواجهة سياسات الخصخصة النيوليبرالية.

استجاب لهذه الدعوة أكثر من 100 ألف متظاهر من النقابيين والطلاب والمحامين والأطباء، والعاملين في قطاعات عمالية أخرى، مثل عمال مصانع هيونداي وسامسونج، ووحدوا مطالبهم ضد السياسات النيوليبرالية، وطالبوا بظروف عمل أفضل، وتوفير المزيد من فرص العمل، وأعربوا عن معارضتهم لتوجهات المؤسسات الاقتصادية التي تعمل لاستقرارها الاقتصادي ولا تنظر للاستقرار الاجتماعي لملايين الأسر الكورية، كما أعلنوا أيضا عن تضامنهم مع عمال السكك الحديدية بامتناعهم عن العمل والدراسة في ذلك اليوم الحاشد.

وماذا عن أوضاع العمال؟
كان الوضع في عام 1950 أن الـ 20% الأغنى في العالم يمتلكون 30% من الثروة، وأصبحوا في عام 1992 يمتلكون نحو 60%، في الوقت الذي أصبح الـ 20% الأفقر لا يمتلكون سوى 4.5%، أما في عام 2007 فالـ 20% الأفقر صاروا لا يمتلكون سوى ما يقرب من 2% من الثروة.

أبلغ وأدق وصف لهذا الوضع المتناقض هو مقولة كارل ماركس، التي قالها منذ أكثر من قرن ونصف: “كلما زاد إنتاج العامل، كلما قل استهلاكه، وكلما خلق قيما أكثر، أصبح بشكل أكبر بلا قيمة، إنه نظام “الرأسمالية”، يُنتج أشياء مذهلة للسادة، وينتج الحرمان للعمال، يُنتج القصور من جهة، والأكواخ من جهة أخرى، ينتج الجمال، لكنه يُشوِّه العامل”.

والعمال في كوريا الجنوبية، رغم أنهم في دولة متقدمة اقتصاديا، إلا أنهم ليسوا بعيدين عن هذا، فهم كغيرهم من العمال يدفعون ثمن فوضى السوق التي ينتجها التنافس المحموم بين الشركات والمؤسسات الرأسمالية المختلفة، المُجبرة على النمو والتوسع باستمرار حتى تستطيع البقاء في تلك المعركة، مما يؤدي إلى تراكم فائض إنتاج من السلع فوق حاجات السوق، كما يؤدى إلى استنفاذ وعجز في الموارد والخامات اللازمة لعمليات الإنتاج، فنجد كل دورة رأسمالية من الازدهار والانتعاش والنمو يعقبها فترة من الأزمة والكساد الشديدين، تضطر فيها المؤسسات الرأسمالية المختلفة للاستغناء عن أعدادا كبيرة من العمال، واقتطاع المزيد من حقوق العمال الباقين حتى تستطيع الصمود، قبل أن تبتلع تلك المؤسسات بعضها البعض، مما يصب نحو المزيد من تركيز الثروة، ويُسهِّل على تلك المؤسسات العملاقة توجيه السياسيات الاقتصادية للدول المختلفة بما يخدم مصالحها على حساب الأغلبية الساحقة من شعوب تلك الدول.

هل الأزمة أزمة إدارة أم أزمة نظام؟
سعي الشركات الرأسمالية لإنتاج ما يحقق أقصى ربح بصرف النظر عن الحاجات الحقيقية للسوق هو البوصلة الحقيقية للإنتاج في ظل النظام الرأسمالي، كما أن التنافس بين تلك الشركات في معركة بلا نهاية يجعل ضبط عملية الإنتاج ككل بما يتوافق مع احتياجات السوق الفعلية أمرا مستحيلا، فنجد أن هناك ملايين البشر تحتاج إلى الطعام والعلاج والمأوى، في نفس الوقت الذي يدخل فيه النظام الرأسمالي في أزمة كساد بسبب عجزه عن تصريف منتجاته المتراكمة من السلع التي لا تجد من يشتريها.

ليست المسألة سوء إدارة، فالتنافس والسعي لما يحقق أكبر ربح ممكن، هما سمتان أصيلتان للنظام الرأسمالي، وسبب جوهري لأزماته المتكررة في ذات الوقت، هذه الأزمات التي تدفع الحكومات لانتهاج سياسات تقشفية تقتطع المزيد والمزيد من حقوق الغالبية من المُستغلين، بهدف إنقاذ هذا النظام ومؤسساته وإخراجه من أزمته ليبدأ دورة جديدة من الاستغلال.